عاتكة الخزرجي ورسالتها للدكتوراه

عاتكة الخزرجي ورسالتها للدكتوراه

د. علي القاسمي

التحقتُ بدار المعلِّمين العالية في بغداد في أيلول 1957، قادماً من بلدةٍ صغيرةٍ في الفرات الأوسط. وكان من حُسن حظّي أنَّ أستاذتنا لدرس اللغة العربية في السنة الأولى هي الدكتورة عاتكة وهبي الخزرجي التي كانت قد عادت من باريس قبل عامٍ واحدٍ فقط، بعد أن حازت شهادة دكتوراه الدولة في الآداب من السوربون، وعُيِّنت أستاذةً في دار المعلِّمين العالية.

كانت الدكتورة عاتكة الخزرجي تعاملنا ــ نحن طلابهاــ بلُطفٍ ورقَّةٍ واحترام، كما لو كنّا أولادها الأعزاء أو إخوتها الصغار، وتُشعِرنا واحداً واحداً بأنَّنا أفرادٌ على درجةٍ كبيرة من الأهمِّية والكرامة. كانت تدرّسنا ذلك العام شعر الشاعر العباسي، العباس بن الأحنف (ت نحو 194هـ/ 807م)، بوصفه نموذجاً للأدب العربي والحضارة الإسلامية وقِيمها ومُثلها في أزهى عصورها، عصر هارون الرشيد. وكانت عاتكة قد اكتشفت، وهي ما تزال فتاة صغيرة، شاعريّة العباس بن الأحنف الفذة وأغرمت به، وتألَّمت لما أصابه من آلام حبِّه الخائب لمعشوقته \"فوز\". ولهذا كان هذا الشاعر هو موضوع رسالتها للدكتوراه في السوربون. طلبتْ منا ذات يوم حفظ قصيدةٍ من قصائد العباس بن الأحنف. وعندما سألتْ في اليوم التالي ما إذا كان أحدنا قد حفظها، رفع بعضنا أصابعه، وكنتُ من بينهم. ويبدو أنّني كنتُ أرفع إصبعي بشيءٍ من الإلحاح، ولم أنتبه إلى أنَّ غيري قد سبقني إلى ذلك. فطلبتْ من أحد الطلّاب تلاوة القصيدة، وفي الوقت نفسه التفتتْ إليّ وخاطبتني بلطف وبابتسامةِ اعتذار قائلة: \" أنتَ مسك الختام.\" ولكن عندما جاء دوري، ارتُجَّ علي ولم أستطِع تذكّر القصيدة. فقالت ملتمسةً لي العذر: " كثيراً ما يحصل هذا عندما نحفظ النصَّ جيِّداً."

كانت الدكتورة عاتكة الخزرجي تجمع في شخصيتها الجميلة بين غنج الفتاة البغدادية المترفة والأناقة الباريسية الجذّابة، والخُلق الإسلامي المحافظ. كانت في ذروة شبابها لم تتعدَ السنة الحادية والثلاثين من عمرها المبارك، تصفِّف شعرها الفاحم السواد على شكل زهرتي دالية تحتضنان وجهها الصبوح ذا الملامح الجميلة المتناسقة الساحرة، الذي تشرق فيه ابتسامتُها الصغيرة الحيَّية المرسومة بعنايةٍ على شفتيْها الحمراويْن المكتنزتيْن. وعندما تكبر ابتسامتها، تكشف عن أسنانٍ لؤلؤيةٍ ناصعة البياض، وتبدو غمّازتان أخّاذتان على الخدَّين الأسيليْن. قوامها لدن رشيق لا يشتكي منه طولٌ ولا قصر، مع بروزٍ ملحوظ في صدرها الناهد. تمشي بخطواتٍ رشيقةٍ خفيفةٍ مموسقة كما لو كانت تؤدِّي رقصة الفرح على ألحان شِعرها المنغَّم، ويفوح خلفها عطرُها الباريسي النادر الفريد. في تلك الأيام كان يكفيني أن أقترب من غرفة أساتذة اللغة العربية في بناية دار المعلمين العالية، لأعرف ما إذا كانت الدكتورة عاتكة قد وصلت أم لا (وفي هذه اللحظات التي أكتب خلالها هذا المقال بالحاسوب في المقهى الشتوية في شارع محمد السادس في مدينة مراكش الرائعة، تناهي إليَّ، على بُعد المسافة، أريجُ عطرك الفوّاح، يا عاتكة، بعد أكثر من خمسين سنة من الفراق). كانت تحدّثني بصوتٍ خفيضٍ رخيمٍ ذي رنين عذب يشيع المرح في الجو، وأنا أرافقها بعد الدرس من غرفة الصفِّ إلى موقف السيّارات حيث سيّارتها الصغيرة. ولكن لم أكُن قد تعلّمت آنذاك ما يكفي من الشهامة واللياقة واللباقة لأفتح لها باب السيّارة، بل كنتُ أقف مشدوهاً أراقبها بحسرةٍ وهي تفتح باب السيّارة وتمتطيها وتغادر. باختصار، كانت عاتكة ــ في نظري ــ أجملَ امرأة تقود سيّارتها أو تمشي بين الرصافة والجسر، بل حتّى أحلى وأملح وأفصح وأكثر جاذبية من جميع طالباتها اللواتي كنَّ يصغرنها بأكثر من عشر سنوات. كنتُ أنظر إليها مأخوذاً منبهراً كما لو كنت أقف مبتهلاً أمام صورة مقدّسة، فائقة الحسن خلابة الجمال، أبدعها الخالق المصوِّر الأعظم.

وفي السنوات الأربع (1941 ــ 1945) التي أمضتها عاتكة في دار المعلِّمين العالية، كانت القضية الفسلطينية ملتهبة في وجدان العرب، فكتبت عاتكة ــ في تلك الفترة وبعدها ــ عدداً من القصائد لفلسطين صبّت فيها جام غضبها على بريطانيا التي وعدت الصهاينة بدولةٍ، وساعدتهم على إقامتها على أرضٍ مغتصبةٍ من أهلها الفلسطينيّين. ولا بدَّ من تأجيج ثورة عاتية تسحق الطغاة المتواطئين مع المستعمِر جميعاً. تقول في قصيدتها الطويلة" فلسطين هيا ثورة عربية":

إليك عن الشكوى فلسطين إنَّنا نفوسٌ ستحيا أو تكون حطاما…

لقد جمعتنا يا فلسطينُ نكبةٌ كما تجمعُ الأحزانُ شملَ يتامى

فلسطين هيــــــا ثورة عربية تصيِّرُ أبـــراج الطــغاة ركاما…

تخرّجت عاتكة في دار المعلِّمين العالية سنة 1945، كما ذكرنا، وعُيّنت مدرِّسة للغة العربية وآدابها في مدرسةٍ ثانويةٍ للبنات في بغداد (كانت المدارس الثانوية في العراق آنذاك منقسمة إلى قسميْن: للإناث وللذكور). وبعد أن أمضت خمس سنوات في التعليم حصلت على منحةٍ دراسية من مديرية البعثات في وزارة المعارف، للحصول على دكتوراه الدولة من السوربون في باريس.

عندما حصلت عاتكة على البعثة (المنحة) إلى جامعة السوربون، أخذت تتهيّأ للرحيل وتتهيّب منه، لأنّها ستفارق أحبّاءَها: أمَّها، بغداد، العراق. وهكذا كتبت قصيدة \"قبل الرحيل\" تخاطب فيها بغداد:

هاتِ العهود على الوفاء وهاكِ وإليــكِ ذي يُــمناي في يُمـنــاكِ

قسماً بحبِّكِ والذي برأ الهــوى وأذابَ روحي في سعير لظاكِ

لأظلُّ أرعى العهدَ شأنَ متيَّمٍ آلى علــــى الأيـــام أن يــهــــــواكِ

وعندما وصلت إلى باريس، شعرت بوطأة الفراق على الرغم من جمال المدينة وأنوارها وكونها بنت الحضارة وعاصمة الفنِّ في الدنيا بلا منازع؛ وأخذت تحنُّ إلى بغداد والتاعت روحها بالشوق المضطرم. وظهرت في شعرها موضوعة الحنين:

أواه لو تدرين كم ضاقت بها ســبل الحياه

وبدت لها بنتُ الحضارةِ وهي قفر في فلاه

وتشوّقت تبغي الفراتَ فلم تجدْ إلا صـداه

تقضي التقاليد الجامعية في السوربون والجامعات العريقة في أوربا مثل أكسفورد وكيمبرج، أن طالب الدكتوراه لا يتمُّ تسجيله إلا عندما يوافق أحد أساتذة الجامعة المختصّين بموضوع الطالب على الإشراف على دراسته وأطروحته. وكان أكبر المستشرقين الفرنسيين آنذاك لويس ماسينيون (1883 ــــ 1962)، وهو متخصِّص في التصوّف الإسلامي. ولكن عاتكة الخزرجي اختارت أن يشرف على دراستها وأطروحتها المستشرق ريجي بلاشير (1900 ـ 1973) المشهور آنذاك بترجمته الفرنسية الأدبية لمعاني القرآن الكريم، وكتابه عن المتنبي. ويعود هذا الاختيار لسببيْن:

الأوَّل، إنَّ لويس ماسنيون كان أستاذاً في (الكوليج دي فرانس) التي كان التدريس فيها يعتمد على البحث، والتي لا تبعد بنايتها سوى خطوات عن بناية السوربون في شارع المدارس Rue des écoles في المقاطعة الخامسة في باريس. مع العلم أنَّ أساتذة السوربون قد يحاضرون في الـكوليج دي فرانس التي قد يحاضر أساتذتها في السوربون.

الثاني، إنّ لويس ماسنيون أكثر تخصُّصاً في الدراسات الإسلامية منه في الأدب العربي، خاصَّةً التصوّف الإسلامي، وهو مشهور بدراساته عن الحلّاج وتحقيقه لديوانه \" الطواسين\"، في حين أن ريجي بلاشير معروف بميوله الأدبية على الرغم من ترجمته لمعاني القرآن الكريم بالفرنسية، وكتابه عن النبي محمد (ص) في دراسات المستشرقين.

أضف إلى ذلك أنَّ عاتكة كانت تريد أن تكتب أطروحة الدكتوراه عن الشاعر العباسي، العباس بن الأحنف، والذي كتب مقالة \" العباس بن الأحنف\" في \" دائرة المعارف الإسلامية \" هو ريجي بلاشير، وليس ماسنينون.

لكلِّ هذه الأسباب، توجّهت عاتكة إلى المستشرق ريجي بلاشير راجيةً منه أن يُشرف على دراساتها وأطروحتها في السوربون عن العباس بن الأحنف.

وقد اختارت عاتكة شعر العباس بن الأحنف ليكون موضوعاً لأطروحتها لأسبابٍ ذاتية وموضوعية متعدِّدة أهمُّها:

أوَّلاً، أنه بغداديٌّ عراقيٌّ، مثل عاتكة؛ ومحبٌّ لبغداد شغوف بالعراق، مثل عاتكة.

ثانياً، كان شبيهاً بعاتكة، أو أن عاتكة تشبهه في العفّة والطهارة والترف ونبل الروح المفعمة بالحبِّ والخير والجمال. فهو عفيف الروح كريم النفس، واقتصر شعره على الغزل والوصف. يقول عنه الجاحظ: \" لا يهجو ولا يمدح، ولا يتكسب ولا يتصرّف، وما نعلم شاعراً لزم فنّاً واحداً فأحسن فيه وأكثر." ويرى البحتري أنّه أغزل الشعراء. وكان في غزله سامياً طاهراً حتّى تحسبه أحد الشعراء العذريّين. وأشاد به المبرّد في كتاب \"الروضة\" وفضَّله على نظرائه حين قال: \"العباس من الظرفاء، ولم يكن من الخلعاء، وكان غزلاً ولم يكن فاسقاً، كان ظاهر النعمة، ملوكي المذهب، شديد الترف".

ثالثاً، إنّه مظلوم تماماً إذا ما قورن بغيره من الشعراء الذين هم أقلّ منه منزلةً وشاعريةً، فمعظم شعره قد ضاع، ولم يبقَ منه إلا المختارات التي انتقاها ورواها أبو بكر الصولي (ت 335 هـ/ 964م)، وهو من أحفاد أخوال الشاعر، بعد حوالي قرنيْن من وفاة الشاعر.

رابعاً، لا يوجد له ديوانٌ محقَّق تحقيقاً علمياً، فديوانه مطبوع مرتيْن: مرّة في مطبعة الجوائب سنة 1880، وهي مليئة بأخطاء التحريف والتصحيف والسهو والجهل التي اقترفها النسّاخ؛ ومرّة في بغداد سنة 1947 بتحقيق عبد المجيد الملا الذي احتفظ بأخطاء طبعة الجوائب ولم يُجِد الشرح.

ولهذا كلِّه كانت أطروحة عاتكة تتألَّف من عمليْن هامَّيْن: تحقيق ديوان الشاعر تحقيقاً علميّاً، ودراسة معمَّقة في عصره وحياته وشعره والكشف عن الشخصية الحقيقية لحبيبته فوز.

تمَّت مناقشة أطروحة عاتكة في السوربون سنة 1955. وكان النظام الجامعي في فرنسا آنذاك يتوفَّر على نوعيْن من شهادة الدكتوراه: الأول، دكتوراه الجامعة Doctorat d\’Universite (ويقابله في امريكا شهادة الماجستير M.A. or M.Sc.). والثاني، دكتوراه الدولة Doctorat d\’etat (ويقابله في امريكا شهادة دكتوراه الفسفة Ph.D.). ويعتمد نوع الشهادة التي ينالها الطالب على المراحل التي قطعها، والمدّة التي أمضاها في البحث، ونوعيَّة البحث.

وقد حازت عاتكة شهادة دكتوراه الدولة في الآداب. وأهدت رسالتها إلى أستاذها ر. بلاشير:

" إلى أستاذنا الشيخ الجليل والعلامة الكبير المستشرق الفرنسي الشهير \" ر. بلاشير، \" مترجم القرآن وصاحب كتاب المتنبي، أرفق هذا الكتاب الذي هو ثمرة من روض فضله، وقطرة من فيض بحره، مشفوعاً بهذه التحية:

يا حكمة الله قد سويت في بشر ما كنت في الناس إلا آية الحِقبِ

كم قد سهرت الليالي شأن ذي شغف وما شغفتَ بغير العلم والأدب

حاشا لمثلك أن يهفو لغانية أو أن يحن اشتياقاً لابنة العنب

شبابك النضر كم أفنيتَ زاهره في خدمة الضاد أو خدمة العرب

ترجمتَ قرآنها لله ترجمة آياً من السحر أو آياً من العجب

ما إن تدبرتُها إلا هتفتُ لها لله معجزة في معجز الكتب

ذات صلة