فؤاد التكرلي يكتب عن تجربته الروائية

فؤاد التكرلي يكتب عن تجربته الروائية

حين وردت كلمة (مرفأ) في حديث أخوي لي مع الصديق د. سليمان العسكري بدبي, شعرتُ بها تمس ناحية غامضة من نفسي, وانها, دون إرادة مني, دخلت قلبي واستقرت في زاوية صغيرة منه. كانت هي الكلمة الضائعة التي كان بمقدورها أن تفسّر لي - قبل الآخرين - معنى ممارسة الكتابة في حياتي وما خلفته, أخلاقيا وسلوكيا, في مسيرة هذه الحياة. وإذ يخطر لي, هذه الأيام, عِظم التغيير الذي طرأ عليَّ جراء انغماري (أو اكتشافي) في هذه العملية المعقدة, أُصاب بدهشة كبرى بسبب ما لعبته الصدفة في هذا الأمر.

حين كنتُ طفلا لم أجاوز السادسة من عمري, كان الجزع يتملكني باستمرار وأنا أعايش أبي الذي نيّف على السبعين ونحن نسكن دارا عتيقة جاوز عمرها المائتي عام وهي تتماسك بجدرانها كيلا تسقط على رءوسنا. كنت مسكونا إذن بجزع خفي ذي شقين, الأول خشيتي من فراق أبي الوشيك والثاني شعور بالرهبة من تهاوي دارنا العزيزة, ولم أكن أملك, آنذاك, أي مرفأ آمن ألجأ إليه كي أتغلب على لوعة الذات هذه, فقد كنتُ على جهل تام بطاقة الإنسان العجيبة تلك المسماة الكتابة, وكنتُ هشا تعيسا.

ثم لعبتْ الصدفة لعبتها معي في صيف سنة 1939 وأنا صبي في الثانية عشرة من عمري وما أزال غير متماسك تماما, حين فتحت أمامي, على حين غرة, عالم القراءة القصصية الواسع والمذهل والملوّن.

كان ذلك حين جلب أخي (نهاد), في أحد الأيام, عشرات الأعداد من سلسلة روايات (الجيب) المصرية, ورماها في زاوية من زوايا الغرفة التي كنا نتشارك النوم فيها.

كنا انتقلنا إلى هذه الدار الواقعة في طرف من محلة (باب الشيخ) بعد أن لم تستطع دارنا القديمة تلك الاستمرار في التماسك, فتساقطت جدرانها فجأة بعد أسبوع من مغادرتنا لها. كأنها كانت تنتظر أن نترك أحضانها لتموت بعدنا بسلام. ولم أقدر, ولوعة محبتي لهذه الدار ما تزال مشتعلة في قلبي, إلا أن أعاود, بالسر, زيارة خرائبها والتجوال الحزين بين الحجارة والتراب. كانت لي, نوعا من المرافئ, فقدته مبكرا.

مع انغماري تلك السنة (1939) في قراءة متواصلة لشتى أنواع القصص والروايات التي أتى بها أخي (نهاد) إلى دارنا, أخذتْ أموري النفسية - أم لعلها أمور أخرى لها علاقة بنشاط الفكر وبتشكيل الذوق? - تتطور وتلتّم حول مواضيع معينة لم أكن أعرفها قبلا, مما أدى إلى نمو اتجاه عندي نحو الكتابة. كان اتجاها أعمى, لا يعرف له طريقا يسلكه, ذلك أني لم أكن حينذاك قادرا, إلا بصعوبة, على كتابة صفحة واحدة بلغة صحيحة ذات معنى, غير أن كلمة التراجع لم تكن ضمن قاموسي الشخصي تلك الأيام, فبدلا من الكتابة القصصية - مثلما يفعل هؤلاء الكتّاب الأجانب الذين أقرأ لهم بشغف - اتجهتُ إلى تسطير يوميات ساذجة ومشتتة, غير أنها كانت, على المدى البعيد, ذات فائدة عظمى لي, إذ من خلال تسجيل ما كنتُ ألاقي من الحياة من حالات ومواجهات مزعجة ومؤذية للنفس أحيانا, كنتُ أغتسل داخليا وأشعر بجراحي ضمدت بشكل من الأشكال. كانت هذه العملية تستجلي المواقف التي كنتُ أواجهها وترمي عليها ضوءا من التقويم العقلي, يمنحني, على الدوام, توازنا وراحة ونوعا من الترفع.

مَسُّ الفن

وبالتوازي مع تسجيل اليوميات هذا, عدتُ أحاول معاركة الكتابة القصصية. لم أكن مشغوفا بالقصص فحسب, فكلمة (شغف) هنا لا تعبر تماما عما كنتُ عليه في سنوات مراهقتي الأولى تلك, حين بلغتُ السادسة عشرة, متجها نحو الشباب والرجولة. كنتُ, في الواقع, مسكونا أو ممسوسا بهذا الفن, وكنتُ أكتم, بإصرار كبير, تلك الحال التي أنا فيها. ومع تقويمي السديد لكل الهراء القصصي الذي كنت أسّود به الصفحات, لبثت أعاني وأتساءل في الوقت نفسه:

ما هي الطرائق الصحيحة إذن لكتابة قصة متميزة, يمكن أن يعترف بجودتها النقاد وهؤلاء الذين أقرأ لهم؟

ومنذئذٍ صرت أبحث وأتأمل وأراجع كتاباتي وأحاول أن أفهم بعض ما خفي عليَّ من هذا الفن. لكن القدر, أو لنقل القريحة أو القابلية الذهنية أو كل هذه المسميات, مكثت صامتة لا تبالي بنداءاتي. تلك, في ظني, قاعدة أساسية في الحياة.. لا شيء متميزا يأتي عن طريق السهولة ودون عذاب, وأشعر اليوم بأني كنتُ محظوظا لأني كنتُ أملك أن أفاتح نفسي بأن كل ما أنجزته من أعمال قصصية حتى ذلك الوقت كان نوعا من سقط المتاع ولا قيمة أدبية له. كان عليَّ أن أنتظر حتى نهاية سنة 1950 لكي أجد نفسي قادرا على كتابة أقصوصة تجسّد, تقريبا, ما كنت أفكر فيه وأنظّر له مع نفسي. كانت هي أقصوصة (العيون الخضر), وكان المهم في حادثة كتابة هذه الأقصوصة, ليس كونها مضبوطة فنيا أو مؤثرة, بل هو أنها كُتبت بوعي نظري وقصدي - إذا أمكن القول -, ولذلك بقيتْ, أولا, ثابتة في تأثيرها وقادتني, ثانيا, إلى تطويرها واستغلال ما اعتبرته حدودها النظرية لكتابة رواية قصيرة هي (الوجه الآخر), ثم تابعتُ تلك الأسس الفنية بعد ذلك فأنجزت (الرجع البعيد). هذه الرواية كانت, في اعتقادي, المدى الأقصى للطرق الفنية التي استعملتها في أقصوصة (العيون الخضر) ابتداء من 1950. كانت المادة الخام التي استعملتها في هذه الأعمال القصصية, عراقية صميمة, فأنا من أسرة عراقية عاشت في هذا البلد منذ مئات السنين. ولدت سنة (1927) في بيتنا القديم ذاك في محلة (باب الشيخ), وهي إحدى أقدم محلات بغداد, وفيها أكملتُ دراستي. في (مدرسة باب الشيخ للبنين) كان أحد رفاقي في الصف الأول الابتدائي يدعى (عبد الوهاب أحمد البياتي), ولقد بقينا رفاقا حتى نهاية الثانوية. أما في الدراسة المتوسطة في (متوسطة الرصافة للبنين) فقد التقيتُ صديقا آخر هو (غائب طعمة فرمان), ومكثنا على صداقة ومودة حتى غيابه عن الدنيا في سنة 1990 بموسكو.

وإذ كنتُ من عائلة قانونية, فقد تحدد مسار دراستي الجامعية مسبقا. كان إخوتي الثلاثة مصطفى وعبد الجبار ونهاد, قضاة كبارا في المحاكم العراقية, لذلك, وبعد تخرجي من كلية الحقوق العراقية سنة 1949, عُينتُ موظفا عدليا في محكمة بداءة بعقوبة. حيث قضيتُ ثلاثة أعوام, مما جعل لهذه المدينة أثرا لا يستهان به في رواياتي وبعض أقاصيصي.

كنتُ, في هذه السنة نفسها 1949, قد تعرفتُ بصديق العمر (عبد الملك نوري) في ظروف خاصة, فقد كنتُ أعطيت صديقي الفنان (نزار سليم) - شقيق الفنان العظيم جواد سليم - دفترا صغيرا يحتوي على بعض أقاصيصي للاطلاع عليها, وصادف أن سافر (نزار) إلى دمشق قبل أن يستطيع رؤيتي فأبقى الدفتر لدى صديق آخر عرضه على عبد الملك, الذي كان تلك الأيام كاتب قصة مشهورا في بغداد, فاطلع على ما فيه من أقاصيص وأحب أن يتعرف عليَّ فكان لقاؤنا في مقهى (سويس) في (شارع الرشيد) ذات مساء شتائي. منذ أول لقاء لي مع هذا الإنسان الرائع, ملت إلى صراحته وعمق رؤيته الفنية وإدراكه وإلى شخصيته المتفائلة وذهنه المتفتح. أخذنا نتبادل الرسائل خلال سنوات وسنوات, منذ لقائنا سنة 1949 حتى قبيل وفاته بأسابيع سنة 1998. كنا نتناقش وينقد كل منا عمل الآخر بكل النزاهة الممكنة, ولقد استفدنا, نحن الاثنين, من كل هذا التبادل للآراء. شعرت به, أحيانا, يراني أكمل مهمته الإبداعية في خلق قصة عراقية فنية محترمة. ولكم أحس الآن بديني الأدبي الكبير لهذا الصديق.

الأصدقاء الأربعة

طالت إقامتي في بعقوبة حوالي أربع سنوات, كانت بالنسبة لي سنوات عزلة ودراسة وانكباب على البحث عن وسائل مجدية للوصول إلى التعبير الأدبي الفني الصحيح. تلك الأيام كنا, أخي نهاد وأنا, نعيش حياة رهبنة من نوع خاص في تلك المدينة الموحشة, لم يكن يقطعها إلا ذهابنا إلى بغداد أماسي الخميس لنلتقي هناك بصديقي العمر عبد الملك نوري وعبد الوهاب البياتي.

كنا نلتقي عصرا, نحن الأصدقاء الأربعة كما سمانا البياتي في قصيدة جميلة له, في المقهى السويسرية بشارع الرشيد, وغالبا ما يكون عبد الملك في انتظارنا, فقد كان يستبق الأمور دائما.

هنالك, في ذلك المكان المدهش الذي يبدو لي الآن كحلم ملون رائع, كنا نلبث جالسين نتبادل الحديث ساعة أو ساعتين, نغادر المقهى بعدها سائرين حتى كازينو (كاردينيا) في شارع أبي نؤاس على شاطئ دجلة.

كنا نجتمع على المائدة ونحن مسكونون بأفكار وشكوك وتساؤلات كثيرة نود الإفضاء بها لبعضنا. لم تكن تلك الساعات اللذيذة ساعات تعليمية, ولكنها, على المدى البعيد, شذبت من طاقاتنا الإبداعية ووجهت تفكيرنا نحو الوجهة الأدبية الصحيحة. دامت اجتماعاتنا الحميمية هذه حتى سنة 1954, تفرّقنا بعدها بشكل طبيعي وكما توقعه البياتي في قصيدته تلك.. الأصدقاء الأربعة. الآن, قد يمكنني أن أقول إن هذه اللقاءات بيننا هي التي أنتجت مجموعة عبدالملك نوري القصصية المتميزة (نشيد الأرض) وديوان عبد الوهاب البياتي الشعري (أباريق مهشمة) الذي بدأ به حياته الشعرية الجديدة.

انتقلتُ من بعقوبة سنة (1953) إلى بغداد واستقررت في هذه المدينة نهائيا, ثم عملتُ في سلك القضاء منذ سنة 1956 ولغاية سنة 1983. كان عملا محترما ومفيدا بالنسبة لي كأديب قصصي يبحث عن المادة الخام العراقية الحقيقية. لقد فُتحتْ أمامي أبواب مختلف طبقات المجتمع العراقي وخاصة السفلى منها.. هذه الطبقة التي كنتُ مولعا بالكتابة عن أفرادها, أولئك الذين كانوا يقتربون من تخطي كل الحدود. لقد ساعدني عملي في القضاء على معرفة أنماط البشر الذين يتكوّن منهم المجتمع العراقي وعلى طبيعة المشاكل الحياتية التي يواجهونها وأنواع الحلول التي يفكرون فيها ويلجأون إليها أحيانا. كانت تلك المادة الخام الثمينة تأتيني من منبعها الأصلي.. طرية وذات دلالات قوية ولا تصدق أغلب الأوقات.

نشرتُ مجموعة قصصية سنة (1960) تحت عنوان (الوجه الآخر), احتوت على رواية قصيرة وست أقاصيص كنتُ كتبتها خلال سنوات الخمسين ونشرت أغلبها في مجلة (الأديب) البيروتية. ثم إني كرست وقتي بعد ذلك لكتابة رواية (الرجع البعيد) حين كنت أدرس القانون في فرنسا سنة (1966).

وبالنسبة لكاتب مثلي لا يحترف الأدب ولكنه يشعر بمسئولية كبيرة تجاه ما يكتب, واجهت عنتا وشدة في محاولتي نشر (الرجع البعيد) بعد أن أكملتها في سنة (1977).

مع الرقيب

كنتُ أحب, في دخيلتي, أن أنشرها في العراق, حيث توجد الحروف اللازمة لطبع لغة الحوار العراقي وحيث يمكنني أن أشرف على تصحيحها, غير أن الرقيب الحزبي رفضها وأخبرني بلهجة تحمل تهديدا خفيا بأن من المستحسن لي أن أتبع شروطه لنشرها والتي كانت تقضي بحذف بعض الشخصيات في الرواية وإجراء تغيير في حوادثها ولغتها.

لم يكن ممكنا بالنسبة لي قبول شروط الرقيب الحزبي, وشعرتُ أن فيها إهانة لشخصي ككاتب, فقررت أن أحاول نشر الرواية في إحدى البلاد العربية. وصادف أني سافرت إلى دمشق سنة (1979) لحضور مؤتمر اتحاد الكتاب العرب, فأخذتُ المخطوطة معي. هنالك, في دمشق, أعطيتها للصديق المرحوم (نزار حسين مروة), ليجرب نشرها في لبنان.

وفي بداية سنة (1980) سافرت إلى بيروت وذهبنا, نزار وأنا, لمقابلة المرحوم (سليمان صبح) صاحب دار (ابن رشد) في منزله حيث اتفقنا على نشر (الرجع البعيد). هكذا نُشرت هذه الرواية وظهرت بطبعتها الأولى سنة (1980) على ورق أسمر رديء وبأسطر متراصة وحروف مشوهة وأخطاء مطبعية لا تعد ولا تحصى.

لم أرتح, بالطبع, لشكل الكتاب, ولكن.. ماذا كان بمقدوري أن أفعل, بعد أن قضيتُ إحدى عشرة سنة منكبا على الصفحات البيضاء أسوّدها بكلماتي الملتاعة, غير أن أرضى مذعنًا لهذه المقدرات التي أساءت في تقديم عملي إلى القراء?

كنتُ راضيا لأن (الرجع البعيد) كانت مرفأ رائعا لي خلال زمن طويل, وملجأ لروحي لا مثيل له.

وبسبب أني أردتُ أن أمزج بين الدلالات الفكرية والأخلاقية للرواية وبين المجتمع البشري الذي تتفاعل فيه هذه المقولات, فقد برزت أمامي أهمية المكان والزمان في (الرجع البعيد) ووجوب تحديدهما بدقة.

في سنة 1982, حينما كنتُ في باريس, عُرض عليَّ أن تترجم (الرجع البعيد) إلى الفرنسية ضمن سلسلة مختارة من الروايات العربية, فوافقت. قامت بالترجمة الأديبة التونسية رشيدة التركي والمترجمة الفرنسية مارتين فيدو, ونشرت الرواية في باريس سنة 1985, من قبل دار (جان - كلود لاتيس) مفتتحة بذلك سلسلة (آداب عربية).

مكثت في فرنسا ثلاثة أعوام, عدتُ بعدها إلى بغداد. كنتُ, تلك الأيام وما أعقبها, أشعر بأني بلغتُ في (الرجع البعيد) حدودي الفنية القصوى التي توصلت إليها وطبقتها لكتابة (العيون الخضر) ثم (الوجه الآخر), وحان وقت كتابة عمل جديد لا يمت بصلة لتلك البدايات.

خلال بقائي في العراق من سنة 1986 ولغاية سنة 1990, لم أتفرغ تماما لكتابة عمل كبير, وحينما تركنا بغداد, زوجتي وأنا, إلى تونس, كان عليَّ أن أنتظر وقتا طويلا آخر لأشعر في سنة 1994 بأني قادر على إنجاز كتابة فكرة مستعصية كانت تسكنني طوال السنوات الماضية. أكملت (خاتم الرمل) خلال بضعة أشهر ونُشرت من قبل دار (الآداب) اللبنانية سنة 1995.

حواريات التكرلي

في هذه السنة ذاتها 1995 نشرت في سلسلة (سحر المسرح) التونسية, مجموعتي الثانية من الحواريات بعنوان (الكف) وبمقدمة من قبل د. محمد المديوني, وكنتُ قبلها قد نشرت في بغداد سنة 1986 المجموعة الأولى من الحواريات تحت عنوان (الصخرة).

لقد بدأتُ هذه الحواريات أو, على الأصح, هذا النوع من الأدب الذي يتخذ له من الحوار بين الشخصيات أساسا للتعبير, دون أن يدخل تحت مفهوم المسرحية القابلة للتمثيل, أقول بدأتُ بكتابة هذه الحواريات سنة 1968, قاصدا, في البداية, أن أقدم مواقف غير جدية تماما ومن زاوية غير مألوفة, للتعبير عن رأي يخلط بين السياسة وشئون البشر العامة وأفكارهم, وكنت أريد إضفاء نوع من السخرية والعبث على كل ذلك, ولم يخطر لي أن البعض سيكتشف في ذلك رموزا مرفوضة بالنسبة لهم. أتذكر أني أرسلتُ (الصخرة) إلى صديقي الشاعر والرسام المصري أحمد مرسي الذي كان يصدر مع رفاقه مجلة (كالري 68) في القاهرة, فلم تنشرها المجلة. حكى لي أحمد مرسي بعد ذلك بأعوام, أن الرقيب المصري, في وقتها, حار في تفسير هذه الحوارية الصغيرة وما ترمز إليه فرفعها إلى السيد وزير الثقافة محمد فائق, فأبقاها هذا لديه دون أن يصدر بشأنها قرارا مدة طالت حتى وفاة الرئيس جمال عبد الناصر وخروج السيد الوزير من الوزارة. أما الحوارية الثانية فقد عرضتها على الصديق الشاعر (أدونيس) حين كان في زيارة نادرة لبغداد سنة 1969, فرحب بها هذا الرجل ونشرها في مجلة (مواقف) العدد السادس.

العامل الأساس الذي كان يدفعني أحيانا لكتابة مثل هذا النوع من الأدب هو محاولة صقل الحوار باللغة العربية وجعله خفيفا وفعالا وممتعا. كنت أتدرب في الماضي بكتابة حوار بين شخصين أرمز لهما برقمي (1) و(2) من أجل أن يجري التمييز بينهما عن طريق الحوار ونوعيته. يضاف إلى ذلك, أن بعض الأفكار التي كانت تساورني, لم تكن, في نظري, قابلة للتنفيذ إلا عن هذا الطريق. أتذكر حوارية (الكف) التي كتبتها سنة 1992, ونُشرت في جريدة (القدس العربي) اللندنية. لقد حاولت كتابتها كأقصوصة, وأنهيت أربع مسودات لها, غير أنها لم تقنعني, لم أجدها تعبر بإخلاص وقوة عن الفكرة التي في ذهني فخطر لي أن أكتبها كحوارية. كنت أعلم منذ البداية أن مثل هذه الأعمال لا يمكن أن تنجح حين تقديمها على المسرح. هي ليست مسرحيات متكاملة يمكن أن تتيح فرجة ممتعة للمشاهدين. إنها نوع خاص من الأدب, هدفه خلق مواقف ذات أبعاد إنسانية, يمكن فيها مناقشة أفكار شبه فلسفية وعامة.

زرت بغداد مرتين, الأولى في أواخر سنة 1991 والثانية في سبتمبر 1992. كانت الظروف المعيشية قاسية حتى ذلك الوقت, وقد عدت إلى بغداد من أجل أن أنقل مكتبتي إلى دار الصديق الروائي (مهدي عيسى الصقر) بعد أن تمَّ بيع الدار التي سكنتها في المنصور لمدة ثلاثين عاما. شغلت الكتب عدة غرف في دار الصديق الصقر, الذي لم ينفد صبره ولا كرمه لمدة عشر سنوات ونيف, حتى تمكنت في بداية سنة 2003 من بيع هذه المكتبة لأحد تجار الكتب في بغداد, وتسنى لي بعد ذلك أن أشهد بمرارة ما جمعته طوال خمسين سنة, مرميا على أرض شارع (المتنبي), يُباع بسعر التراب.

خاتم الرّمل

نُشرت (خاتم الرمل) سنة 1995, وكنت آنذاك مسكونا بفكرة قديمة عادت للبزوغ فجأة في ذهني وشعرتُ, كما هي الحال مع (خاتم الرمل), بقدرتي على تنفيذها. كانت فكرة بسيطة.. كيف يُداس إنسان حساس من قبل مجتمعه ومن قبل أقرب الناس إليه. وإذ أدركتُ سعة الآفاق المكانية والزمانية التي أحتاج إليها لاستكمال إنجاز هذه الفكرة كما تخيلتها, فقد لجأت إلى التقطيع الزمني وإلى خلق المواقف الحياتية المتلاحقة في سلسلة ذات وجهة خاصة. كانت الوسائل السينمائية حاضرة في ذهني وأنا أكتب (المسرات والأوجاع). لقد ابتلعتني فكرة الرواية فانكببت أعمل فيها يوميا, على غير عادتي, وبشكل منتظم وممتع, حتى أكملتها في أقل من سنة وهو وقت قياسي بالنسبة لي.

ماذا بإمكاني أن أقول عن هذه الرواية?

الأمر الأكيد هو أني كنت مالكا, وأنا أكتبها, لحريتي الداخلية في التعبير عما اعتقدته ضروريا بشكل أساسي. هنالك في الرواية, ما ظنه البعض تجاوزا لحدود القص الأخلاقي, وما ظنه الآخرون جرأة وتجاسرا على الآداب العامة.

هذه أمور نسبية كما هو معروف, ومن المستحسن أن نتجاوز الحدود, حين يكون ذلك أمرا ضروريا لا سبيل لتخطيه, لأن منطق العمل الأدبي يتطلبه.

كانت (المسرات والأوجاع) جاهزة للطبع أواخر سنة 1997 كما أتذكر, وكنتُ في السبعين من عمري قضيت منها ما ينوف على الخمسين عاما في هذه الشئون القصصية, ومع ذلك فحين سألت صديقا مصريا عما إذا أمكنني أن أطبع رواية لي في القاهرة, أجابني: عليك أن تدفع مقدما ألف دولار للناشر! كانت هذه مصيبة معنوية حقا, وقد تلقيتها ساخرا, لأن السخرية كانت السلاح الوحيد الذي تبقى لي.

أردتُ عرضها على ناشر لبناني أعرفه ويعرفني, فأخلف الموعد معي ولم يأت. أرسلت (فاكسا) لناشر لبناني آخر في بيروت أعرض عليه نشر الرواية.. فلم يرد عليَّ. ثم.. كنتُ أرسلتُ نسخة من الرواية إلى الصديق العزيز علي الشوك في لندن, فأعلمني بعد حين أنه قضى اثنتين وثلاثين ساعة مع الرواية حتى أنهاها, فاعتبرتُ ذلك إشارة نقدية جميلة من لدن الصديق صاحب الذوق الرفيع.

وعن طريق الصديق علي الشوك وصلت النسخة إلى الأستاذ فخري كريم صاحب دار (المدى) للثقافة والنشر فقرأها ووافق على نشرها حالا. صدرت (المسرات والأوجاع) سنة 1998 في دمشق.

غالبا ما أحس بنوع من الفراغ الروحي حالما أنتهي من إنجاز عمل روائي كبير نسبيا, غير أني أحاول إعادة الصخب, إذا أمكن القول, إلى نفسي عن طريق كتابة أقاصيص لا يستغرق إنجازها زمنا طويلا. كتبت حواريتين وسبع أقاصيص نشرت كلها في وقته. ما كان يهمني هو الاستمرار وعدم التوقف عن تحريك الذهن والقلم.

صدرت لي أخيرا مجموعة أقاصيص عن دار (المدى) بعنوان (خزين اللامرئيات), كما أصدرت هذه الدار في سنة 2002 أعمالي الكاملة في سبعة كتب.

قطرة ماء

هل بوسع الأديب أو من يظن نفسه مشروعا لأديب, أن يصمم نموذجا ممكنا لحياته المقبلة, نموذجا يعتبره مثاليا لإنجاز أكثر الأعمال الأدبية اقترابا من الكمال الإبداعي? في اعتقادي, أن ثمة تجاوزا في هذا الأمر على قدرة الإنسان الذاتية على تقرير مصيره بين أمواج هذا العالم الصاخب, فهذه القصبة المفكرة, كما قال (باسكال), لا تملك الكثير من أمر وجودها واستمراره, لذلك قد يكون حريا بها أن تفيد من نعمة الفكر والوعي التي تملكها, لكي تقبل بحذر ما يقع لها ولكي تتفادى ما يمنع عنها حدة الرؤية وصفاء الذهن, كل ذلك من أجل أن تتفحص شئون الوجود الإنساني من حولها, لعلها - هذه القصبة المفكرة - تفهم شيئا, تسجله أدبا فينفع البشر الآخرين. ومهما بدا هذا العمل تافها على مستوى الزمان البشري, فهو, آخر الأمر, مثل قطرة ماء من محيط لا نهاية له, تضم كل مكونات هذا المحيط وأسراره في حيزها الصغير ذاك.

الأديب قطرة من محيط البشرية, هو منه وهو المعبر عنه, وفي ذلك كفاية عظمى وشرف أعظم.

عن مجلة العربي الكويتية