أمين الخولى وتجديد الفكر الدينى

أمين الخولى وتجديد الفكر الدينى

د. عزة بدر

دعا أمين الخولى إلى تجديد الفكر الدينى من خلال أعماله الفكرية ومنها (المجددون فى الإسلام) و(رسالة الأزهر فى القرن العشرين)، و(كتاب الخير - دراسة موسعة للفلسفة مطبقة على الحياة الشرقية والتفكير الإسلامي)، و(تاريخنا الإسلامى متى يصبح له منهج) وغيرها من مؤلفات أثرى بها حياتنا الفكرية.

والشيخ أمين الخولى هو أول من قام بتدريس الفلسفة رسميا فى الأزهر وذلك من خلال محاضراته فى هذا المجال التى جمعها تحت عنوان: (كناش فى الفلسفة وتاريخها) عام 1934 وأهداها إلى روح الأستاذ محمد عبده، و(الكناش) لفظ سريانى معناه المجموعة والتذكرة، وسماه كذلك أملا فى أن يتلوه جهد مبارك فى الحكمة يحمى ثقافة الشرق، ويصون شخصيته الخالدة.

دعا أمين الخولى للإيمان بالسببية فهو القائل (آمنوا بالسببية لتعيشوا عصر العلم)، قام بالتدريس فى مدرسة القضاء الشرعى، وفى كلية أصول الدين، وفى كلية الآداب - جامعة القاهرة، وكلية الحقوق، ومعهد فن التمثيل، وأطلق عليه طلابه لقب (سقراط المصري)، وأطلق هو على طلابه لقب (أبناء العقل).

توافرت للشيخ أمين الخولى كل الظروف المواتية والعناصر الفكرية التى تجعله بحق من أصحاب الفكر التجديدى فقد تميز بحيوة عقلية وعملية، واتصل ببيئات معنوية متعددة أخصبت تجربته الفكرية ومنها أنه تخرج فى مدرسة القضاء الشرعى، ومن خريجيها أيضا: أحمد أمين، وعبدالوهاب عزّام، وأحمد السنهورى، وعبدالحميد عبادى، وكان من أهم أهداف هذه المدرسة أن يتلقى الطلاب التجربة السياسية والعملية والاجتماعية التى أرادتها مدرسة الإصلاح الدينى الحديث من أنصار الإمام محمد عبده، وعلى رأسهم الزعيم الوطنى الثائر سعد زغلول فأرادوا فى السياسة تجربة استقلالية مصرية فى معهد لا تمتد إليه يد أجنبية، ويتولى أمر نفسه فى استقلال إدارى وثقافى لا صلة له بوزارة المعارف ومستشارها الإنجليزى (دنلوب) إذ ذلك،كما أراد خريجو مدرسة القضاء الشرعى تجربة علمية تلتقى فيها الثقافتان القديمة والحديثة، والشرقية والغربية التقاء معتدلا رزينا، لا تجور فيه واحدة على صاحبتها، ولا تنكر واحدة منها أختها، فدرسوا العلوم الدينية على يد علماء الأزهر، كما درسوا الجبر والهندسة النظرية، والفراغية ومبادئ الفلك، والطبيعة والكيمياء والتاريخ والجغرافيا وأصول القانون، وشرح لائحة المحاكم الشرعية، ونظام المرافعات، والتفسير والفقه والحديث والتوحيد إضافة إلى النحو والصرف والأدب.

وإضافة إلى هذه العلوم المتنوعة التى درسها أمين الخولى فى مدرسة القضاء الشرعى، تهيأت له أسباب أخرى لتنوع مصادر الثقافة، والاطلاع على الثقافات الغربية وذلك من خلال عمله الذى هيأ له إتقان اللغات الأجنبية كالإيطالية، والألمانية، والفرنسية، وكان قد صدر المرسوم الملكى فى 7 نوفمبر 1923 بتعيين أئمة للسفارات الأربع المصرية فى لندن، وباريس، وواشنطن، وروما، وكانت الأخيرة هى مكان عمل أمين الخولى فأبحر إليها من الإسكندرية، وبقى فى إيطاليا عامين، وأجاد الإيطالية وشرع يطلع على الحياة الدينية والثقافية وجهود المستشرقين فى أوروبا، كما عمل فى مفوضية مصر فى برلين عام 1926، وتعلم اللغة الألمانية ولما ألغيت وظيفة الأئمة من السفارات والمفوضيات المصرية عام 1927 عاد إلى مصر واستأنف عمله فى مدرسة القضاء الشرعى ثم فى كلية الآداب بالجامعة المصرية مدرسا ثم أستاذا مساعدا ثم أستاذا لكرسى الأدب فى عام 1943.

وقد أدت هذه العناصر الثقافية المتنوعة من إجادته لمناهج البحث العلمى فى اللغة وفى الأدب، والبلاغة، وفن القول، وفى إعمال العقل فى كثير من النظريات العلمية، واهتمامه الأصيل بالتراث العربى الفكرى والأدبى إلى قوله: (إن أول التجديد قتل التراث بحثا وفهما)، ويقول أيضا:

أما إذا مضى المجدد برغبة فى التجديد مبهمة وتقدم بجهالة للماضى، وغفلة عنه يهدم ويحطم ويشمئز ويتهكم فذلكم (تبديد لا تجديد).

وكان يرسى أصول التجديد كما يراه فى كل المجالات المتصلة بإسهامه: التجديد فى اللغة، ونحوها فى البلاغة، وجمالياتها، وفى الأدب ونقده، وفى تفسير القرآن، وفى الفكر الدينى.

وكان يرى التجديد فى الفكر الدينى لابد أن يقوم على النظر العلمى الذى لا يستقيم بغير الفهم العميق للقرآن الكريم، كما انتمى أمين الخولى إلى الرواد الأوائل الذين دعوا إلى (تآخى الدين والعقل فى الإسلام)، الذين يتقدمهم بجدارة الإمام محمد عبده (1849-1905) إمام المجددين.

ومن المبادئ التى عززها أمين الخولى فى دعوته لتجديد الفكر الدينى: مسايرة حركة العلم المطردة التغير والتقدم، فكان الإمام محمد عبده يقول: (لو أردت سرد جميع الآيات التى تدعو إلى النظر فى آيات الكون لأتيت بأكثر من ثلث القرآن بل من نصفه).

وكان يقول أيضا: (إن الناس تحدث لهم باختلاف الزمان أمور ووقائع لم يرد لها ذكر فى كتب الفقه القديمة فهل نوقف سير العالم لأجل كتبهم؟ إن هذا لا يُستطاع، إنه جمود وموات يجعل العوام ينصرفون عن دينهم الذى لا يجارى وقائع حياتهم).

وهو المعنى الذى نجده أيضا فى كتابات أمين الخولى الذى يؤكد أن أبسط صور التطور المغير أن نجد فى الحياة هذا الاختلاف بين المذاهب الفقهية رحمة بل فرصة للتخير وانتخاب ما نراه أيسر عملا، وأصلح مسايرة، وأخف وقعا وأعمق أثرا، وهذا الانتخاب المتخير من مختلف الأقوال المتغايرة مما يسلم مبدئيا ولا تجرى عليه ملامة.

ومن أهم ما طرحه أمين الخولى وأكثره جرأة ما قاله حول عرض العقيدة على أجيال جديدة فى بيئات فكرية حديثة بحيث يلائم حاجتها النفسية، وجوها العلمى والعملى الذى تطير فيه الصواريخ العابرة، وتسجل الحياة فى الكواكب الأخرى على نأيها فيقول:

(ما ينبغى أن تظل تلك الصور الساذجة من الحديث عن غيبيات لم يأمر الدين بشيء من التفصيل لها، وإطالة الحديث عنها، ولا أن نستمع إلى صنوف من القصص الذى هو تمثيل لمعان، وتقريب لحائق لا تاريخا ولا تسجيلا لأن ما فيه من الحديث المفصل يصدم حس هذه الأجيال، ويناوئ تكوينها العقلى بعلميته، وتكوينها الفنى بدقته كأن تقول لهم إن التصوير حرام، وإن أشد الناس عقابا يوم القيامة المصورون فى حين تحتاج أنت، ويحتاجون إلى الاستفادة من التصوير ومجالاته الفنية فى الإيضاح الدينى اعتقاديا وعمليا، وهذا مثل قريب لوجوب تطور العقائد فى عرضها فى جوهرها وصميمها (أمين الخولى: المجددون فى الإسلام)، ص63،ص64.

مضى أمين الخولى فى تأكيد ضرورة تجديد الفكر الدينى، ومضى فيما هو أبعد من ذلك وهو الإفادة من الفكر الغربى، والنظريات العلمية الحديثة فى محاولته لتجديد الفكر الدينى فلم يرتكز فقط على الثابت البنيوى أو النص الدينى أو فكرة قتل التراث بحثا وفهما، لكنه أفاد من نظرية النشوء والارتقاء لدارون.

فقد طبقها الخولى على الفكر البشرى، ومن المعروف أن نظرية التطور والانتخاب الطبيعى هى نظرية لمحاولة وصف وتفسير نشوء ظاهرة الحياة على سطح الأرض، وارتقائها عن طريق الانتخاب الطبيعى حتى بلوغها الشكل الراهن، وعلى الرغم من أن هذه النظرية تحوى ثغرات ومواطن قصور كما أوضح كثير من العلماء أبرزهم فيلسوف العلم كارل بوبر (1902 -1994) فإنها حسب تعبيره مناهج بحث ممتازة.

وقد انطلق أمين الخولى ليبين أن النظرية الحديثة فى صلبها لا تتناقض مع العقيدة الدينية ولا تتعارض مع الإسلام الذى يحث على عمل العقل بل وطبق الخولى نظرية النشوء والارتقاء على الفكر البشرى عند الإغريق ثم عند الإسلاميين، خصوصا مع (إخوان الصفا)، و(ابن سينا)، و(ابن طفيل)، و(القزويني)، و(ابن خلدون).

وقال إنه حتى المعنويات العقلية تتطور من أصل بسيط وتتنافس، والبقاء للأصلح فأعمل النظرية فى عالم الأفكار.

ورأى أن ظهور الفكرة الجيدة يشبه فى تطور الحى ظهور صفات جديدة فى نوع من الأحياء تخالف الصفات القديمة، وقوة يقين اصحاب الفكرة الجديدة بصحتها وصلاحيتها تقابل قوة الصفات الجديدة فى الحى على البقاء، ويضرب مثالا على هذه الفكرة فيقول: (إن تحريم تدريس العلوم الرياضية والطبيعية فى الأزهر تبناها كبار الشيوخ من ذوى السلطان، وتبنتها قلة نابهة غير ذات سلطان، تقدمهم الإمام محمد عبده بنظرية البقاء للأصلح).

ومن هنا كان منهجه إلى تجديد الفكر الدينى على أسس حيوية نازعة إلى التطور والارتقاء، مؤكدا أن فى الدين فكرة صريحة عن التجديد تبين ناموسا كونيا، وتنسبه إلى سنن اجتماعية مطردة لا تتبدل.

.. كان التطور والارتقاء مقولة تبنتها المدرسة العلمانية العلمية.. مدرسة سلامة موسى (1887-1958)، وشبلى شميل، وإسماعيل مظهر، وبينما كرس سلفيون جهودهم لشن حروب شعواء على نظرية التطور استفاد أمين الخولى منها لخدمة الفكر الدينى، وضرورة التجديد فيه وأفاد منها أن على الإنسان النضال والكفاح من أجل الترقى والصعود بل ومن أجل مجرد البقاء.

وكان الخولى يصدر عن فكرة مؤداها: أنه من غير الممكن ولا المجدى إغفال نظرية التطور فى أية ثقافة معاصرة، فضلا عن أن تكون تحديثية تجديدية.

وقد دعا الخولى إلى (تدين إنسانى القلب، نبيل العاطفة، يؤدى التعاون البشرى، ولا يعوق الإخاء الإنسانى، تدين لا يعرف تلك السلطة الغاشمة التى ترهب العقل الطليق، وتفت فى العزم الوثيق، وتفسد الذوق الرقيق، وتتحكم بجبروت لاهوتى فى حياة الدنيا، وتسد الطريق إلى الآخرة وأنه تدين لا يخلق تلك الطبقة التى تحتكر الدين، وتسد المسالك إلى الله، ولا يعترف بتلك الطبقة إن خلقتها الظروف لأنه لا رياسة فى الإسلام، وكلهم قريب إلى الله سبحانه وتعالي)، وأشار إلى رسالة الشيخ محمد مصطفى المراغى شيخ الجامع الأزهر إلى مؤتمر الأديان العالمى والذى انعقد عام 1936 (فهى تُحدث عن زمالة عالمية يتعاون فيها أصحاب الأديان جميعا تعاونا حقا جادا على تحقيق أغراض معنوية، وأغراض عملية جليلة مسعدة للإنسانية المعناة بالبغضاء والجهل والبؤس، فأما الأغراض المعنوية التى تسعى هذه الزمالة الإنسانية لتحقيقها فهى فى إجمال إزاحة العلل التى حالت دون تأثير الشعور الدينى فى تقريب ما بين الناس، وأما الأغراض العملية فهى على الإجمال جعل التدين أداة فعالة فى تهذيب الجماعة، وتمكين العوامل المعنوية التى تشترك فيها الأديان من التأثير فى الحياة الإنسانية الواقعية، وتصيير الفضائل العلمية التى تدعو إليها الأديان كلها للواقعية).

ومن هنا يرى الخولى أن (الأزهر هو الذى يحمى روح مصر، والذى يحمى الفضائل العلمية المصرية والشرقية ويغرى الناس بها، وهو الذى يحمى العادات المصرية الشرقية للبقاء، ويقف فى وجه العادات الغربية التى لا تلائم البيئة المصرية والشرقية، وهو الذى ينظر فيما تقتبسه الحياة من جديد، وتدخل فى هذا الاقتباس بتعقل ولباقة فيقاوم الضار منه على ضوء الهدى الإسلامى، والخبرة الاجتماعية والفهم الجيد لشعور الحياة).

ومن هنا يدعو إلى إصلاح الأزهر فيقول: (إن الأزهر من حيث هو مركز دينى، رسالته حماية التدين ومحامده الاجتماعية، وتمكين الإنسانية من أن تسعد بأثر هذا العامل فى الحياة، كما أكد الخولى مفهوم الثقافة وهو (تعديل الإنسان، وتقويمه ليواجه الحياة مواجهة الصالح لها المدرك لنواحيها إدراكا صحيحا، والثقافة فى خططها وغايتها ترتبط بالمسألة الفلسفية الخالدة.. مسألة المعرفة) ومن هنا يطرق مشكلة مهمة وهى أن الدينيين يرون إنكار قابلية للتعليل، وإنكار مقدرة الإنسان على هذا التعليل والتسبب، فهم ينفون الأسباب، والمتفلسفون والعلماء يرون اطراد وقوع الظواهر عن وقوع أسبابها، وعدم تخلف ذلك مطلقا، وبناء عليه فالمشكلة (التناقض بين فكر الدينيين والعلماء) تترك أثرا نفسيا ينجم عنه خلق وسلوك ليس صالحا لمزاولة الحياة، ومن هنا يدعو الخولى إلى أن تؤدى الدولة واجبها فى الإشراف على الحياة التثقيفية للأمة إشرافا متفردا، مباشرا، يتناسب مع مسئوليتها أمام ممثلى الأمة، ويحقق رسالتها فى إعداد أبنائها إعدادا صالحا للحياة فلا تشتغل هيئة ذات صفة دينية خاصة بالتعليم أجنبية كانت أو وطنية لأن سلامة هذه الهيئات من خطأ الأساس فى ثقافتها غير مضمون، وتوحد خطوات التعليم فى المرحلتين الابتدائية والثانوية لأبناء الأمة جميعا بحيث لا تتولى هيئة ما إعداد طفل أو غلام أو شاب، وتكوين عقليته وخلفيته إلا تحت إشراف وزارة التربية والتعليم فى الدولة، وبنظمها وتجاربها ومحاولاتها فى النهوض بالأجيال.

فل يكون هناك تعليم دينى مستقل عن التعليم العام بل تتحد هاتان المرحلتان اتحادا تاما، ويُعلم الدين فيها بمناهج يضعها المختصون فى كل دين من الأديان التى ترى الدولة تعليمها على أن يكون لوزارة المعارف الإشراف على هذه المناهج وعلى تنفيذها، ومنفذيها، كما أكد ضرورة اختيار شخصية المعلم لأنه ينفث فى روح الجيل أنفاسه، ويطبعهم بذوقه ووجدانه، وهو قدوة يرمقها الناشئون بعين مقلدة، قوية التسجيل، ونفس شديدة التأثر.

وقد أفردت جريدة (المصري) حينذاك مساحة لأمين الخولى على مدى ثلاثة أشهر يشرح فيها رؤيته حول رسالة الأزهر الاجتماعية، ويبين العلاقة بين الدين والحياة، وإصلاح الدين نفسه بالحياة هو ما كان يتطلع إليه الخولى الذى رأى أن يكون مادة للتجديد الروحى والسمو الخلقى، ويكون أداة فعالة فى الإصلاح الاجتماعى.

ويؤكد أمين الخولى فى كتابه (نظرات الإسلام الاجتماعية.. أمس واليوم غدا) مخطوطة ألقى الضوء عليها كامل سعفان فى كتابه: (أمين الخولى صـ(90-96) أن الدين فى هذه الحياة لا مفر له من التفاعل والتبادل مع ما سواه من فهم وتنظيم لتلك الحياة، وأنه لن يُكتب لهذا الدين البقاء إلا على قدر ما فيه من قدرة على هذه المسايرة والمفاعلة والاستفادة، والانتفاع بما سواه من التفسيرات والتدبيرات الأخرى).

أى أن الدين- فى أى حال من الأحوال - قد احتاج ويحتاج إلى التطور والتجديد على مدى الأزمان، و بفعل العوامل القوية بل العنيفة التى تصطخب حوله مما يدعو إلى تقدير تجدد الحياة المستمر والحاجة إلى ما يعنى بمقتضيات هذا التجدد الدائم، واحترام المحاولات الإنسانية التى يبذلها الناس فى استنباط حلول المشكلات العارضة، والحاجات المتجددة، وحق القوى الإنسانية فى تفسير الحياة وتدبيرها تفسيرا منطلقا يعتمد على طاقة تلك القوى فى المعرفة على أساس (أن الناس أعلم بأمور دنياهم)روز اليوسف 2017.