في يوم المعلم..هكذا عرف التعليم الثانوي في العراق

في يوم المعلم..هكذا عرف التعليم الثانوي في العراق

خنساء زكي شمس الدين

بعد إحتلال بغداد يوم 11 آذار 1917، عهد إلى الميجر (همفري بومان) H.E.Bowman، الذي تسلم إدارة المعارف من الاستاذ حسني بك عبد الهادي الذي إستقال من منصبه وغادر العراقويساعده (ليونيل سمث) lionel f.smith،

وكان هدفه من التعليم الإكثار من المدارس الابتدائية لغرض تهيئة كادر متواضع من المتعلمين الذين يعهد إليهم، سدّ الشواغر في دوائر ودواوين الحكومة، بعد أَنَّ غادرها موظفوها السابقون مع إستمرار تصاعد العمليات العسكرية. ولم تبدِ سلطات الإحتلال اهتماماً ملحوظاً بالتعليم الثانوي على خلفية عدم وجود العدد الكافي من المعلمين المؤهلين، وعدم وجود العدد الكافي من الطلبة المؤهلين لتلك الدراسة، وعدته مشروعاً مؤجلاً للأسباب السابقة، فضلاً عن ذلك، فان البريطانيين لم يشاءوا نشر التعليم بصورة كبيرة إلاَّ بما ينسجم مع مصالحهم وبالقدر الذي يرغبون به في توفير عدد من الموظفين في المؤسسات الحكومية وعلى وفق سياستهم المبنية على الدقة أو الحذر في الإختيار، لإظهار حسن نيتها مع العراقيين.

وبناء على ذلك قررت نظارة المعارف فتح عدد من المدارس الفنية والمهنية في صيف عام 1917، منها (مدرسة المساحة) على شكل دورات مدة الواحد منها (عشرة أسابيع) وعين لإدارتها الاستاذ قاسم العلوي وفتحت مدرسة مإموري المالية على شكل دورات شهرية أمد كل منها ستة اشهر ومنهاجها يختص بالإمور المالية ودراستها باللغة العربية والتركية بسبب رغبة قوات الاحتلال في الحصول على مإمورين في دوائر المالية في منطقة كركوك والمناطق الشمالية المحتلة الاخرى، وعين لادارتها سعدون الشاوي، ولم تستمر الدراسة فيها إذ اغلقت ابوابها بتاريخ 3 نيسان 1919 والمدرسة الاخيرة هي مدرسة التجارة المسائية ومدة الدراسة فيها اربعة اسابيع على شكل دورات، فتحت ابوابها في 10 تموز 1918 وسجل فيها (70) طالباً معظمهم من ابناء التجار اليهود، وكل طالب يدفع (5) روبيات عن مدة الدورة، أما منهاجها فيختص بإمور التجارة فقط.

أعلنت سلطة الاحتلال البريطاني عن رغبتها في فتح مدرسة (تجهيزية) أو ثانوية) في بغداد، نتيجة مطالبة الأهالي المستمرة، وتوقع تخرج طلاب الصفوف المنتهية من المدارس الابتدائية.

وفي المدة ما بين 26-29 اب 1919 جرت الامتحانات العامة للصفوف الرابعة الابتدائية، وفي ثلاثة مراكز إمتحانية في كل من بغداد والموصل والبصرة، وبعد ظهور النتائج، وجدت نظارة المعارف العمومية، بانه قد حان الوقت لفتح صفوف ثانوية في كل من بغداد والموصل، كبداية أولية في حقل التعليم الثانوي ففتح ذلك الصف في كل من بغداد والموصل في اواخر عام 1919 معتمدين على كوادر تدريسية من السوريين واللبنانيين والمصريين والبريطانيين ووضع منهاج خاص لتلك المرحلة وإستمر الوضع على ما هو عليه حتى اعلان الانتداب عام 1920.

أما في مدينة الموصل التي لم تشهد عمليات حربية كتلك التي شهدتها مدن العراق الاخرى، فقد إستمر التدريس في مدارسها ولم يلحقها أي تدمير أو خراب، مع بقاء المعلمين فيها الذين كانوا يقومون بواجباتهم لانهم لم ينسحبوا مع القوات العثمانية المنسحبة شمالاً وقد عين الكابتن (بيس) G.H.Base، وكيلاً لناظر المعارف في الموصل، واول عمل قام به هو غلق المدارس التي كانت قائمة في العهد العثماني لان معظم معلميها من الاتراك.

أما التعليم الثانوي، فلم يباشر بفتح مدارس ثانوية، سوى ذلك الصف الثانوي الذي فتح اسوة بالصف الثانوي ببغداد عام 1919.

م تشكيل الحكومة المؤقتة التي ترأسها عبد الرحمن النقيب في 25 تشرين الأول 1920، والتي دخل معه في تشكيلتها ثمانية من الوزراء.

أما بالنسبة لوزارة المعارف فقد عين لها عزت باشا الكركولي الذي اصبح وزيراً للمعارف والصحة العمومية (كانت المعارف والصحة وزارة واحدة) ولكن بسبب عدم اتقانه اللغة العربية، كلفت سلطات الانتداب البريطاني شخصية اخرى لذلك المنصب هو محمد بحر العلوم وذلك في 22 شباط 1921. وعين إلى جانب كل وزير مستشار بريطاني، كان له الدور المباشر في ادارة شؤون الوزارة ومنها وزارة المعارف التي انصرفت في بادئ الامر إلى الاهتمام بالمدارس الابتدائية الرسمية ولم تول اهتماما بالمدارس الثانوية.

شكلت الوزارة النقيبية الثانية، يوم 12 ايلول 1921. وفيها اصبحت وزارة المعارف وزارة مستقلة عن الصحة وعهد بمسؤوليتها إلى محمد هبة الدين الشهرستاني. في يوم 27 ايلول 1921 وعين معه المستشار البريطاني (المستر نورتون) E.L.Norton ليكون الموجه الحقيقي لوزارة المعارف.

وبذلك تكون مرحلة الحكم الوطني هي البداية الصحيحة والحقيقية لتطوير التعليم وقد انعكس الاهتمام الحكومي والشعبي بشؤون التعليم ايجابياً من خلال الزيادة التي طرأت على عدد الطلاب حينما كان عدد الطلاب في المدارس الابتدائية الرسمية في العراق خلال العام الدراسي 1920-1921 حوالي (8) الاف طالب، ارتفع هذا الرقم ليصل إلى نحو (15) الف طالب خلال العامين (1921-1922) (1922-1923) إن تلك الزيادة انما تعكس الرغبة العامة عند الناس بارسال ابنائهم إلى المدارس وقد أدت الصحف والاحزاب والمعهد العلمي دوراً كبيراً في تشجيع الناس على ارسال ابنائهم الى المدارس.

ولعل اول وزارة عراقية وضعت منهجاً تعليماً واضحاً في مناهجها، هي الوزارة السعدونية التي تشكلت يوم 16 تشرين الثاني 1922 حيث اكد فيها تقوية الشعور الوطني والقومي واتخاذ الوسائل الفعالة لتثقيف ابناء الشعب فكراً واخلاقاً وفقاً للمبادئ الدينية السامية وقد اخذت الوزارة توجه اهتمامها نحو التعليم الثانوي وفي عهدها تخرجت اول مجموعة من الطلبة في العام الدراسي 1922-1923، وبلغ عددهم (11) طالباً، (8) من بغداد و (3) من الموصل.

ثم اخذ العدد يتزايد تدريجياً، ويتزايد معه عدد المدارس الثانوية في العراق ليصبح عددها اربعاً، الاولى في العاصمة بغداد والثانية في الموصل والثالثة في البصرة والاخيرة في كركوك. وذاك ما أكده ساطع الحصري في تقريره الصادر خلال السنة الدراسية 1922-1923، عن واقع المدارس الثانوية في العراق جاء فيه: ((إن في العراق اريع مدارس ثانوية، وان مدرستي العاصمة والموصل الثانوية، اصبحتا كاملتي الصفوف وفيها عدد لا بأس به من التلاميذ... أما مدرستا البصرة وكركوك، فلم تتوفر فيها شروط التكامل، لانهما لم تكونا مبنيتين على اساس متين)).

لم يتسع نطاق التعليم الثانوي الحديث في العراق إلاَّ في عام 1925، بعد أن زيدت مخصصاته المالية وحدّثت ادارته، واصبحت نقطة تحول مهمة في تاريخ التعليم الثانوي. وصدرقانون المعارف العامة رقم 28 لسنة 1929 وبموجبه اصبحت مدة الدراسة الثانوية خمس سنوات بدلا من اربع سنوات، وقسمت إلى مرحلتين، الاولى متوسطة ومدة الدراسة فيها ثلاث سنوات تنتهي بامتحان (بكلوريا) ودراسة اعدادية مدة الدراسة فيها سنتين وتقسم إلى فرعين أدبي وعلمي، ويطلق على المدرسة التي تضم صفوفاً متوسطة واعدادية في بناية واحدة (المدرسة الثانوية الكاملة).

عن رسالة (الثانوية المركزية في بغداد)