مشكلة سبينوزا ..السرد يبسط الفلسفة

مشكلة سبينوزا ..السرد يبسط الفلسفة

علاء الدين محمود

رواية "مشكلة سبينوزا"، الصادرة مؤخراً عن دار الجمل، هي العمل السردي الثالث للطبيب النفسي الأمريكي "إرفين د.يالوم"، والذي قام برصد العوالم النفسية لعدد من الفلاسفة مثل نيتشة وشوبنهاور في روايتيه "عندما بكى نيتشة"، و"علاج شوبنهاور"، وها هو يدلف عبر هذا العمل إلى عوالم الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا "1632 1677"، الذي يعد أهم فلاسفة عصره في القرن السابع عشر.

العمل يشبه أدب السيرة الذاتية، فهو يروي قصة الفيلسوف، لكنه حكي ممتزج بالخيال، ليقدم تفاصيل دراما نفسية فلسفية قمة في الروعة، والكاتب يغوص في تفاصيل الصراع الذي عاشه سبينوزا بسبب فلسفته، وهو ما أدى إلى نبذه وإقصائه من الطائفة اليهودية، حيث اتهموه بالهرطقة، كذلك يتناول العمل قصة صعود وسقوط المنظر النازي، "ألفريد روزنبرغ"، الذي أمر فرقته بنهب محتويات مكتبة سبينوزا القديمة.

العمل ينقلنا إلى عصر سبينوزا، ويجعلنا نقترب من عوالمه المعقدة المملوءة بالغموض، في قصة تبحث في التأثير والقلق، وأصل الخير والشر، وفلسفة الحرية وطغيان الرعب، وقد استطاع الكاتب من خلال منهج التحليل النفسي أن يصنع رواية جريئة بلغة إبداعية عامرة بالصور ورصد المشهديات والوصف للأماكن والشخصيات والحالات النفسية والصراع.

وعبر التحليل النفسي لشخصية سبينوزا ينفذ الكاتب إلى فلسفته واللحظات التي شكلت مفاهيمه ومقولاته، وأثر البيئة والأحداث المحيطة في توجهاته الفكرية والفلسفية، فالمؤلف يكتشف في سبينوزا فيلسوفاً مختلفاً لا يخرج كل ما عنده فهو "فيلسوف مقنع يقول نصف الحقيقة ويترك النصف الآخر للذكاء أو للتطور الطبيعي".

وقد وجدت الرواية صدىً كبيراً في مواقع التواصل الاجتماعي، والقرائية المتخصصة، وعند المهتمين بالفلسفة بشكل خاص، وصدرت العديد من المقالات والآراء المعقبة عليها، ويشير أحد القراء إلى الأسلوبية العظيمة للكاتب، والتي نجحت في تقديم فيلسوف غامض قائلاً: "المتعة الكبيرة في هذه الرواية أنها جمعت بين السرد والفلسفة، فقربت الأخيرة لأذهان الناس، حيث إن الفلسفة معروفة بالغموض، ناهيك عن الغموض الخاص بسبينوزا"، فيما يشير آخر إلى نفاذ المؤلف إلى عوالم الفلسفة بسلطان علم النفس فيقول: "من المعروف أن يالوم يكتب روايات متأصلة بقوة في التحليل النفسي، وذلك لخلفيته كطبيب نفسي، وبالتالي فإن التقنيات المستخدمة في التحليل النفسي قد سبرت أغوار عوالم سبينوزا".

ويتناول قارئ آخر قضية اللغة عند سبينوزا وكيف أنها حفلت بالرموز، وذلك من أجل أن يؤجل الصراع مع قومه، ويقول: "لغة سبينوزا الاستدلالية كانت بمثابة درع حماية له، فأفكاره الدينية والسياسية قد سبقت عصره، وعمد إلى استغلاق لغته عن فهم العامة ليتفادى غضب أهل عصره"، ويتناول قارئ آخر عبقرية الكاتب نفسه التي قد تضيع في خضم الاندهاش بعوالم سبينوزا الساحرة، ويقول: "الكاتب لم يقدم لنا مادة في التحليل النفسي أو عرضاً فلسفياً فقط، بل بسرد رائع يعتمد على العديد من تقنيات السرد الحديث، فمهمة الأديب هي في خلق عالم روائي خاص به، يبني مؤسساته، ويبدع شخصياته، ويدير العلاقات في ما بينهم، وذلك ما فعله الكاتب بالضبط"، وهو الأمر الذي يتفق معه قارئ آخر وجد أن إرفين د.يالوم، قد نجح في الأهم وهو توفير المتعة للقارئ.

· عن صحيفة الخليج