بصقة في وجه الحياة عن فؤاد التكرلي وجيله الفريد

بصقة في وجه الحياة عن فؤاد التكرلي وجيله الفريد

احمد عبد الحسين

رواية فؤاد التكرلي "بصقة في وجه الحياة" أعيد قراءتها مراراً لأتأكد مما كنت أعرفه سلفاً: أن جزءاً كبيراً من نصّ الكاتب غير مسؤول عنه هو تماماً وبالكامل، بل هو ـ في نحوٍ منه ـ نتاج الثقافة السائدة في عصره، نبتُ الفضاء الثقافيّ الذي عاش فيه، وابنٌ شرعيّ للمهيمنات الفاعلة، ابن الصرعات والقيم الثقافية الشائعة في وقته.

كان زمن كتابة هذه الرواية القصيرة المؤلمة، وقت شيوع الحفر في أعماق المجتمع العراقيّ. السوسيولوجيا فتحتْ عينها في العراق بعونٍ من عليّ الوردي ونقّبتْ في جدار صلد من الأعراف المعمّرة لتكتشف جذراً من الهشاشة في كلّ شيء؛ هشاشة مؤداها أن هذه الأعراف ـ رغم قدسيتها الكذوب ـ تتستر على نزواتٍ غاية في الانحطاط.

عمل الروائيّ مردود إلى عمل عالم الاجتماع، ولا تلمس رغبة في الرواية لإخفاء مرجعها. كلاهما ـ الوردي والتكرليّ ـ كان محافظاً في الحياة، ثورياً في الكتابة، وتشبه نصوصهما شخصيتيهما. ثمة اتزان وصرامة مُبداة من قبلهما في العيش والتصرّف والمواقف السياسية، هي غلاف روح هائجة تريد أن تحطم الاتزان والصرامة وتكشف زيفهما.

بصق التكرليّ في وجه الحياة بألم، لكنّ الورديّ فعل ذلك قبله "أو ربما بالتزامن معه"، كلا الرجلين وجد ينبوع اشتغاله في مجتمعٍ غارق في التناقض إلى رأسه. وهما فيهما الكثير الكثير من ذلك التناقض، عبّرا عنه بهدوء، وبأقلّ ما يمكن من إثارة الحفيظة، ليس بسبب خوفهما بالضرورة، بل لمعرفتهما ان "الثأر وجبة يفضّل أن تؤكل باردة"، لهما ثأر مع مجتمع وسمهما بميسمه، وجعلهما شبيهين به، متناقضين.

كلّ ثورة "علمية أو أدبية" لها هيئة الفضيحة، كوبرنيكوس وغاليلو فضحا خرافة مركزية الأرض "وبالتالي مركزية الإنسان" في الكون، داروين فضح أصلنا الحيوانيّ الذي تسترنا عليه مديداً، فرويد فضح هشاشة النوازع التي نسميها إرادة.

الإنسان كتلة فضائح بانتظار عبقريّ ما في زمن ما يستخرجها، بهدوء وروّية ليقدمها لنا ونتملى بها ونحن نبتسم مجللين بعارنا.

كشف الورديّ فضائح المجتمع علمياً، أكمل بعده التكرليّ عمله أدبياً، ولم تنته فضائح هذا المجتمع بل زادتْ وتعمقتْ وغدتْ أكثر وضوحاً، لكنّنا اليوم نتلهى بألاعيب وفذلكات لا تغني ولا تثمر، تاركين للنسيان هذا الينبوع من الفضائح الذي من شأنه أن يؤسس أدباً وعلماً يضاهي ما أسسه أبناء هذا الجيل الذي لن يتكرر؛ جيل الورديّ والتكرلي.