لنتذكر سلطانة يوسف..زيارة الى المطربة الرائدة وحديث صريح معها

لنتذكر سلطانة يوسف..زيارة الى المطربة الرائدة وحديث صريح معها

كمال لطيف سالم

كنت احس بالرهبة تسكنني، وكنت ارسم صوراً عديدة، متداخلة، ومختلفة لسلطانة يوسف.. وكنت ارنو الى ضلفة الباب نصف المفتوحة، وبرز وجهها امامي تماما، كانت تضع نظارة طبية بيضاء غطت نصف وجهها البيضوي، وتلف طرحة بيضاء حول رأسها.. وسلمت عليها، لكنها كانت غاضبة.. وقالت:

- لقد تركت كل شيء.. انني متقاعدة منذ سنوات طويلة، ولا اريد الظهور على شاشة التلفزيون.. ارجوكم اتركوني.. كان صوتها ما يزال قويا، وكانت تتمتع بحيوية كبيرة، وقلت لها..

"انني مبعوث من مجلة الاذاعة والتلفزيون احمل لك تحيات المجلة، ورغب بان اجري حديثا معك".

وهدأت.. قالت وهي ترنو الى زملائي بريبة.

- تعني انك لا تنوي اظهاري في التلفزيون. واكدت لها مهمتي من جديد، فتبسمت وقالت وهي تنهد..

- تفضلوا.

هذه المراة التي عاشت سنوات طويلة تبعثر النقود يمينا وشمالا، وتمتلك بيتا انيقاً جميلا، غدت اجيرة، تسكن حجرتين صغيرتين فوق سطح المنزل الذي ولجنا فيه، في هذا الحي الفقير.. كانت الحجرة التي ادخلتنا فيها، تضم سريرا قديماً ودولابا للملابس، ودولابين صغيرين، وكرسيين عاديين من المعد ن، واضطررنا الى استعمال منضدة صغيرة للجلوس، بينا ظل احدنا واقفا، وجلست هي على حافة السرير المغطى ببطانية قديمة.. كانت الحجرة نظيفة رغم كل شيء، وكانت الجدران مغطاة بمجموعة كبيرة من الصور، لم تكن لها منها الا صورة واحدة، تمثلها في اوج شبابها. عليّ ان اقول لكم اولا اننا لا ننوي، ولم يكن في نيتنا منذ البدء ان نحقق سبقا صحفياً، رغم تحقيقنا له، فقد اهتممنا جميعا في المجلة، بدأ من السيد رئيس التحرير بقضية "سلطانة يوسف" التي هي الان في حجرة قديمة على سطح بيت صغير في احد احياء مدينة الموصل البسيطة.. وها نحن نراها وقد اعدت الى جوار الحجرة اناء من الماء الساخن وكومت ثيابها الى جواره لتقوم بغسلها بنفسها..!!

ها سعدون جابر. اما زلت تبحث عن "نجوى".

تعرفينه..؟

- ارى اغانيه في التلفزيون...

قلت لها:

* اليس غريبا انك ما زلت امية..؟!

- في طفولتي منعاني الفقر والجهل عن الذهاب الى المدرسة، وعندما اصبحت امتلك المال، كنت قد نسيت تماما حكاية تعلم القراءة والكتابة.

* اذن.. كيف كنت تحفظين اغانيك..؟

- لقد كنت احفظها بعد ان يرددها المؤلف امامي عدة مرات، وخلال التدريب على اللحن اكون حفظت كلمات الاغنية تماما.

* فمن كان يكتب لك اغانيك..

أعني من هم اشهر من تعاملت معهم..؟

- مؤلفي المفضل كان عبد الكريم العلاف.. اما الملحن الذي افضله (صالح) وقد لحن لي صالح اغنيات عديدة نالت شهرة واسعة مثل اغنية "وين المروة" واغنية "يا طيور الروض غني" و"آه يا قلبي الحزين"..

* ولكنهم يقدمون "وين المروة" في التلفزيون على انها مجهولة الملحن.. وبالمناسبة فان "انوار عبد الوهاب" تغنيها ما رأيك..؟

هل تشاهدين التلفزيون كثيراً..؟

- انا لا عمل لي الا مشاهدة التلفزيون منذ افتتاحه بتلاوة القرآن الكريم حتى انتهاء موجز الانباء في آخر الليل.. انصرف عنه فقط عندما يعرض فلما او مسلسلة اجنبيين ذلك لانني اجهل القراءة.

* اذن ما رأيك بالاصوات الغنائية التي تسمعينها..؟

- حسين نعمة مطرب جيد وكذلك ياس خضر وفاضل عواد ومحمد حسين مرعي ومائدة نزهت، لكن سيتا لا تعجبني، لانها تغني بطريقة غريبة على الغناء العربي.. اما الذين سبقوهم ففيهم المرحوم ناظم الغزالي وايضا رضا علي ملحن ومغني جيد..

واخمن السبب في عدم رغبتها في سماع اغانيها.. ان هذه المراة التي كانت جميلة وغنية وكان صوتها حلوا غدت امراة كبيرة السن تقترب من الشيخوخة والعجز، لذا فهي تمقت كل ما يذكرها بالماضي الرائع، ماضيها الرائع.. وعندما جاهرت برأي هذا، قالت:

- نعم انها تذكرني بالماضي، بالمجد والشباب، بل انها تشدني الى تلك الايام المضيئة، لقد كنا نتمتع بالشهرة والجمال والحظ السعيد، وقد امتلكها كل شيء، ثم ذهب كل شيء، فهل يعود الشباب يوما.. انا قانعة بهذه الحياة، فالقناعة كنز لا يفنى، ولا اريد ان اتثبت بالماضي حتى من خلال اغنياتي.. ولكنني اقول لك بصدق انني نادمة كوني عملت في الفن.. لقد خرجت منه تماما كما دخلت في عالمه، معدة وحيدة.

م كلثوم قالت لي..!

لقد كانت مطربة شهيرة.. الذي نريده منك ان تقيسي صوتك، اعني ان تحدثينا عن طاقات صوتك..؟

- كما قلت لكم.. انني المطربة الوحيدة التي كانت تغني المقامات.. كانت زكية جورج تمتلك صوتا رائعا، وصديقة الملاية مطربة جيدة وصوتها جميل، وكانت سليمة مراد تغني "بستات" جميلة وشعبية.. لكنني كنت الوحيدة التي تغني المقامات وتجيد اصولها.. وقد كان صوتي مشهورا بقوته وكنت استطيع الغناء بدون (مايكروفون) ببساطة..

حدث ان رقابة الملاهي اصدرت قرارا بمنع (المايكروفونات) في الملاهي الصيفية، وكنت اغني في احد ملاهي الموصل في حينه، عندما جاؤوا للتفتيش عن (المايكرفون) في الملهى، واصرت صاحبة الملهى على انها لا تمتلك (مايكرفون).

لكنهم اصروا على وجوده وكان دليلهم صوتي الذي كان يلعلع في الخارج.. وعندما وقفت على المسرح وشاهدوني وانا اغني بدون (مايكرفون) ادركوا الخطأ الذي وقعوا فيه.

انا وسليمة مراد..!

قلت لسلطانة يوسف التي كانت تتحدث بتلقائية حينا، وبحرج واضح حينا آخر.

* ها انت تنعتيهم جميعا بالجودة فاين الحقيقة في ارائك هذه..؟؟

- اقول لكم.. لقد عشت طوال حياتي ولا احارب احدا او اسيء الى اي مخلوق، فما بالك اذا كان هذا المخلوق فنانا من صنفي.. لقد كنت مسالمة واحب الوحدة، لذلك كان اصدقائي قليلين جدا، لكنني لم اكن ابخل في مساعدة من يقصدني في حاجة، ولعل هذا هو سبب ما انا فيه من فقر الان.. ا نا احب العزلة منذ طفولتي.. والان ان اهتم اذا ما بقيت في البيت شهرين او اكثر. وكنت استلم راتبا شهريا قدره (90) دينارا وهو مبلغ كبير جدا في حينه، ولا ادري لماذا كانت سليمة تحاول عرقلة اعمالي، لا سيما عندما اتفق على تسجيل اسطوانات، فقد كانت تعمل على عرقلة هذا الاتفاق!.

قد قدمت السيدة ام كلثوم الى العراق، لا اعرف اي سنة بالضبط، وعملت في (ملهى الهلال) الذي يمتلكه "جبار السبع" وكان يصحبها الموسيقار "محمد القصبجي".. كانت تقدم ثلاث حفلات في الاسبوع، وكان صاحب الملهى قد استأجر لها بيتا في الاعظمية، وفي (راس الحواش) بالضبط.. وهناك التقيت بها، فقد زرتها مع مجموعة من الفنانات.. وقد طلبت مني اني اغني قليلا، وغنيت.. فقالت لي.. (انت مطربة صوتك اوي وسليم وكان يجب ان تكوني في مصر لتنالي ما تستحقينه..).. وفي ذلك الحين لم اكن افكر مطلقا في ترك القطر والاغتراب عنه حتى ولو كان هذا في سبيل المجد..

م. الاذاعة والتلفزيون 1978