شوبنهاور والنصف الفارغ من كأس يالوم

شوبنهاور والنصف الفارغ من كأس يالوم

كه يلان محمد

ناقش الكاتب الأميركي إرفين د.يالوم في روايته "عندما بكى نيتشه" إمكانية التسامي على الأزمات الذاتية وتحويلها إلى دوافع للنمو بدلاً من أن تكون عاملاً لتأجيج غرائز الإنحطاط فما كان يعاني منه فيلسوف الريبة من المرض والعزوف عن الصداقات وغياب الأب وندرة المُتابعين لمحاضراتهِ،

وتأخر الإعتراف بأثره المعرفي وإخفاقه في الحب شحذ نبوغه أكثر ومضى في إستهداف الإرث الفلسفي وتفكيكه لدرجة ثار على من نزلهم بمنزلة الأساتذة في شبابه. انقلب على شوبنهاور الذي وصف لحظة إكتشاف كتابه "العالم كإرادة وقوة" بمنعطف معرفي لكن ما يقوله بحقه لاحقاً يناقض هذا الموقف.

إلى هنا قد لا يصعبُ إيجاد حلقة التواصل بين رواية د.فالوم عن "نيتشه" وما نشره بعنوان "علاج شوبنهاور" ومن نافلة القول التذكير بأنَّ ما يرمي إليه إرفين د.فالوم من مشروعه الروائي هو توظيف المادة الفلسفية لتناول الظواهر الحياتية وفتح ممر لتداول الهواجس الوجودية حيثُ يتمُ تطويع القالب الروائي لتمرير أفكار الفلاسفة، هذا ناهيك عن سرد محطاتٍ من سيرة هؤلاء، وبذلك يكونُ أمام القاريء مجال لتأملِ مراحل التكوين ونمط الحياة والعوامل المؤثرة في تنشأة شخصية الفيلسوف وتمكنه من إختراق الأسيجة الشائكة.

أسلوب الحياة

تتناوب فصول رواية "علاج شوبنهاور" بين سيرة مؤلف "الملاحق والمغفلات" وعرض رؤيته للحياة وما يدور لدى المشاركين في جلسات المعالجة إذ يتمُ ترويس افتتاحيات أقسام الرواية بأقوال شوبنهاور فضلاً عن تضمين عباراته المقتبسة من كتبه في الكلام المُتبادل بين شخصيات الرواية، إذ يمثلُ فليب الذي كان في حلقة مرضى جوليوس، فالأخير حاول معه لمدة ثلاث سنوات ليتعافى من الإدمان الجنسي لكن لا تنفعُ المحاولات، وينغمسُ فليبُ في الملذات مقتنصاً فرائسه واحدة تلو أخرى. ولم يكن يحظى بفترة الإستراحة إلا بعد ممارسة الحب، وهذا النهم لاشيء يخمدهُ سوى فلسفة شوبنهاور المتقشفة.

ما يفهمُ من جزئيات هذا العمل الروائي المطعم بنزعات فلسفية أنَّ شوبنهاور قد سبق غيره في ارتياد طبقات معتمة في النفسية البشرية

يشارُ إلى أنَّ ألبير كامو يلمحُ في كتابه "أسطورة سيزيف" إلى وجود التناقض بين تسويق شوبنهاور للإنتحار وحظوته بمائدة بديعة متسائلاً هل علينا بمواجهة مثل هذه المتناقضات أن نستنتج أنه ليست هناك علاقة بين الرأي الذي يحمله المرء عن الحياة والفعل الذي يرتكبه لمغادرتها؟ فعلاً كان شوبنهاور حريصاً على الحياة، فيهربُ من الخدمة العسكرية، وما أن ينتشرُ الوباءُ في برلين حتى يغادر المدينة، كما يتركُ نابولي خوفاً من الإصابة بالجدري وتلاحقهُ في فيرونا فكرة تنشق السم، لكن الأهم في هذا الصدد ليس الإلتفات إلى وجود التنافر بين الفكر والسلوك بقدر ما يجب إثارة سؤال حول إمكانية تعاطي مع الحياة بإيحاء فلسفة شوبنهاور؟ وهو عرف بسوداويته إذ كتبت له أمه "أعرف جيداً كم أن إحساسك بسعادة الشباب قليل، وكم أنَّ مزاجك في التفكير السوداوي الكئيب كبير الذي ورثته من والدك". وكان يستخفُ بالناس واصفاً إياهم بكائنات تسيرُ على قدمين وكلما اختلط بالرجال داهمهُ الشعور بأنَّه أصبحَ أقلَّ إنسانيةً، ويتفق في ذلك مع توماس كيمبيس. زيادة على ما سبق ذكره فإنَّ الإنسان كائن مخدوع برأي شوبنهاور لأنَّ بلوغه للذة قصوى تكمنُ في غريزةٍ تضمنُ استمرارية النسل إذاً فإنَّ هذه الرغبة الغريزية، لا تقاوم ولا يحكمها العقلُ.

وبالنسبة لشوبنهاور فإنَّ الزواج ليس إلا ديناً يسدده المرءُ في الشيخوخة، فكان يكره كل أشكال التواصل، وتأصلت فيه روحية إستعلائية ما برحَ يرددُ "أنا لستُ في موطني الطبيعي ولست بين كائنات مساوية لي"، وحسب ما يفصحُ عنه مضمون الرواية فإنَّ شوبنهاور تأثر بالفلسفة الرواقية، كما أنَّ الحكم والأقوال المأثورة التي تنساب في سيرته تدعمُ ميوله للعزلة والعزوف عن الأواصر الإجتماعية. وما ترويه ريبيكا عن شوبنهار حيثُ يفترضُ بإنَّه إذا تيقظ لأحد إستنطاق الأرواح المقيمة في الأجداث وسألها هل تحب أن تعيش ثانية فمن المؤكد رفض العودة هو ما يجتمعُ عليه الموتى. ومايقع النظر على هذا الرأي حتى يتجدد السؤال كيف تصبحُ فلسفة شوبنهاور وصفة للحياة؟

العد التنازلي

تستمدُ حركةُ السرد مزيداً من التشويق مع التحولات التي يشهدها موقع الشخصيات في فضاء الرواية، إذ لا تلتزمُ عدسة الراوي بمتابعة شخصية واحدة وبذلك تصبحُ البؤر السردية متعددةً، ومن جانبه يعتمدُ إرفين د.بالوم على هذا التكنيك في بناء عمله الروائي حيثُ يفتتحُ السردُ بمراقبة الراوي لشخصية المعالج النفسي جوليوس، ويستبطنُ مستواه المعرفي لافتاً إلى الأسئلة التي تنثالُ على ذهنه بشأن الموت وعلاقة جوليوس بالفلسفة الرواقية والأبيقورية، وما قاله رواد المدرستين حول الموت، ومن ثمَّ يتضحُ الموقف أكثر بأنَّ من يحتاجُ إلى العزاء هو الطبيب النفساني الذي كان يوظفُ ما في علبته من المقولات الفلسفية لتهدأة مرضاه.

ولكن بعد اكتشاف إصابته بسرطان جلدي يتأكدُ جوليوس الذي هيمن على أوساط الطب النفسي لمدة ثلاثين سنة، وعالج عددا من الأطباء المعروفين بأنَّ حياته تتخذُ منحى مختلفاً وأصبح على مرمى سنةِ واحدة من النهاية، حسب تشخيص بوب كينغ. والحال هذه فإنَّه أراد عبور مرحلة التوتر وغالب الأرق بالتجول في مكتبته وتأملَ كلمات نيتشه "أكمل حياتك"، و"لتمت في الوقت المناسب".

وينبشُ في ملف الأشخاص الذين عالجهم إلى أن يقتنع بضرورة أن يمضي سنته في مزاولة عمله، وكان يشقُ عليه سد الفراغ الذي تركه رحيل زوجته دون الإنهمام في مهمته. أخيراً يقع اختياره على فليب ليتواصل معه من جديد، علماً بأنّهَ قد مرت خمسة وعشرون عاماً على آخر لقاء قد جمعه به، وقد يكون الدافع وراء ذلك هو إعادة المحاولة مع مريض قد فشل في معالجة أزمته، وهذا ما يؤكده فليب بنفسه في محادثته مع جوليوس مشيراً إلى وطأة الكلفة عليه.

تتبعُ سيرة آرثر شوبنهاور

وما يشد الإهتمام في هذه الحلقة هو تحول شخصية فليب سلايت من المهووس بالجنس إلى معالج نفسي إذ يسرد خلاصة تجربته في دراسة الفلسفة قبل أن يهتدي إلى شوبنهاور، ويلفتُ انتباه طبيبه السابق إلى مشروعه "الفلسفة السريرية"، ويبدي رغبته بأن يصبح جوليوس مشرفاً له، وما من الأخير إلا أن يقترح عليه انضمامه إلى جلسات المعالجة الجماعية، وهذا يعني انفتاح السرد على شخصيات جديدة، طبعاً ما يجمع بين هؤلاء هو العقد والأزمات النفسية من بينهم بام التي تسافرُ إلى الهند في رحلة العلاج الروحاني، غير أن انقطاعا من الحياة لا يعجبها. فهي تريد أن تتعافى من هوسها بعشيقها جون الذي إختارته بديلاً لزوجها الطبيب إيريل ريبيكا عندها عقدة إفراط الإهتمام بالمظهر. وتعتقدُ بأن ماهيتها مهمشة في علاقتها بالآخر، ومشكلة بوني تتمثلُ في المظهر أيضاً مقتنعة بأنها لا تتمتعُ بمواصفاتٍ توفر لها إعجاب الرجل.

جيل لا تنتظمُ علاقته الزوجية ناهيك عن إدمانه وستيوارت، وهو طبيب الأطفال لا يتمكن من العيش خارج الأطر الوظيفية، أما توني فلديه عقدة التعليم، ومع الوقت يتطور مستوى مشاركته مع زملاء الجلسة مع تواجد فليب في الجلسات الأسبوعية، والإدلاء بدلوه في سير النقاشات ينزعُ كل مشارك إلى الإعتراف بما سكتَ عنه سابقاً، إذ يتبينُ بأنَّ الجنس هو ما يكون عنصراً رئيساً في تجارب معظم المشاركين، ولا ينفصل هذا الموضوعُ عن مشكلة الموت والحرية وفقدان التوازن النفسي، وما يضاعفُ من حدة النقاشات، هو اصطدام بام بعد عودته من الهند بوجود فليب في حلقة الزملاء إذ تنتقل الإضاءة بين الاثنين، ولا تمانع المرأة الذكية من استعادة قصة تواصلها الجسدي مع مُريد شوبنهاور، عندما كانت طالبةً وما ألمها ليس نزوة فليب بل خسارة صديقتها مولي التي عثرت على قائمة أسماء ضحايا فليب، حيث وجدت بينها إسم بام.

هكذا يستقطب الاثنان محور الجلسات وتتواردُ الملفوظات والمقولات الفلسفية في سياق السرد. هذا إضافة إلى تتبعُ سيرة آرثر شوبنهاور وبيئته الأسرية ويأتي كل ذلك للإبانة عن دور الفلسفة في معالجة الأوبئة التي تفترسُ الروح قبل الجسد.

وما يفهمُ من جزئيات هذا العمل الروائي المطعم بنزعات فلسفية أنَّ شوبنهاور قد سبق غيره في ارتياد طبقات معتمة في النفسية البشرية، وثمنَّ عدد كبير من الأدباء والمفكرين دوره على هذا الصعيد، لكن ما قدمه شوبنهاور ليس إلا دعوة لرؤية النصف الفارغ من الكأس، وللقاريء حرية الاختيار بينها وبين ما قاله نيتشه "هل كانت تلك هي الحياة حسناً مرة أخرى" أو ربما يكون جريئاً ولا يتبعُ أحداً.