في ذكرى يوسف عمر

في ذكرى يوسف عمر

قاسم المعمار

غيري على السلوان قادر

وسواي في العشاق غــــــادر

لي في الغرام ســــــــريرة

والله اعلم بالســــــــــرائر

ومشبه بالغصـــــــن قلبي

لايزال عليــــــــــــــه طائــــر

حلو الحديث وانهـــــــــــا

لحلاوة شــــــــــقت مرائـــــر

اشكو واشكو فعلــه

فأعجب للشـاكِ منه شـاكر

غنى يوسف عمر هذه الابيات على وزن مقام الرست امام لجنة الاختبار في دار الاذاعة العراقية عام 1936. حيث تمت الموافقة عليه مطرباً معتمداً في الاذاعة.. وكان من نظام الاذاعة ان تبث للمطربين الجدد حفلة واحدة في كل شهر، الا ان هذا المطرب الشاب المتألق اصبح يغني حفلتين، ثم له اسبوعياً حفلته الخاصة به.

بهذا النجاح بدأ مطرب المقامات العراقي يوسف عمر الذي ولد عام 1918 في محلة (جديد حسن باشا) في بغداد من أب عراقي وأم تركية الأصل.. تكفله بعد وفاة ابيه ابن عمهم (محمد علي) مختار هذه المحلة الذي اسهم في رعايته الفنية وتشجيعه لحضور المواليد والأذكار والتعرف على رواد المقامات آنذاك.

ومن اجمل ما أنشد في رثاء الفنان يوسف عمر تلك الأبيات الرائعة للأستاذ شعوبي ابراهيم.. نقتبس منها..

حزن المقام وناحت الأوتــار

وغلت عواطل دونك الاشعار

فقد كنت تنشد في الاذاعة صادحاً

لحن المقام وانت فيه منـار

ياصاحب الصوت الجميل لقد بكت

حزناً عليك الرست والاوشـار

الى ان يقول …

سينوح في حزن عليك مقامنــا

والليل والاحباب والســــــــــمار

ارسلت انغام المقام الى المـــلا

فالعرب قد سمعتك والامصـــــار

وتلوت في مدح النبي (محمداً)

وبذكره شهدت لك الاذكـــــــــار وهذه اطلاله توثيقية لتقييم الاستاذ هاشم محمد الرجب عن الفنان يوسف عمر بالقول … (لقد رافقت الفنان يوسف عمر في حفلاته الخاصة والعامة وسفراته خارج العراق ووجدته قارئا متمكنا ومجتهدا للمقام … لم اجده عند غيره من المقاميين بحيث يقرأ المقام كاملاً من التحرير الى التسليم مع تفاصيل قطعه وأوصاله مما يدل على قدرته الأدائية العالية والتزامه بروح المقام).

ويقول الشاعر العربي نزار قباني.. كنت استمع الى مطرب المقام يوسف عمر وأغمض عيني.. فرحتُ أتخيل بغداد الزاهرة.

ومن نصوص اجمل المقامات والقطع التي أداها الفنان الراحل يوسف عمر كما اوردها لنا الاستاذ كاظم جاسم محمد في مؤلفاته القيمة حول رواد المقام العراقي..

مقام السيكاه

عاهدوا الربع ولوعا وغراما

فعرفوا للربع بالدمع ذماما

مقام الأوشــار

ياقامة الرشأ المهفهف ميلي

بضمأي منك لموقع التقبيل

ياقاتلي باللحظ اول مرة اجهز بثانية على المقتول

مقام حويزاوي

لما اناخو قبيل الصبح عيسهم وحملوها وسارت بالهوى الأبل

ياحادي العيس عرج كي اودعهم ياحادي العيس في ترحالك الأجل

مقام البنجكاه

ياساقي الكأس يكفي ايها الساقي

هيجت بالكأس اشجاني واشواقي

عني اصرف الكأس لاتغري بها نظري

هات اسقيني السم ممزوجاً بترياقي

مقام الأورفه

من لعب قيم مشهام

دنف ذي صبابة وغرام

لامه اللائمون بالحب جهلا

وهو في معزل عن اللوام

مقام حجاز كار كرد

ادفن غرامي بلب احشاشتي وادم

وابجي دمه والدموع ادموع يالو ادم

ان جان آني اظل بحسرتي وآدم

– ومن استذكاراتي الشخصية … في أحدي أماسي عام 1961 كنا شله من الاصدقاء العائدة من سفرة لآثار بابل واذا بنا نفاجأ بذلك الصوت الرخامي الجميل من متنزه الشعب في الحلة مما حدا بنا الفضول للحضور والاستمتاع لشدو الفنان يوسف عمر وهو يحيي ليلة جميلة بدأها بمقام اللامي..

أقول وقد ناحت بقربي حمامة

ايا جارتا هل تشعرين بحالي

ايا جارتا ما انصف الدهر بيننا

تعالي اقاسمك الهموم تعالي

ايضحك مأسور وتبكي طليقة

ويسكت محزوناً ويندب سالي

كما تروادني حكاية ذلك الأخ السوداني المقيم في العراق الذي بادرنا السلام ومعي الصديق العزيز رياض قاسم اثناء تجوالنا في سوق بغداد الشعبي في الخرطوم قائلاً ابلغوا سلامي وحبي لصقر المقام العراقي يوسف عمر. هذا شيء كبير لهذه الشخصية الفنية الودودة في عليائها وجلوي ذكراها الفطري في الالتقاط والحفظ والترديد والابتكار.. احببناه منذ طفولتنا صوتاً مؤثراً وشعراً حلواً وأداء رخيماً رائعاً.. كانت سمة حفلاته هي شعبيتها … فالكل يبجله.. عشناه سنوات طوال بصحبة الفنانين الكبار … شعوبي ابراهيم عازف الجوزة.. وهاشم الرجب عازف السنطور.. وعلي الدبو عازف الرق.

لقد برعت واجادت هذه الشخصية الفنية في أداء كافة المقامات وتحريرها.. بدءً من الرست والصبا ومروراً بالحكيمي والنوى والمنصوري وعجم عشيران والاوج… حتى البنجكاه والاوج والمحمودي والراشدي والدشت.

ها نحن اليوم نعيش ذكرى يوم وفاته عام 1986 تاركاً وراءه سجلاً مليئاً بروائع فن المقام العراقي الأصيل … يقول عنه الفنان الراحل خالد الذكر (محمد القبنجي) … (فنان اعجبني كثيراً ومتقن رائع للمقامات العراقية.

اما الاستاذ يحيى ادريس فيقول عن يوسف عمر … ان الحديث يقودنا عن المرحلة المقامية التي انطلق فيها وعن مظاهر التأثر في ادائه وعن الجدارة التي امتلكها واصبح رائد المقام العراقي … وتشكل المرحلة التي ظهر فيها يوسف عمر وبالتحديد سنة 1948 فترة صعبة لإنحسار هذا اللون الغنائي بعد توقف عدد من قراء المقام عن العطاء وطغيان الحسية نحو الأغنية الحديثة باتجاهين: الأول: تطوير البسته البغدادية من حيث الزخارف اللحنية والتوزيع الموسيقي واستخدام الآلات الحديثة بكثرة … والثاني: انعطاف الملحنين العراقيين الى اللحنية المصرية وانبهارهم بها.. ولقد اعتلى يوسف عمر منصة قراءة المقامات الصعبة التي غادرتها الحنجرة المقامية وكان له الفضل الكبير في حفظها.

كان معي وقت كتابة هذه السطور صديق العمر الباحث الاعلامي شاكر المعروف وهو يشاطرني في هذه التغريدات بنوادر فكهة جمعته مع صديقه يوسف عمر اثناء حضورهم المشترك للمواليد والاذكار وكيف كان يختلس يوسف الفرص لحضور هذه المناسبات التي غالباً ما كان يحضرها الفنان الكبير محمد القبنجي بعيداً عن انظار ومسامع ابن عمه محمد علي.. كان المعروف اثناء كتابتي يدندن بما حفظته ذاكرته من ابيات تلك القصيدة الجميلة للشاعر عبد الغفار الأخرس والتي غناها يوسف عمر بـ (مقام الحجاز).

ياحمام الدوح غرد طرباً

واشدو ما شئت حجازاً وصبا

*****

وعلى الأيك ترنم صادحاً

وانتشق طيب شذى ريح الصبا *****

وهب الدهر لنا لذته

واسترد الدهر ما قد وهبا

*****

وأصاب الشيب صحبي وأنا

دون صحبي شبت في شرخ الصبا

*****

الزميل الصحفي الاستاذ (يحيى الدباغ) له حديث موثق عن الفنان الخالد يوسف عمر في برنامج تلفزيوني (الحان خالدة) جاء فيه …

بكل تأكيد ان الفنان الكبير يوسف عمر يعرفه الاصدقاء والجمهور المحب لفنه كقارئ مقامات من الطراز الأول المتميز فيه … لكني سأذكر جانب آخر من هواياته ربما لايعرفها أحد لكوني قريبا منه فهو شقيق والدتي ونحن ساكنين في بيت واحد وكنت أطلع اليه عن قرب رغم الفارق بيني وبينه بالعمر.. هواياته العديدة في مقدمتها ممارسة رياضة الزورخانة وتعني (بيت القوة) وهي من أقدم انواع الرياضات التي كان يمارسها الشباب للتمارين البدنية وبناء الاجسام … ومن قراء المقام مارسها الاستاذ محمد القبنجي والمرحوم عبد الهادي البياتي وآخرين.

وفي فصل الصيف كان يوسف عمر يقضي طول وقته في السباحة بمياه دجلة كون نهر دجلة قريبا الى منطقتنا (جديد حسن باشا) وكان ماهراً في السباحة.

من هواياته الأخرى لعبة كرة القدم في ساحة الكشافة وهي قريبة علينا ايضاً، وكذلك يجيد الركض السريع.. أما الهواية الرابعة فقد كان خالي هدافا جيد جداً بواسطة (المصيادة) وهي لعبة شعبية يمارسها آنذاك معظم الشباب.

أمنيات لم تتحقق

كان ابو يعكوب يتمنى دائماً ان يرزق بولد يرثه.. ولكن لم يتحقق له ذلك رغم انه تزوج مرتين من عائلتين كريمتين وهذه مشيئة الله سبحانه.

أما الأمنية الثانية فقد كان يتمنى ان يسقط على المسرح وهو يقرأ المقام ولم يتحقق له ما أراد رحمه الله.

ومن وصايا الاستاذ يوسف عمر لطلابه وتلامذته من قراء المقام العراقي ان يكونوا جديرين بحفظ الشعر سواء أكان عمودياً او دارجاً (الأزهيري) مع فهم كل مفردة يؤدها في المقام لكي لايكون محرجاً.. اما السائل من الجمهور الحاضر وهم من الطبقة المثقفة.. ومن جهة ثانية على مطرب المقامات ان يتحلى بالملابس الأنيقة لكي تعطي جمالية للفن الراقي الذي تؤديه… وسلامة اللغة العربية (اللغة الأم).

وما روي عن فناننا يوسف عمر انه مر ذات يوم في سوق السراي فشاهد مجموعة من الناس متجمعين وقد رفعوا انظارهم الى سقف السوق وكان يتراءى لهم منقار عصفور او رأس افعى ولا يظهر منه الا القليل.. كانوا يتراهنون فأخرج يوسف عمر (مصيادته) من جيبه وصوبها نحو السقف وفي لحظة سقطت افعى اصابتها المصيدة في رأسها.

وبعد ان قدمنا شيئا بسيطا عن الحياة الفنية لرائد المقام العراقي يوسف عمر نكون قد وصلنا الى رسم وتثبيت مسارات الاصالة والترسيخ لهذا الفن في الغناء العربي الذي يمتاز بروعة الأداء والمعرفة الحرفية الدقيقة بخفايا المقام وتنقلاته النغمية وأوصاله واجناسه، فهو صاحب صوت متكامل في قراراته وجواباته وصفاء تقربه للأذان المتذوقة … فهو يعد مدرسة نغمية، ضليع بالانغام العراقية منها الابوذية والنايل والسويحلي … وساهم في تأليف الزهيريات منها ما ينشده مع المقام المخالف كما جاء في اشارات الاعلامي الاستاذ كمال لطيف سالم.

حقاً ان الشجن قد يأخذ منا لوعة ونحن اليوم نستذكر فنان الشعب والأمة بكل مآثره الحياتية والفنية بشيء من الروعة والخلود.. لانجد سعة لهذا الفن في ادبنا الموسيقي والغنائي العربي الأصيل الا ما ندر او في طريق الخفوت.. حينما نجد قارئ المقام الغريد حسين الأعظمي والفنانة الرائعة فريدة يصدحان بهذا اللون الادائي المتقن للمقام العراقي والبستات البغدادية في غربة الوطن