مطربٌ غنّى بقلبه! .. في ذكرى المطرب الكبير يوسف عمر

مطربٌ غنّى بقلبه! .. في ذكرى المطرب الكبير يوسف عمر

خالد جواد شبيل

حتى ستينات القرن الماضي كانت خارطة الغناء العراقي محدودة الرواد، رغم المساحة الواسعة ذات الألوان المتعددة التي يزخر بها الغناء العريق لبلاد الرافدين منذ أقدم العصور، متمثلة بالغناء الريفي ذي الأطوار المتعددة من "الأبوذية" والمواويل والغناء الشعبي وتلاحمه مع الغناء البدوي كالعتابة والركباني والنايلي والسويحلي …

أما الغناء المديني فقد تسيده الغناء البغدادي كالبستات والمقام العراقي، مع خصوصية للغناء البصري وخصوصية أخص للغناء الموصلي. بيد أن الغناء البغدادي الحديث بقيت له السيادة على العراق كله قبل أن يغزو الغناءُ البيني(الريفي – المديني) منذ السبعينات الغناءَ العراقي ويطبعه بطابعه ومن ثم انتشاره السريع الى دول الجوار ودول الخليج. ناهيك عن التراث الغنائي الثر للكرد والتركمان والذي يتداخل مع المقام العراقي في كثير من المقامات كالبيات ولا سيما القوريات، والكرد، والأورفة، والنهاوند، والسيكاه العراقي (الخزام)…الخ.

لم يكن طريق الغناء سالكا أمام الهواة لأسباب عديدة ذاتية وموضوعية، كما أن اختراق حاجز لجان الفحص والإختبار صعب جدا وقتذاك، وتكون الصعوبة مضاعفة لمن رام المقام العراقي مسلكا، ذلك الغناء الصعب، بسبب سعة المقامات وتنوعها، وتشعبها وكثرة مسمياتها، مما يتطلب ثقافة نظرية بالأنغام الشرقية وأذنا موسيقية مرهفة التمييز للصوت درجة ونغمة، وخبرة يصقلها المران وكثرة الإستماع، اضافة الى الشرط الأهم هو التكامل الصوتي للمطرب أي سعة المساحة الصوتية بين القرار والجواب، وطول النفس، والجمال، والأخير يتعلق بالخصائص النوعية للصوت، فما كل صوت عال يصلح للمقام كما هو شائع، بل أن القرار لا يقل أهمية عن الجواب، فهناك أصوات عالية لبعض (مطربي ومطربات) المقام تخلو من جمال النبرة بل تسبب صداعا وقد ترفع الضغط أحيانا!! كما أن القرار الجميل وحده لا يكفي لقصوره في بلوغ الميانات والترجيعات الصوتية العالية. في حين يكمن روعة القرار وحسن ادائه في التحرير (البدوة) ونهاية القطعة (الجلسة)، وخاتمة المقام التسليم (التلوة).

في عام 1948 – وهذا العام مهم في تاريخ الغناء العراقي، لأنه سجل ولادة أكثر من مطرب مثل شعوبي ابراهيم وناظم الغزالي- تقدم شاب قوي البنية، مهيب الطلعة، قد أتم ثلاثة عقود من عمره، تقدم بخطى واثقة الى دار الإذاعة العراقية لمقابلة خبير المقام العراقي المشهور سلمان موشي، ليتعرف على أمكاناته الغنائية بعد أن شبع إطراء من كل من استمع اليه. طلب منه الخبير أن يبدأ بالرست، فغنى ثم طلب منه أن يتحول الى السيكاه فلبى، وقاطعه الى البيات… وطلب منه قطعا فأدى، مما أدهش الممتحِن، وجعله يصرح بكلمة لن ينساها الشاب طيلة عمره: أنت مطرب مقام متكامل، سائلا أياه أين كنت طوال هذه الفترة؟ وكان الجواب: كنت أسمع، عندها اعتُمِد يوسف عمر مطربا في الإذاعة، حيث يكون الغناء حيا على الهواء، ولا مجال لتصحيح الخطأ إن ارتُكِب.(من مقابة تلفزيونية مع يوسف عمر، فحواها من الذاكرة). وسلمان موشي هذا مرجع من المراجع الكبار في المقام العراقي هُجّر –للأسف- الى اسرائيل مع من هُجّر من عمالقة آخرين كالأخوين داوود وصالح الكويتي وغيرهم من المواهب العراقية اليهودية … يكفي أن نذكر أن سلمان موشي قد أخلف قاريء المقام العراقي الشهير رشيد القندرجي (1887-1945) كخبير في المقام في الإذاعة العراقية.

عرف القرن الماضي مدرستين في تأدية المقام العراقي، المدرسة المحافظة في قراءة المقام والتي تزعمها المطرب رشيد القندرجي، والتي تعتمد آلات التخت الشرقي، السنطور، الجوزة والطبلة… اشتهر هذالمطرب باسلوب الترجيع اللحني (الميلودي) بدل الكلمات والتي تتيح له تجاوز أوكتافا تقريبا للمدى الصوتي العادي، من خلال التلاعب بالحبال الصوتية جزئيا أوكليا بما يعرف بالفالستو من الإيطالية(falsetto) وتعني التكلف، وهذه التقنية معروفة بالإداء الاوبرالي أيا كان المؤدي رجلا أو إمرأة،،، بينما يذهب الأستاذ عصام الجلبي أن هذا الأسلوب يعرف لدى قراء المقام بالزبر. (راجع: iraqiart.com). أما المدرسة الثانية فكانت مدرسة التجديد التي وضع اسسها الأستاذ الكبير محمد القبنجي (1901-1988)، الذي طور الأداء وجعله اكثر استرسالا وتطريبا، أي نقل المقام من القراءة الى الغناء، وادخل عليه آلات موسيقة لا قبِل للمقام بها من قبل كالكمان والقانون والناي والعود، كما استطاع أن يبتدع مقام الحويزاوي وان يجعل من مقطوعات صغيرة مقامات كاللامي والقطر…

في بداية حياته الفنية قلد يوسف عمر استاذه القبنجي، ثم سرعان ما جمع بين هاتين المدرستين واستطاع أن يبتدع اسلوبا خاصا به لاقى رواجا كبيرا لدى العراقيين، كما استطاع أن يضيف خبرة قلما يذكرها المعنيون بدراسة المقام ألا وهي تطعيم المقام بالغناء الريفي، وهذا التأثير يرجع الى المطرب الفراتي الكبير عبد الأمير الطويرجاوي، وخاصة في الإنتقال من مقام الصبا الى البيات "عزيز وخلفت بالكلب…"، وكذلك الأنتقال الى الغناء البدوي النايل والسويحلي…إن الإنتقال من مقام الى آخر أو من نغم الى آخر بانسيابية وحسن تخلص صفة لا يستطيع عليها كل من ولج هذا الفن بل هي ميزة الكبار مثل القبنجي وحسن خيوكة ويوسف عمر، وقد يلمس القاريء ذلك بغناء الحفلات التي أبدع بها مطربنا العظيم. والتي مصدرها الإستماع في المقاهي البغدادية لكبار المطربين، والأهم منها تمرسه في المنقبات النبوية والأذكار، حيث الصوت عاريا بدون موسيقى وبدون مايكروفونات(وقتذاك) والإرتجال والأسترسال وحسن الإنتقال هو المختبر الحقيقي للمطرب الكبير، أما أن يؤدي المطرب المقامات فرادا ويسير بحرفية الاداء كالقطار على السكة وبوتيرة واحدة لا روح فيها: تحرير- ميانة- تلوة- بسته ثقيلة، فهو تنفير للسامعين وقتل لروح الإبداع!!

امتاز مطربنا بقوة الصوت من درجة التينور (نحوالبريتون مع تقدم العمر) مع بحة خفيفة تزيده شجى وتأثيرا، وإخراج للحروف من مخارجها الصوتية بكل وضوح فلا يلتبس الكلم على السامع، مع قدرة صوتية متكاملة تصحبها إمكانية هائلة على التحكم بالصوت، وإخضاعه للنص علوا وانخفاضا، مع قابلية على الترجيع، والأستغراق بالميانة لعدة ابيات مما يدل على طول نفس، ومحافظه مدهشة على هوية الصوت في القرار والجواب، هي المميزات الصوتية والأدائية ليوسف عمر، حتى ليبدو للسامع ان يوسف عمر يغني بقلبه لا بحلقه، تتجلى هذه الخصائص في المقامات الكاملة كالرست (غير على السلوان قادر،لابن الفارض)، والصبا (هو الليل يشجيه الأسى فيطول للرصافي)حجاز ديوان(ياحمام الدوح غرد طربا لعبد الغفار الأخرس) والسيكاه (عاهدوا الربع ولوعا وغراما للمرعي اليمني)، الحسيني (ما لنا كلنا جو يارسول للمتنبي) على سبيل المثال، وفي مقام الأوج/السيكاه العراقي أبدع يوسف عمر أيما إبداع في (جسمي كطرفك في هواك عليلُ* وقصير ليلي من جفاك طويل) حيث يحلق مطربنا كالنسر في ميانته الى أعلى مدى لعدة أبيات ثم ينخفظ الى التسليم الذي يستغرق قرابة عشرين ثانية أو أكثر! وقد اشتهر يوسف عمر في مقام البنجكاه/الرست في صيحته المشهورة من درجة المحير التي يستغرق فيها برهة غير قصيرة والتي الهبت الجمهور تصفيقا(جسد أشبه شيء في الخيال)…

أمتاز يوسف عمر بالطريقة التاثرية- التعبيرية بالغناء، وبحسن اختياره للقصائد الذي يدل على ذائقة شعرية راقية، تردفها ذاكرة قوية اختزن فيها مئات من القصائد والمواويل وألوانا من الشعر الشعبي والريفي والبدوي، من غير البستات البغدادية التي كان يؤديها بطريقة مؤثرة تدل على احساسة بما يغني في كل ما غنى وكان مميزا في اختيار الابيات التي ينفعل بها بالميانات مما يدهش الجمهور المستمع. كما كان حريصا على ضبط النصوص لغويا مما ابعده عن اللحن (هو أقل المطربين لحنا) وكان يعرف تماما ماذا يغني حسب طبيعة الجمهور، فلجمهور يشكل العسكريون غلبته كان يتحفهم بالمووايل والبستات مع مقامات قصيرة، وللمثقفين كان يغني المقامات الثقيلة، وفي جميع الحالات تجده ذلك الفنان المجلى الذي لا يضاهيه آخر..

من المووايل غنى لكبار الشعاراء بما فيهم الحاج زاير النجفي وجبوري النجار… أبدع في الحكيمي/السيكاه، حيث غنى (يا كلُب وِد اللي يودك واترك الخلوك) ثم ينتهي بالركباني(نامت الناس وما تيسر منامي)، ومن الكرد (جربتهم مافوا بالغانمات معاي)، ومن الحجازكار(أدفن غرامي بلب حشاشتي وادِم)..

ومن الشعراء الكبار –اضافة لماذكرنا آنفا- غنى لأبي نواس سينيته المشهورة (والله ما شرقت شمس ولا غربت*إلا وذكرك مقرون بانفاسي) مقام نهاوند، ولابن معصوم الحسني الحسيني (أما الصبوح فإنه فرضُ* فعلام يُظهرحسنك الغمضُ) على النوى/نهاوند، ومن الجدير بالذكر أن الميانة كانت بالبيت الملتاع الذي جسده اروع تجسيد(لاتُنكروا لهوي على كِبَر* فعلي من زمن الصِبا قرضُ)، وللحبوبي غنى رائعته (يا يوسف الحسن فيك الصبُّ قد ليما* ولو رأوك هووا للأرض تعظيما)من مقام المنصوري/صبا، وكانت الميانة (إذا رأتك النصارى في كنائسها*مثلثا ربّعت فيك الأقانيما)، وللحبوبي أيضا غنّى رائعته (شربناها فخامرت النفوسا*تجلت في زجاجتها عروسا) من مقام السيكاه العراقي(خزام)، (ومقاطع من شمس الحميا، صبا) ولجميل صدق الزهاوي (ياشعر إنك صورة لضميري*يبديك حزني تارة وسروري)من مقام عجم عشيران، والتسليم بالبيت(أحمامة غنت بجانب دجلة لم يبق مستمع إليك فطيري)، ولو واصلت لملّ القاريْ.

شكل يوسف عمر والفنان الخبير الأستاذ شعوبي ابراهيم (1925-1991) عازف الجوزة منذ بدايته ثنائيا مبدعا قلما يفترق، وكان التفاهم بينهما والإنسجام لا تجد له مثيلا بين قائد فرقة مقتدر ومطرب مقتدر ايضا، كان صوت الجوزة الحاد يصدح لا يلينه الا صوت يوسف عمر القوي الشجي، وتبدو بقية الآلات مساندة في المقدمات والدواليب الموسيقية، بيد أن الحوارات بين الجوزة والسنطور الأستاذ الكبير بقيادة عبد الله علي في مقامات الأوج والمنصوري والحسيني… تضفي على الألحان الجادة هيبة ووقارا.

ولد يوسف عمر داوود البياتي في محلة جديد حسن باشا في الرصافة من بغداد عام 1918، وقد نشأ يتيما، وعهد الى عمه بتربيته وكان يصطحبة منذ الصغر الى الأذمار والمواليد، فأبدى ميلا كبيرا نحو الغناء، وسرعان ما نمت موهبته معتمدا على نفسه وأخذ يتردد على المقاهي التي يقرأ فيها المقام العراقي، شارك في المنقبات النبوية وواضب عليها حتى احترف الغناء في الإذاعة – كما اسلفنا- احتل المرتبة الثانية بعد استاذه الكبير محمد القبنجي، وقد أتقن وغنى جميع المقامات العراقية حتى الصغيرة منها وغنى باللغة التركية بعض المقامات مثل مقام تفليس/السيكاه حيث أدى دور المطر رحمة الله شلتاغ، وفي الخمسينات شارك في فلم سعيد افندي حيث قرأ الصبا. توفي في 15 تموز عام 1986. وقد ترك أثارا قوية في اسلوب غناء المقام، كما أثر بمن عاصره ومن أتى بعده من القراء مثل الأستاذ الكبير الراحل حمزة السعداوي، وأقرب من غنى باسلوبه المطرب الكبير حامد السعدي والمطرب الكبير الاستاذ حسين الاعظمي وغيرهم.

لم تصدر دراسات تتناول هذا المطرب الكبير ولم يعط حقه من تلاميذه بما يتناسب وقامته الفنية، قرأت عنه كتيبا، هزيلا يحمل اسم هذا الفنان "الفه" أحد العازفين الشبابـ،احتوى نبذة مبتسرة مع نصوص الأغاني والمقامات لم يسلم بيت منها من خطأ، وحوى هذا الكتيب مقالة مقتبسة مهمة للأستاذ حسين الأعظمي، كما احتوى كتاب الأستاذ ثامر العامري"المقام العراقي" على مقالة عن حياة الفنان. وبهذه المناسبة أدعو وزارة الثقافة ونقابة الفنانين، أن تلتفت الى هؤلاء العباقرة الكبار لتطلق أسماءهم على قاعات أو معاهذ فنية إن لم تقم لهم تماثيل تخلدهم.