رمضانيات.. القصة خون وحماس رواد المقاهي

رمضانيات.. القصة خون وحماس رواد المقاهي

عزيز جاسم الحجية

كان بغداديو الجيل الماضي يجتمعون بعد صلاة العشه في المقاهي لاستماع مايقص عليهم (القصة خون) من سوالف تاريخية بأسلوب تمثيلي يلهب حماس رواد المقاهي وقد كانت في بغداد مقاهي عديدة يجتمع فيها الناس حول قاصهم المفضل,

منها مقاهي الجوبه والفضل وباب الشيخ والدهانة في جانب الرصافة ومقاهي الفحامة وسوق العجمي والست نفيسة والشيخ صندل في جانب الكرخ وقد اتخذ اصحاب المقاهي التعاقد مع القصاصين سبيلا لزيادة رواد مقاهيهم. زمن اشهر المقاهي وابعدها صيتا (كهوة حوري) الواقعة في اطراف محلة خان لاوند قرب الفضل وهي ماتزال تحافظ على طابعها البغدادي القديم.

فكان القصة خون المرحوم (مله فرج) يرتقي كرسيا خشبيا يشبه كرسي قارئ العزاء الحسني الى حد كبير وكان يضع على رأسه (الجراوية) البغدادية وعلى ارنبة انفه (زوج كوزلغ) -بمعني نظارات- يربطها باذنيه خيط سوتلي ويطرح بجنبه سيفا من الخشب ومتى مااجتمع رواد المقهى الذين اعتادوا ان لايتخلف منهم احد شوقا للوقوف على نهاية القصة حيث يتوقف القصاص عن حديثه بعد ان يورط (البطل) في موقف حرج ليشد زبائنه الى قصته ويحثهم على مواصلة الحضور للوقوف على خلاص البطل من ذلك المأزق.... والقاص خلال ذلك يفتح كتابه قارئا ومرتجلا بصوت جهوري وقد ينهض من مكانه منفعلا واحيانا يلوح بسيفه الخشبي مهددا وهو يتصنع العصبية ولاسيما عندما يتلو (قصة عنتر) فاذا ماقلد عنتر الراية يشتد حماسه ويبالغ بالتهديد حتى يتحشرج صوته ويسود المقهى سكون عجيبة ثم يدخل (شيبوب) الى السجن لانه تجسس على عمه انتصارا (لعنترة الفوارس)وبضربة مفتعلة من سيفه الخشبي يطيح بالفانوس النفطي المعلق امامه فيسود الظلام جو المقهى وتثور ثائرة (الاشقيائية)مطالبين باخراج شيبوب من السجن لانه من (جماعتهم)حيث كان المستمعون فريقين فريقا مع عنترة وفريقا عليه.

وروى يونس سعيدقائلا: من طريف ما سمعته ان احد القصاصين تعمد ان ينهي روايته على النص فبعد ان روى محاكمة ابي زيد الهلالي صاح بأعلى صوته:ودخل ابو زيد الهلالي الى السجن ثم اعلن ارجاء تكملة القصة الى يوم الغد فثارت ثائرة الهلاليين وابوا الا اخراج ابي زيد من السجن وتمنع القصاص بحجة تعبه واخيرا (حجاية منا حجاية منا) يتطور الموضوع فيتدخل القهواتي وغيره لفض النزاع الا ان احد رواد القصة ويظهر انه (هلالي للكشر)وتعقب القصة خون الى (دربونتهم) وهناك (كمشه من ياخته)وقال له: انت شتريد؟ غير ربع مجيدى وهذه على ما يظهر اجرته (هاك هاي نص مجيدي بس فك ابو زيد من السجن)....فتأمل

ويذهب الدكتور عبد الحميد يونس الى ان الحكاية الشعبية الطويلة ذات الحلقات المعروفة بالسيرة الشعبية متخصصين متفرغين يحترفون حفظها وتقديمها لجماهير المستمعين في الاعياد والمواسم والاسواق.واذا كان الباحثون اليوم يتصورون ان هذا الجنس الادبي قد خرج من مرحلة الرواية الشفاهية الى مرحلة التدوين فأنهم يجازون الواقع الحي الفعال الى الان

ذلك لان بعض هذه السير لايزال -كما كان منذ قرون واجيال- زاد الشعب الذي يجمع بين المعرفة التاريخية والسحر الفني ولم يتغير هذا الزاد في صورته او منهج تنقله بين الافراد والجماعات عما كان ابان تكامله.وليس من شك في ان اقبال الحماهير الشعبيةعلى هذه القصص انما يبعث عليه الحاجة الى الموازنة النفسية بين ماهو كائن وبين ماينبغي ان يكون..... بين واقع مرير مكدود وبين حلم يعتصم بالمثال الذي قدر له ان يخلص الاجسام والنفوس والارواح من ربقة الحاجة والظلم والاستعباد.

عن كتاب (بغداديات) جــ 3.