90 عاما على تأسيس الحزب الشيوعي العراقي.. (فهد) وتوليه قيادة الحزب الشيوعي 1938-1947

90 عاما على تأسيس الحزب الشيوعي العراقي.. (فهد) وتوليه قيادة الحزب الشيوعي 1938-1947

هاجر مهدي النداوي

عادَ يوسف سلمان يوسف إلى بغداد في 30 كانون الثاني 1938 بعد أن أكمل دراستـــه في جـامعـــة كـــادحــي شعــــــوب الشــرق، ومـــن جولـــة واسعــــة كانت ذات طبيعة استطلاعيه ودراسية لمختلف جوانب الاحزاب الشيوعية وعملها في الـــدول التــي زارهــــــا فـــي محــاولــــة منـــه لدمـــج الدراســـة الفكريـــة بالتجــارب الفعليــة.

بدأ يوسف سلمان يوسف محاولاته الجادة وبالتعاون الوثيق مع عبد الله مسعود القريني لإعادة بناء الحزب الذي أصابه الفتور والبرود عند سفره، وعمل علـــى جمــع حلقــــات رفـــــاقـــه القــــدامى حتــى أنـــه تـــردد عليهم شخصيــاً، ولكنــه هـــذه المرة كان مسلحاً بتجربته الجديدة وتجارب الأحزاب الأخرى فضلاً عن تجاربه الذاتية والفكرية والسياسية السابقة له.

وبعد عودتــه أطلقَ على نفسه اسماً حركــياً هو(فهد)، الذي عرف به في الأوساط السياسية في الداخل والخارج ليختفي تحت هذا الاسم بعيداً عن ملاحقة الأجهزة الامنية، ولكنه واجه وضعاً صعباً في هذه المدة في بلوغ مسعــاه الذي يمكـــن تشخيصــه بوجــود تنظيمــات حزبيـــة مهمشــة وبخاصـــة في العاصمــة بغداد، وبقايــا شيوعيين يتحرون السبــل لأعـــاده العلاقات وشد المتبقين بعضهم بالبعض الآخــــــر، وكــــان في مقــدمتهم عبد الله مسعود القريني، فكــانت أجـــــواء العمـل الشيوعــي تتسم بالتراجــع عن العمل السياسي لدى بعض الأوســـــاط الــوطنيــــــة فــي صفـــوف البــرجـــوازيـــة الـوطنيـــة والصغــيرة.

مع ذلك، وجدَ فهد أوضاعاً أعادت الأمل له ومنها وجود مجموعة، وإن كانت صغيرة من بقايا التنظيمات تسعى مجدداً إلى إعادة صفوفهم المبعثرة وتنظيمهم لاسيمــــا في بغداد، وإن بعض المجموعات من الشيوعيين في بعض المدن لم تكنِ قد تضررت وبالتالي يمكن الاعتماد عليها من أجل اعادة بناء الحزب، مما شجعَ فهد على الاستمرار في العمل، الاوضاع الاقتصادية المتردية التي لم تستطع الحكومة مــعالجتها الأمــر الــذي خلفت أعداداً كبيرة مــن العاطلين عن العمل، فضـلاً عن استمــــرار الـحكـومـــة فـــي سـياســـة الـقمــع، الـــتـي ولــــدت ردة فـعـــل سيئــــة لــــدى الشارع العراقي مما اوجدَ قبولاً لفكرة الشيوعية والاستجابة لها، حيث تبنت الاوساط المثقفة الفكر الشيوعي وبذلك وجدَ ارضية خصبة لتقبل دعوته.

حاول فهد توظيف هذه الأوضاع لصالحه ولصالح الحزب الشيوعي العراقي، وبعد أن وطد علاقته بعبد الله مسعود القريني غادرَ بغداد متنقلاً بين الناصرية والبصرة من أجل تنظيم الجماعات المبعثرة فيها، فضلاً عن تأمين توسيع نطاق عمل الحزب ليس على صعيد بغداد فحسب بل وفي المدن الأخرى، التي يلزمها النضال السياسي والتعبئة الجماهيرية للشعارات السياسية التي رفعها الحزب حينذاك، وتأمين الموارد المالية المناسبة في قبول الأعضاء لأنهم عند الانتماء للحزب يدفعون مبلغاً من المال، وذلك لتسيير أمور الحزب والقيام بنشاطاته، وإقامة العلاقات مع الأصدقــاء والمؤيدين له لضمـان ذلك، ودفــع أعضــاء الحزب واصدقاءه لتنشيط العمل النقابي وتطويره، وبسبب سفر فهد إلى المدن بقي المركز الحزبـي بيد عبدالله مسعـــود الـــذي أدى خـــلال تلك المــدة دوراً مهمــاً فــي التنظيــم.

وفـــي مــــطلـــع عـــــــام 1940 ركــــــزَ فـــــهـــد جــهــــده عـــلــى اـلنشــــاط الثقـــــافـــــي بـــــشكــــل خــــاص، فتـــرجم عــــدداً مــــن الــــكتب والـــمـــؤلفـــات مــــنهـــا ســـلسلـــة مــــــحاضرات بــعــــنوان (درس فـــــي المـــــاركســــية اللينيـــة) انـــطلاقــــــاً مـــــــن الـــفكـــــرة الـــماركســـيـــة القائلــــــة بــــــأن القــــــوى المــنتجــة تــؤدي دوراً حاسمــــاً فـــي حيـــاة المجتمـــع، ومـــدى تـــأثير انـــعـــدام الصناعـــة عــلى نمـــو الطبقـــة العاملــــة التـــي تشكــل نسبـــة ضـــئيلـــة مــــن حيـــث عدد السكـــــان، وقــــد جسدَ فهــــد ذلــك أيضــاً مـــــن خـــلال مـــقالــــة لـــــه بـــعنـــوان (الصنـــاعـــة الثقيلـــة اســــــاس نضــــــالنا الاقــــتصــــــادي) الـــــــتي نـــشرها فــــي مـــجلــــة المجلــــة.

وبــــين نشــــاط فــــهد الـــمزدوج مــــطالعتـــه للكتب وكـــتاباتـــه، وتنقلــه بين المــدن بـــادرَ عبد الله مسعود القريني إلـــى إصدار جـــريدة الــشرارة فـــي شهر كانون الاول عام 1940، من دون العودة إلى فهد أو أخذ رأيـــه، إذ عدَ ذلك أمراً من ضمن صلاحياته، فنشبَ خلاف بين فهد وعبدالله مسعود القريني عندما عاد الأول إلى بغداد لإدراكه أهمية الجريدة في حياة الحزب الداخلية وفي توطيد علاقة الشيوعيين بالأوساط الشعبية وفي تعبئة الناس حول شعارات الحزب وشرح سياسته، ولكنه رأى أن خطوة عبدالله مسعود القريني سابقة لأوانها، لأن تنظيمات الحزب ماتزال في مرحلة إعادة بناء، ولم تكنِ الكوادر مؤهلة لإصدار جريدة بالمستوى المناسب بعد الملاحقات والضــــربات القاسية الـــتي تلقتها قيادة الحزب وكوادره فــــــي المـــدة مــــا بين (1935- 1937)، التي أدت إلى شل العديد من التنظيمات الحزبية، فضلاً عن بعد فهد عن مركز القيادة وانشغاله بإعادة بنـــاء المنظمــات الحزبيـــة واختيـــار الكوادر المختلفـــة المجــالات، وبالتــالــي خشي فهد مــــن وقـــوع أي خطــــــأ من قبـــل عبد الله مسعــود القــرينـــي.

تم تسوية الخــلاف بين فهد وعبدالله مسعود القريني بالاتفـــاق على استمرار صــدور الجريــــدة بشرط التـــزام الاخير بالعــودة إلــــى فهد في شؤونهـــا المختلفـــة بوصفـــه المســؤول الأول عــن الحـــزب. ومن الجدير بالذكر أن جريدة الشرارة صدرت على أنها شهرية، وكانت متوسطة الحجم، كان عدد صفحاتها غير ثابت ولكنها لا تقل عن 15 صفحة ولا تزيد عن 20 صفحة.

وخلال تلك المدة عمدَ فهد إلى تشكيل قيادة الحزب لتشرف على مجمل عمل الحزب وعلاقاته ونشــاطــه، ولــم يــكــنِ هنـــــــاك مــن يتــمكــن منأن يتـــدخــل فــي تشــكـيل اللـــجنة المركزية إذ عدَ فهد نفسه الخميرة الوحيدة المتبقية والعاملة من اللجنة المركزيةالسابقــــة فتكونت اللجنــــة المركزيـــة مـــن فهد السكرتير العــــام و عبـدالله مســـعود القريني، وديـــع طليــــا، جــورج يوسف ستــو، نعيم طويــق، وحسين طــــه.

في منتصف عام 1941 تقدم عبدالله مسعود القريني وبتوجيه من فهد بطلب إلى وزارة الداخلية يروم فيه تأسيس حزب سياسي باسم (حزب الوحدة الوطنية الديمقراطية)، الاَ ان الطلب رفض وتم اعتقال القريني الذي ارسل إلى معتقل الفاو، ووفـــق ذلــك عقد فهد اجتمـــاع أنتخب خلالـــه لــجنــــة مركزيـــة جــديدة فــي مــطلــع تشرين الثاني عام 1941 تكونت من كل من فهد سكرتيراً، وديع طليـــا، نعيم طويق، داوود الصـــائغ، ذنون أيوب، زكــــي بسيم، وحسين محمد الشبيبي، صفــــاء الــــدين مصطفى، و أمينة الرحال أعضاءً.

وتم تشكيل مكتب سياسي للحزب تكون من فهد وعبدالله مسعود القريني وصفاء الدين مصطفى وحسين محمد الشبيبي، ويبدو أن فهد لم يرجع في تشكيلته للجنة المركزيـــة الجديدة إلــــى أحــــد من اعضــــاء اللجنـــــة المركزيــــــة لاستشارتــــه والاستفسار منه مبــاشرة، ومن خــــلال ملاحظــــة انتمـــائهم فــإنهم جمعيهم كانــــوا ينتمـــون إلــى فئــــات الـــبرجـــوازيــــة الصغيــــرة بـــمـراتبهـــــا الدنيـــــــا والـــصــغــــرى، وإن تحليل العوامل الكامنة وراء هذه الفردية التي برزت في إجراءات فهد عند تشكيله اللجنــــة المركزيــــة يمكن أن نعلل ذلك بعدم بقــــاء الكوادر القديمـــة ذات الخبرة مما يمكن الاعتماد عليها في عمليــــة الاختيــــار، إذإنهم إما أن يكوانوا قد تخلوا عن العمل الحزبي أو أنهم كانوا في السجن أو المنفى، فضلاً عن السرية التامة في العمل، و التعاون بين أجهزة التحقيقات الجنائية وبقية الأجهزة الأمنية كان مستمراً وموجهاً ضد نشاط الشيوعيين، وكان هناك محاولات لدس المخبرين في صفوف الحزب، فضلاً عن الفردية التي كانت في شخصية فهد وعدم مشاورته لأعضاء اللجنة المركزية الآخرين ضناً منه بأنه هو الوحيد القادر على اتخاذ القرارات التي تصب في مصلحة الحزب. ولم تخلُ عميلة قيادة فهد للحزب من مصاعب وظهور معارضين له الذين عبروا عن رفضهم لقيادة فهد من خلال قيادتهم مجموعة من الانشقاقات عن الحزب.

عن رسالة (يوسف سلمان يوسف "فهد" ودوره السياسي والفكري في العراق 1901-1949).