مسألة موت وحياة

مسألة موت وحياة

خالد منتصر

قصة حب عمرها سبعون عاماً بين الطبيب النفسى الشهير ارفين يالوم وزوجته مارلين أستاذة الأدب المقارن، تتحول سطورها الأخيرة إلى كتاب مشترك، كل منهما يكتب فصلاً مستقلاً، ويتبعه الآخر، لكن الفصول الأخيرة من الكتاب كتبها الزوج فقط، لأن مارلين كانت قد رحلت،

اتخذت قرار الرحيل باختيارها، بالموت الرحيم حتى ترتاح من ألم المرض. مأساة موت وحياة، كتاب بديع ومختلف ومتفرد، صادق جداً، وصادم جداً، كنت قد قرأت روايات ارفين يالوم الثلاث الشهيرة التى حققت نجاحاً مدوياً والتى جعلتنى حريصاً على متابعة الجديد الذى يصدره، قرأت له رواياته التى مزج فيها بين الفلسفة وعلم النفس بشكل لم يتطرق إليه أحد من قبل، قرأت رواية عندما بكى نيتشه وشاهدتها فيلماً سينمائياً، وعلاج شوبنهاور، ومشكلة سبينوزا، لذلك توقعت أن تكون تلك التجربة الشخصية أكثر جمالاً وجاذبية، وقد صدق حدسي.بدأت قصة الكتاب عندما أصيبت مارلين بنوع من أنواع السرطان الميلوما المتعددة الذى يصيب خلايا البلازما، تسبب العلاج الكيميائى للمرض فى إصابتها بسكتة دماغية، وبعد انقاذها قررت أن توثق تجاربها وهى تشرف على الموت، كتاب يكتبانه معاً تكون فيه فائدة لأزواج آخرين يواجه أحدهما مرضاً مميتاً، كان قد كتب ارفين فى كتابه العلاج النفسى الوجودى أنه من الأسهل أن تواجه الموت إذا لم تكن لديك أشياء كثيرة تندم عليها فى الحياة التى عشتها، كان هذا هو منطلق الكتاب الذى جعل تجربة انتظار الموت بالنسبة لمارلين تجربة خالية من الخوف، مليئة بالسكينة، فقد عاشا معاً كما كتب ارفين حياة خالية من الندم، لم تضع منهما فرصة للاستكشاف، كانت عبارة نيتشه تدور دائماً فى عقله: يموت كثير من الناس فى وقت متأخر، ويموت بعضهم فى وقت مبكر، مت فى الوقت المناسب.

عاش ارفين صراعاً وهو فى نهاية الثمانينيات بين أن يلبى رغبة مارلين فى التخلص من الألم بالموت الرحيم الذى كانت تسمح به قوانين كاليفورنيا، وبين عدم قدرته على فراقها، خاصة أنه هو الآخر تهاجمه هواجس الموت بعد أن ركب منظماً للقلب من الممكن أن يتوقف فى أى لحظة، تتساءل مارلين بعد كل جلسة حقن كيماوي، هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟ هى فى السابعة والثمانين، وفى إمكانها طلب الموت الرحيم، وهى تشفق على زوجها ارفين من تبعات الرعاية والتوصيل للجلسات والمتابعة.. الخ. يتذكر ارفين عزلته كطفل يهودى فى حى ملىء بالسود، ثم كراهيته للجراحة والتشريح فى كلية الطب، منذ أن وجد صرصوراً فى محجر عين الجثة فى درس التشريح! تذكر كيف منذ أحب مارلين فى سن الخامسة عشرة، استطاع أن يتجاوز كل خوف، كيف يطلب منه الآن أن يتركها للموت، كان ارفين قد اتخذ قرار التقاعد عن العمل كطبيب نفسى بالرغم من قسوته عليه، إلا أن ذاكرته الحادة قد بدأت تخونه، ولولا مارلين هى التى تمد له طوق النجاة كل مرة لإنعاش ذاكرته، حاول أولادها الأربعة التخفيف عنها، لكن الألم قد فاق الاحتمال، وأصبح المشهد أمام الأبناء والأحفاد هو عبارة عن عجوزين فى رقصة الحياة الأخيرة، كان آخر أمل هو فى علاج الجلوبيلين المناعي، لكنه فشل أيضاً، يقول ارفين من المرعب أن أتخيل عالماً بدون مارلين، لكن مارلين كانت قد اتخذت قرارها بطلب الموت الرحيم، حينها فهم ارفين معنى عبارة الروائى كونديرا الذى قال: إن أكثر شيء يخيف من الموت ليس خسارة المستقبل وإنما خسارة الماضي.

فى الواقع، فإن فعل النسيان هو أحد أشكال الموت، قابع دائماً داخل الحياة، أحس بأنه بموتها سيموت جزء كبير من ماضيه، لن يستطيع تذكره، كانت مارلين مقتنعة بوجهة نظر أبيقور فى الموت وتخفيف القلق منه بتلك الحجج الثلاث، بما أن الروح فانية وتهلك مع الجسد، فلن يكون لدينا وعى، لذلك لا يوجد شيء يجب أن نخاف منه بعد الموت، وبما أن الروح فانية وتتحلل بعد الموت، فلا يوجد ما نخشاه، لذلك حيث يوجد الموت لا أكون موجوداً، ولماذا نخشى شيئاً لا نستطيع أن ندركه أبداً؟، حالة عدم ما بعد الموت، هى نفس حالة عدم ما قبل الميلاد، لا فرق، بتلك الثقة ذهبت مارلين للانتحار بمساعدة الطبيب وتحت إشرافه بعد أن بات المورفين صديقها المزمن ورفيقها الدائم لتسكين الألم، قبل رحلة النهاية اشترى ارفين ضعف كمية الشاى الذى تحبه مارلين، والذى تعود أن يحضره إليها، قالت له لقد حان الوقت، تناولت دواء مانعاً للقىء، ثم ١٠٠ مجم ديجوكسين، و ١٥ جم مورفين، و٨ جرامات أميتربتيلين، وجرام ديازيبام، طحنوا لها الأدوية لأنها لا تستطيع البلع، بعد أن وضعت شفاطة المص جانباً، وأنهت شرب كوكتيل النهاية، توقف القلب بعد أربعة عشر نفساً، ودعت مارلين الحياة، واستكمل ارفين بقية فصول الكتاب وفاء للعهد بينه وبينها، لكنه وهو المعالج النفسى الشهير ما زال لم يمتلك شجاعة مارلين وتصالحها مع الموت.

· عن جريدة الاهرام