الكاتب العراقي لم يمتلك حرية تخوله الإبداع والخلق والأدب الصحيح

الكاتب العراقي لم يمتلك حرية تخوله الإبداع والخلق والأدب الصحيح

فؤاد التكرلي: الحركة القصصية الخمسينية في العراق اهم بكثير من حركة الشعر الحر

أجرى اللقاء - ماجد موجد

لا يمكنني استحضار ما تحمله الثقافة العربية في ذاكرتها عن الروائي والقاص فؤاد التكرلي، برغم تميزه فهو مقل في أعماله الإبداعية غير ان حضوره زاخر وله غير قليل من المساحة عربياً ولعل مثلها عالمياً ايضاً. ولد التكرلي في بغداد 1927 وأتم دراسة القانون فيها،

ثم عمل قاضياً في مستويات قضائية مختلفة. أقام مدة من الزمن في باريس ثم انتقل الى تونس، تحمل قصصه الاولى مع قصص عبد الملك نوري وذي النون ايوب بدايات القصة الفنية في العراق، ويعد من مؤسسي الادب العراقي الحديث صدرت مجموعته (الوجه الآخر) عام 1960 ثم اعيد طبعها لمرات عدة كان أخرها الطبعة التونسية عام 1991 ثم صدرت في سلسلة (كتاب في جريدة). ويرى نقاد السرديات ان رواية التكرلي (الرجع البعيد) هي واحدة من اهم الروايات العربية، التي بدأ كتابتها في باريس عام 1966 وانهاها في بغداد عام 1977 وقد صدرت طبعتها الاولى في بيروت عام 1980 ثم صدرت له روايتان هما (خاتم الرمل) عام 1995 و (مسرات وأوجاع) عام 1998 ولديه غير ذلك عدد من الكتب والكتابات تناولت موضوعات شتى في الثقافة ومدلولاتها. وفي اثناء مشاركته في (مؤتمر المثقفين العراقيين) التقيناه في باحة فندق بابل مقر اقامة المشاركين في المؤتمر وكان لنا معه هذا اللقاء الذي تناول عدداً من شؤون الثقافة والثقافة العراقية بوجه عام وكذلك تصوراته عن الواقع السياسي.

* ترتبط الحداثة في القصة العراقية بكاتبين مهمين ظهرا في الخمسينيات هما عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي، كانا يتعاملان مع الثقافة من موقع فكري وعائلي متميز، فكلاهما ابن طبقة وسطى تتميز باهتمامها الثقافي والاجتماعي... الى أي مدى ترى هذا الرأي مصيباً؟

- هذا صحيح.. ويمكنني ان اقول ان نشأة الاقصوصة العراقية ذات المستوى الفني قد بدأت على ايادي افراد جيل الخمسينيات. لم نكن وحدنا، عبد الملك نوري وانا، بل كان هناك جمع يعمل معنا وبعيداً عنا.. مهدي عيسى الصقر وغائب طعمة فرمان ومحمد رزنامجي ومحمود عبد الوهاب وشاكر خصباك وآخرون.

* ولكن هذه اليقظة القصصية لم تأخذ نصيبها من الأثر في التاريخ الثقافي المعاصر كما هو شأن حركة الشعر الحر العراقي؟

- لقد جاءت هذه اليقظة القصصية- التي لم ينتبه اليها النقاد في العالم العربي- بعد سنوات قليلة من حركة الشعر الحر العراقية المشهورة على يد السياب والملائكة وبلند الحيدري، وهنالك تناقض في التقديم بودي ان ابينه، فحركة الخمسينيين القصصية والانجازات التي حققتها على المستوى التقني كانت اهم بكثير مما حققته حركة الشعر الحر، فالاقصوصة العراقية الخمسينية نهضت وتشكلت بشخصيتها من دون ان يكون لها ماض، لا عراقياً ولا عربياً، في حين ان حركة الشعر الحر سبقتها حركات مماثلة في مجلة (أبولو) وجماعة (ديوان) وهكذا نجد ان إنجازات الخمسينيات القصصية لم تمنح الاهتمام العربي الذي نالته حركة الشعر الحر العراقية.

* ما هو تصوركم عن ثقافة العراق الان.. ولاسيما في السرديات الجديدة لجيلي الحرب والحصار؟

- من الصعب ان نتصور مستقبلاً واضح المعالم لثقافة العراق ويجدر بنا بدلاً من ذلك، ان نحاول شق الطريق لثقافة عراقية أصيلة، اقصد ان نقيم مؤسسات ونبني أشخاصاً من اجل تحقيق هذا الهدف. اطلعت على بعض الاعمال السردية التي كتبت قبل سقوط النظام وكانت مشحونة بالرموز والمعميات وقد وجدت الامر طبيعياً فالكاتب العراقي كان تحت ظل حصارين جائرين لم يكن يملك حريته الداخلية التي تخوله الإبداع والخلق الأدبي الصحيح، وكان في أزمة مع ذاته قبل ان يكون في أزمة مع الخارج، وفي هذا الوضع لا يمكن ان نتوقع انجازات جيدة ومتميزة، لذلك فانا انتظر، بلهفة ما سيخرج من تحت اقلام الشباب بعد ان يملكوا حريتهم.

)* اخرج منها ياملعون) يقال أنكم تناولتم هذه الرواية بقراءة نقدية.. ما الذي تلمسته هناك؟ وهل من الممكن لدكتاتور ان يكتب في حقل الادب ليثير اهتمام كاتب بحجم تاريخ وإبداع التكرلي؟

- كان ذلك تحدياً.. سألوني في جريدة (الشرق الاوسط) هل بامكاني ان اكتب عن آخر رواية كتبها صدام حسين فشعرت بان في الامر تحدياً خفياً، لان الكتابة عن عمل مثل هذا يقتضي الحذر والحكمة والعدالة.. ولذلك قبلت التحدي وكتبت ما اعتقد انه نزيه، او بالاصح كتبت تقديماً للرواية فيه تقويم نزيه.

* ماذا عن السياسة.. عشتم مراحل ومتغيرات سياسية كثيرة.. ما مدى ايجابية المستقبل في العراق على وفق ما يحدث في حاضنته السياسية الحالية؟

- في اعتقادي ان العراقيين هم الذين اوكل اليهم مستقبل العراق وهم الذين يجب ان يدركوا كيف يمكن ان (يصنع) المستقبل وبأي الطرق أما تسميه (الحاضنة السياسية الحالية) فلا تبدو لي مدركة تماماً، لمعنى وخطورة صناعة المستقبل، لقد عايشت تطورات سياسية كثيرة في العراق، وكنت مراقباً نزيهاً لما أراه يقع تحت بصري، انا ارى اننا لم نتغير ولم نتعظ من الماضي ولا نزال لا نفكر في مصلحة الوطن العراقي وفي فائدة التضحية احياناُ، المستقبل لا يصنع هكذا، المستقبل هو للجميع وليس هو لفئة من دون أخرى.

* هل ترون ان شخصية عملكم الإبداعي (الوجه الآخر) وما حملت من توصيفات عن نوازعها النفسية بسبب الظروف المسحوقة القاهرة لن لا تتكرر في الكتابة وفي المجتمع؟

- محتمل، فقد كانت شخصية (محمد جعفر) بطل الوجه الآخر شخصية إشكالية غير مألوفة في مرحلة الخمسينيات، ولكن فكرة الرواية التي تقوم على تبيان المواجهة بين الفرد ومشاكل مجتمعه قد تتكرر باستمرار وفي كل المجتمعات وبأساليب مختلفة.

* هل تباركون مسعى المثقف للدخول في النطاق السياسي او ان يتخذ مشغلاً في الفعالية السياسية؟

- كلا.. بصورة قطعية، السياسة تفسر الأدب الحقيقي ولا حاجة للأديب اليها، انه وسط مجتمعه، شاهد محايد، لا تغريه المناصب ولا الأموال الزائدة عن حاجته، وما يجب عليه هو ان يعمل على البقاء نقياً، صادق القلب وإلا.. فلا أدب حقيقياً وأصيلاً.

نشر الحوار في صحيفة المدى عام 2005