عاتكة وهبي الخزرجي.. شاعرة صوفية

عاتكة وهبي الخزرجي.. شاعرة صوفية

منار جابر حسين

هي الشاعرة عاتكة وهبي الخزرجي ولدت في عام 1924م ببغداد و بعد ستة اشهر من ولادتها توفي والدها (و كان متصرفا للواء الموصل لفترة) فكفلتها امها و ربتها التربية الحسنة فادخلتها المدارس الابتدائية و المتوسطة و الاعدادية في بغداد و هنا و خلال دراستها الثانوية انبجست منابع عيون الشعر في قريحتها فكانت لها قصائد جميلة في هذه الفترة و بعد تخرجها من الثانوية درست اللغة العربية بدار المعلمين العالية ببغداد فنالت اللسانس في الاداب عام 1945م فعينت بعد تخرجها مدرسة للادب العربي في ثانويات بغداد, ثم نقلت الى الارشاد في الوسائل التعليمية و الايضاح.

و في عام 1950م سافرت الى خارج العراق الى فرنسا, و دخلت كلية الاداب في جامعة السوربون في باريس فنالت الدكتوراه بتفوق في الاداب عام 1955م باطروحة عن الشاعر العباسي العباس بن الاحنف و في غربتها هذه عن بلدها و امها و حبيبتها بغداد قدمت كثيرا من قصائدها و قد اتسع مجال شعرها متسما بالواقعية.

عينت مدرسة في قسم اللغة العربية بدار المعلمين العالية) (كلية التربية فيما بعد) ثم استاذة للادب العربي الحديث في كلية التربية بجامعة بغداد, و بقيت في عملها حتى احيلت على التقاعد في اواخر الثمانينات انضمت الشاعرة عاتكة الى نادي القلم سنة 1957م توفيت ببغداد عام 1997م عن عمر يناهز الرابعة و السبعين.

عاتكة الخزرجي شاعرة رائعة تعد من ابرز شاعرات العراق في العصر الحديث ضم شعرها بين سطوره و ابياته روح بغداد و عشقها و صوفيتها و شوقها للماضي و صبابتها للحاضر فقد نهلت من ثقافات مختلفة في دار المعلمين العالية و من خلال سفرها خارج العراق و مع ذلك فقد حصرت ادبها و شعرها في الادب العربي فقط, و كان في شعرها نلمس نزعة تقليدية لتأثرها بشعر العباس بن الاحنف و نفس المتنبي, و طابع قصصي رائع و ابرز ما يتسم به شعرها فيه نغمة ذاتية و موسيقى رائعة.

و شعرها يزخر بالأدب العالي شعرا رقيقا يجسد حبها للوطن الذي سكن روحها و خيالها و في شعرها ايضا قوة معنى و ترابط و تنسيق جميل نلحظ في ابياتها الشعرية و يسري في جسد قصيدتها, تقول في قصيدة لامها و حبها لها:

اما هواك فلست من انساه يوما اذا نسى المحب هواه

ابدا اراه تحير بين جوانحي حبا لان جوانحي مأواه

و كانت عاتكة بحق استاذة ماهرة يعشق سماع محاضرتها كل من يسمعها.. كانت تهتم بموسيقى الشعر و رقته و ترعى كل من تتلمس لديه موهبه في الشعر, و تشدد عليه حتى يصفو شرابه و يشتد عوده.

و كان لها دورها الثقافي المميز من خلال حواراتها و ما تنشره من قصائد و كانت عاتكة عاشقة لبغداد و هي تسكن في بيت انيق تعتني به عناية فائقة و هي تعيش بين نباتاتها و ازهارها المختارة و اوراقها و كتبها و صورها التي كانت تعشقها كثيرا.. لم تستطع عاتكة فراق بغداد, و الدكتورة عاتكة كانت تلقي شعرها بنفسها في المحافل شعرا عذبا رقراقا بانغام ساحرة تأخذ بالوجدان و كانه سلاسل من الذهب تجود بها بين حين و اخر.

و الشعور الصوفي او ذو النزعة الصوفية بات هو المتنحى او السمة التي تميز الراقي في مخاطبتها للرمز سواء كان الغائب الحاضر من الوطن و هو الحب الاكبر و تتوسع دوائر هذا العطاء الوجداني لتشمل كل نبض القلب عند شاعرتنا الادبية و نابع من القلب و الوجدان.

و ما احلاها و هي تنشد قصيدتها (امانة):

يهون عليك اليوم مثلي ولم اكن احسب يوما انني سأهون

يلذ لكم ذلي فانكر عزتي لديكم و يقسو قلبكم و الين

دواوينها الشعرية:

انفاس السحر 1963

لألاء القمر 1975

افواف الزهر 1975

شعر عاتكة الخزرجي 1986

و لها مسرحية شعرية بعنوان (مجنون ليلى).

لا شك في ان الشاعرة تعيش في مجتمع محافظ و رغم تحررها في السفر و الفكر فهي تحاول ان ترضي هذا المجتمع, و يمكن ان نقول ان هذا الشعر الصوفي هو نوع من الغزل المتخفي.

و قد برز هذا السلوك في عصرنا الحديث في شعر المرأة لاجتماع المتعارضات السلوكية في العصر الحديث.

هي حفيدة صوفي خزرجي, دغدغ سمعها و هي بعد طفلة صوت والدها منشدا شعر ابيه و سواه من شعراء التصوف, اذ جمعت في شعرها بين رقة البحتري و غزل العباس بن الاحنف, و تعفف الشريف الرضي و استعطافه, و صوفية ابن الفارض و هيامه فهي ابنة الرصافة و ربيبة دار المعلمين.

اذ ولدت هذه الشاعرة في بغداد عام 1924م حيث اكملت دراستها الابتدائية في المدرسة الحيدريه للبنات بتفوق ثم المتوسطة و الثانوية و حصلت على الليسانس في الادب العربي من دار المعلمين العالية سنة 1945م.

و قد مارست التدريس في ثانوية الاعظمية للبنات, و رحلت الى باريس و دخلت كلية الاداب في السوربون سنة 1950م فحصلت على دكتوراه في سنة 1955م بعد ان حققت ديوان العباس بن الاحنف و قد طبعته بالقاهرة, و بعدها عينت بمنصب مدرسة في قسم اللغة العربية في دار المعلمين العالية).

لكن طموحها لم يقف عند هذا الحد فقد عكفت على نظم الشعر منذ ان كانت في العاشرة من عمرها و نشرت منه و هي في الرابعة عشرة في الصحف العراقية, و كتبت مسرحية بعنوان (مجنون ليلى) و هي في السادسة عشرة في مرحلة الدراسة الاعدادية و طبعتها سنة 1963م في القاهرة و تنتهج فيها منهج احمد شوقي, و قد انتمت الى نادي القلم سنة 1957م و من دواوينها المطبوعة (انفاس السحر) حيث طبع في القاهرة سنة 1963م و (لألاء القمر) الذي طبع في القاهرة 1994م و لها ديوان مخطوط بعنوان (افواف الزهر) و عدد من المقالات المنشورة.

و لابد من الاشارة الى ان ديوانها الاول لا يكشف لنا الا فترات التكوين الاولى, منها ما رافق فترة (الطلبة و التلمذة) و منها ما رافق فترة التغرب في اوربا حيث نلمح فيه بداية التحرر الروحي و يقول عن هذا الامر الدكتور داود سلوم: (اني ارى ان مادة هذا الشعر الوجداني الذي نسبته الشاعرة الى مسرحية علية بنت المهدي كان تهربا من الاعتراف بعواطفها في الفترة الاولى).

ام في ديوانها (لألاء القمر) فتظهر فيه القدسية و بين يديها حب جديد تعترف به و تنسبه الى نفسها لا الى علية بنت المهدي و هذا الحب الصوفي خلاصة تأمل في الذات الالهية, و اود ان اشير الى ان الشاعرة عاتكة الخزرجي على الرغم من انها عاشت في اول شبابها في مجتمع متحرر نوعا ما ثم سفرها الى فرنسا للدراسة و رجوعها بعد ذلك و هي تحمل دكتوراه الدولة في الادب العربي, و سلوكها بعد مجيئها من دراستها الى العراق سلوكا تحرريا و شعورها بالكثير من السعادة في حياتها الاولى قبل زواجها الاول الذي لم يكتب له الاستمرار, ثم في زواجها الثاني الذي هو الاخر لم يعمر طويلا نرى ان الشاعرة قد تغيرت في افكارها و اشعارها.

و ظهر في المرحلة الثالثة من حياتها نوع من التشاؤم في حياتها ادى بها الى الاتجاه نحو شعر التصوف و العرفان مما سنقرأ قسما منه في هذا البحث.

و قد قال عنها الاديب المصري احمد حسن الزيات: (الناقد الذي لا يؤمن بصوفيتها انها تدخل في الغزل بابا من ابواب الشعر لا مجرى من مجاري الشعور فهي تعبر بالفن لا بالوحي و تؤثر بالصنعة و لا بالطبيعة).

و يشير الاديب المصري احمد حسن الزيات بان لقاءه بالشاعرة عاتكة الخزرجي و اصغاءه الى انشادها لمقطعات شعرها بعث في نفسه ذكريات (مي زيادة) التي اشتهرت بالقائها العذب للشعر و النثر.

اما الدكتور داود سلوم الذي اطلق عليها القدسية و نادها به فيقول: (ان القدسية في صلواتها الشعرية لا تتكلف في اختيارها فهي تشعر بالقرب ممن تخاطب, و تشعر انه قريب منها, ففي شعرها تنتفي القاعدة – لكل مقام مقال – و تستحيل الفاظها الى الفاظ هامسة بسيطة, الفاظها تشبه حوارا بين اثنين في روضة بعيدين عن الناس و الزحام و قد غابا عن الوجود حول منضدتهما احدهما ينظر في اعماق عيني الاخر فيقول ما يشعر بما يقوله, انه شعر يشبه النثر و نثر يشبه الشعر, انه صلاة قديسة... و دعوة محتاج). غرض التصوف في شعر عاتكة (الغزل الصوفي) ان من يطلع على شعر عاتكة يلمس في تركيزها على موضوعات (الحب و التصوف) و هذا ما لاحظه الاديب احمد حسن الزيات فهي ربيبة الرصافة و نزيلة الكرخ حيث يتعطر بانفاس الملائكة و تحوم حول ارواح المتصوفين (كالجنيد البغدادي و الحلاج و معروف الكرخي) حيث ان الينابيع الصافية التي ارتوى من فيضها شعر الدكتورة عاتكة و الينابيع هي (الله و الطبيعة و النفس).

و الينبوع القدسي هو اندى على كبدها و اروى لشعورها من الينبوع النفسي و الينبوع الطبيعي لانها حين تصف النفس او تصور الطبيعة يتمثل فيها بديع السماوات و الارض الذي احسن كل شيء خلقه و منح كل جميل جماله, فنسمعها تقول:

بالذي رقرق الصبابة في القلب و شى بالحب اثناء نفسي

و الذي برأ الحنايا و اصفاها صفاء الانداء في ضوء شمس

انت عندي معنى اجد الله حيالي في الصبح او حين امسي

(شهد الله لم يغيب عن جفوني شخصه لحظة و لم يخل حسي)

فهذا الحب الصوفي الالهي خلاصة تأمل في الذات الالهة و نوع من الذوبان في ذات الله, و ان هذا الشعر وليد التأمل و النضج الفكري و التقدم في الثقافة و التأثر بالنصوص الدينية و جذور النشأة الاولى.

و هنا تستخدم الشاعرة كل ما استخدم غيرها من دلائل الربوبية و لكن كونها امرأة تجعل من شعرها عشقا يقوم بين اله روحاني و امرأة بشرية ذات لحم و دم.

و هذا هو الطريف في موضوع الغزل الصوفي لان هذا العشق الحاد بين الروح و المادة لم يتكرر بهذا الجمال و الصفاء و اللطف و الظرف منذ ان غنت رابعة العدوية النغم لنفس الاله)

و من خلال شعرها نراها تسجل اعترافاتها في اكثر من قصيدة عن مدى عشقها (للاله)و تؤكد عليه و اذا كان هناك من يسألها ماذا تعشقين...

اجابت...

اهوى الذي خلق الوجود من العدم

اهوى الذي سواك من لحم و دم

اهوى الذي شق الضياء عن الظلم

اهوى الذي علا و علم بالقلم

قالوا تعالى من له الملكوت من برأ النسم.

يلح كيف ان الشاعرة تعشق (الاله) و تبين ان عشقها خالص لربها و لكنها في الوقت نفسه تعطي دليلا على ان عشقها موجه الى (حبيب خيالي) اذ تشخص بقولها:

اهوى الذي سواك من لحم و دم

فكيف تقدم دلائل لربوبية الاله و تتحدث عن حبها له ثم تعشق ما خلق الله.

و نسمعها تقول...

قالوا: و ماذا تعشقين؟ فقلت سر الحسن كله...!

قالوا: و من ذا؟ قلت ربي بارئ الكون جمله...!

و نلمس عشق الشاعرة الى كل شيء جميل خلقه اله و بعد ذلك تؤكد محبتها (للاله).

و تستمر في قولها...

احبك... لو صح ان الهوى

تترجمه احرف او معان

احبك للحب لو اعربت

عن الحب قافية او بيان

و هنا تصرح الشاعرة بشكل مؤثر عن مدى تعشقها لربها اذ تصف ذلك الحب الذي يعجز عن وصفه اي شخص.

و يمكن ان نمضي في تحديد خصائص هذا الغزل الصوفي الذي انشطر الى نصفين فنصفه الهي و نصفه بشري... فهذا الغزل غير محدد بمستوى اجتماعي و ليس لهذا الموصوف ابعاد البشر الذي يتحرك بيننا و انما هو صورة – الرجل – الذي يعيش في قلب القديسة, هو – ادم – كما تريده حواء, فهي في رسم صورته لا تبرهن على انها كالشعراء الاخرين و الشاعرات الاخريات, فامرئ القيس حدد لنا مستوى من يحب, و عمر بن ابي ربيعة حدد لنا مستوى الكثيرات من اللواتي ذكرهن, حدد مستواهن في الجمال و المال و المركز و التربية و المزاج.

من بحث قدم: الى جامعة البصرة كلية التربية للعلوم الانسانية – قسم اللغة العربية