معلمي التكرلي

معلمي التكرلي

عبد الخالق الركابي

في أول زيارة له إلى بغداد – عقب فوزه بجائزة العويس – اتصل بي الروائي الكبير فؤاد التكرلي هاتفياً مقترحاً اللقاء، صباح الجمعة، في مقهى (الشابندر). رحبت بالفكرة؛ فما من مرة قدم زائراً إلا والتقيته في ذلك المقهى، بيد أن ما أثار انتباهي طلبه أن أجلب معي، هذه المرة، نسختي من رواية (سانين) للروائي الروسي أرتزيباشيف ترجمة إبراهيم عبد القادر المازني.

في طريقي إلى شارع الرشيد، وأنا أقود سيارتي (العصملية) في شوارع تكاد تكون خالية، فكرت بسر طلبه هذه الرواية تحديداً. ووجدتني أتذكر أنه سبق له أن ذكر (سانين) في أكثر من رواية من رواياته ولاسيما في (المسرات والأوجاع) إن لم تخني الذاكرة.

في المقهى، وفي الزاوية التي تقع إلى اليمين، قرب الواجهة الزجاجية، التقيت التكرلي بين عدد من الأصدقاء، فتعانقنا لنتبادل بعدها - وسط ثرثرة جهاز التلفزيون المعلّق فوق رأسينا على رف - الأسئلة المعهودة عن (الصحة والأحوال).

ناولته (سانين)؛ فتأمل غلافها الأخضر لحظات ليعمد إلى تصفحها قبل أن يعيدها لي قائلاً:

- إنها طبعة جديدة تختلف عن الطبعة الأولى التي صدرت ضمن سلسلة كتب مترجمة كان يشرف عليها طه حسين.

بعد مرور بعض الوقت اقترح، هذه المرة، المرور بالروائي مهدي عيسى الصقر في بيته في المنصور. وعند خروجنا من المقهى تأمل بأسى بناية القشلة – حيث سبق له أن شغل منصب قاضٍ هناك - كما مرّ بكشك مختص ببيع الكتب القانونية قائم على يمين مدخل سوق السراي ليسأل صاحبه عن سلفه الذي سبق له أن اعتاد التعامل معه، فكان جواب الرجل:

- إلى رحمة الله.

في طريقنا إلى بيت الصقر أخبرني، بهدوئه المعهود، أنه رشح اسمي للفوز بجائزة العويس. واستدرك موضحاً:

- ثمة تقليد يتبناه القائمون على الجائزة وهو أن يرشح الفائز اسم من يراه جديراً من بعده بالفوز بالجائزة في المجال الإبداعي نفسه.

شكرته بحرارة مؤكداً أن ترشيحه إياي يعني لي الكثير كما لا يخفى عنه... لكنه قاطعني ناصحاً، وسيارتي تقترب من بيت الصقر:

- المتقدمون لنيل الجائزة يعدّون بالمئات؛ فأقترح عليك أمراً واحداً وهو: نسيان الجائزة منذ هذه اللحظة والانصراف إلى كتابة المزيد من الروايات.

ونسيتها منذ تلك اللحظة دون أن أنسى الترحّم على روح معلمي الروائي الكبير: فؤاد التكرلي.