لمحة في خصوصية المكان لدى الروائي فؤاد التكرلي

لمحة في خصوصية المكان لدى الروائي فؤاد التكرلي

جمال كريم

بدأ فن السرد القصصي والروائي في العراق منذ ثلاثينيات القرن الماضي، تقليديا من حيث الشكل والمحتوى، فقصص وروايات، محمود احمد السيد وذنون ايوب وشاكر خصباك في بداية مسيرته الادبية وغريهم من مجايليهم، لم تخرج من أطر التقليدية،

حيث عالجت أغلب تلك النتاجات موضوعات اجتماعية عراقية كانت سائدة سنينئذ وباساليب وتقنيات فنية بسيطة، وربما يكون هذا السياق السردي قد ظل ساريا خلال سنوات العقد الرابع من القرن المذكور، غير أن اغلب الباحثين والدارسين الذين تناولوا السردية العراقية الحديثة من حيث النشاة والتطور، وبخاصة دراسات الراحل د.عبدالاله احمد، يذهبون أو يؤرخون لنشاتها الفنية الحديثة، الى مطلع العقد الخامس وما تلاه من اعوام، مع ظهور كتاب بارزين في حداثة هذا الفن، امثال عبد الملك نوري ومحمود عبد الوهاب ومحمود الظاهر ونزار سليم، والتكرلي وعيسى مهدي الصكر وغيرهم، وقد كان لكل كاتب موضوعاته ومعالجاته فضلا عن اسلوبه.

ويذهب بعض النقاد والدارسين الى القول ان الحداثة في القصة العراقية ارتبطت بكاتبين هما عبد الملك نوري، وفؤاد التكرلي الذي ويتفرد من بين مجايليه في فن السرد العراقي الحديث، بنواح تقنية واسلوبية انعكست على معالجاته التي انصبت على الموضوعة العراقية، مكانا وكيانات اجتماعية، تنتمي اغلبها الى الطبقة البورجوزية الصغيرة والوسطى، والفئات الاجتماعية الكادحة والمسحوقة، ولاغرو في ذلك اذا ما عرفنا، ان التكرلي نفسه، عاش فترة طويلة من حياته في وسط حي شعبي من احياء بغداد- باب الشيخ -، فكان قريبا من مخلوقاته الاجتماعية، متفهما لمعاناتها، بل منغمسا في همومها، وعارفا بتطلعاتها مع أنه كان ينتمي اجتماعيا الى الطبقة البرجوازية الوسطى، وهو في كل قصصه ورواياته، يتقصى حركة شخوصه القصصية أو الروائية في فضاء مكاني عراقي فحسب، اذ قلما تجد، أوربما ينعدم وجود فضاء مكاني آخر، غير الفضاء العراقي، لكن قد تكون هناك اشارات الى امكنة أخرى وهي لم تتخط حدود الاشارة، كما في شخصية "حسين " في رواية الرجع البعديد حيث تشير الرواية انه سافر في رحلة عمل الى الكويت ومن ثم يعود الى بغداد، بل الى محلته الشعبية بالتحديد، على اية حال، لو تتبعنا بترو الامكنة والاحداث وحركة الشخصيات القصصية والروائية للتكرلي، سنجدها أمكنة عراقية خالصة، يحرص التكرلي على هندستها بتقنيته السردية المعروفة، فالمرأة البغي في قصة "العيون الخضر" تتحرك ضمن مديات مكانية محددة، فهي تنتقل من بغداد باتجاه مدينة كركوك، متذكرة أحد زبائنها البريئين الذي يدعوها الى أن تاتيه الى بعقوبة اذا ضاقت بها سبل الحياة في بغداد، وكذلك شخصية "منيرة "في رواية الرجع البعيد، فهي تنتقل من بعقوبة الى بغداد، او تتبعه لحركة توفيق لام، وعائلة عبد المولي ومكونها الاجتماعي في خانقين وحتى انتقالها الى بغداد في رواية الاوجاع والمسرات، وكذلك شخصية "محمد جعفر "في الوجه الاخر، و"هاشم السليم " في خاتم الرمل، وغيرها من الشخصيات الاخرى في مسرح احداث القصص والروايات، كما أن الحورات باللهجة الشعبية التي ترد في أكثر نصوصه القصصية والروائية، تلعب دورا مهما في الكشف عن هموم ومستويات الرؤى المختلفة لدى شخوص التكرلي، فضلا عن الكشف عن أبعاد وتاثيرات المكان من الجانب النفسي والمعيشي على تلك الشخصيات، بمعنى ان أمكنة أو مسرح – على سبيل المثال - رواية الرجع البعيد التي وثقت للمكان والاحداث في حقبة جد مهمة وشائكة من تاريخ العراق الحديث السياسي والاجتماعي من وجهة نظر روائي محايد ومتمكن من أدواته فنه السردي كالتكرلي، الا وهي مرحلة ما بعد ثورة الرابع عشر من تموز وما خلفت من تداعيات على صعد حياة المجتمع العراقي أعوامئذ، بل وما رافقها من صراعات سياسية على دفة الحكم وخزائن الثروة، فالاحداث والشخصيات المحورية، بمختلف انتماءاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية، تتحرك على فضاءات مكانية عراقية، وبخاصة في بغداد، وضمن جغرافيا الاحياء الشعبية، كباب الشيخ وما يتبعها من ازقة وحوار، او شارع الكفاح وما يتماس أو يتقاطع معه من شوارع ومحلات شعبية، ويحاول التكرلي تبعا لخصوصية هذه الامكنة، من حيث المشكلات الاجتماعية ومستويات الفقر، وعمق معانتاها، وحدة صراعاتها، أن يتعامل معها بمنتهى الواقعية، فلذلك غالبا ما يوظف المحكيات الشعبية، توظيفا فنيا جماليا، قلما يجاريه في ذلك كاتب عراقي، اذا ما استثنينا الروائي الراحل غائب طعمة فرمان الذي وظف هذا المحكي في اغلب رواياته وبخاصة "النخلة والجيران"، هذه المحكيات، سواء ما ورد منها على لسان الشخصيات في حوراتاها الخارجية أو الداخلية، او أثناء قصدية السارد على توظيفها، كانت بلا شك تعبر عن خصوصية المكان الذي تشكلت وتنوعت في محيطه.

يصف التكرلي في احدى مقابلاته الكتابة بالقولك"الكتابة عملية غامضة وومتعة ومحاطة بالمعاناة... والحرية الداخلية تطلق طاقة الابداع ". اختزال عميق، يقدمه التكرلي في رؤيته الى عملية الخلق ةالاصالة في الكتابة، وهو بلا يشك، لن يستثني فضاءات المكان، باعتبارها مسارح للاحداث والمعاناة، وايضا، فضاء لممارسة تلك الحرية الجوانية التي يشير اليها التكرلي.

ان لمحة سريعة حول خصوصيات المكان في قصص وروايات التكرلي، لم تف بكل تأكيد بالغرض، فهي تحتاج الى دراسة عميقة وشاملة لتلك الخصوصية.