في ذكرى رحيله في 16 آذار 1945.. من خطب الرصافي في مجلس النواب

في ذكرى رحيله في 16 آذار 1945.. من خطب الرصافي في مجلس النواب

عبد الحميد الرشودي

في الاول تشرين الاول من سنة 1928 قدم الرصافي استقالته من التدريس في دار المعلمين العالية على اثر مشادة حدثت بينه وبين احد الطلاب وقد حاول مدير المعارف العام يومئذ العميد طه الهاشمي ان يثنيه عن عزمه ويعدل عن استقالته فابي مما اضطر الهاشمي الى قبولها اسفا بتاريخ 1/ تشرين الثاني 1928

وبذلك كان اخر عهده بوظائف الدولة وتحت تأثير هذه الازمة النفسية التي عصفت به عاودته ثانية فكرة الهجرة من العراق والتوجه الى الهند فيمم وجهه شطر البصرة ليستعين بصديقه عبد اللطيف المنديل عسى ان يسهل امر سفره الى الهند الا ان المنديل تلقى من عبد المحسن السعدون رسالة يطلب فيها ان يبذل مايستطيع للحيلولة دون سفر الرصافي مما اضطره الى القفول الى بغداد بعد ان سكن غضبه وثاب اليه رشده فتوجه نحو ميدان السياسة ورشح نفسه لعضوية المجلس النيابي فانتخب لعدة دورات استطعت ان أحصى اربعاً منها وهي:

1- العضوية الاولى: وكانت في الدورة الانتخابية الثالثة نائبا عن لواء العمارة (محافظة ميسان اليوم) وقد استمرت من 1/11/1930 الى 5/11/1933

2- العضوية الثانية: وكانت في الدورة الانتخابية السادسة نائبا عن لواء الدليم (محافظة الانبار اليوم) وقد استمرت من 8/8/1935 الى 29/10/1936

3- العضوية الثالثة: عن لواء الدليم (محافظة الانبار اليوم) وقد استمرت من 27/2/1937 الى 26/8/1937

4- العضوية الرابعة: وكانت عن لواء الدليم (محافظة الانبار اليوم) وقد استمرت من 23/12/1937 الى 6/مايس/1938 وبانتهاء الدورة الانتخابية الثامنة يكون قد انتهى اخر عهده بالنيابة.

لقد مثل الرصافي الأمة في المجلس النيابي خير تمثيل وكان رقيبا يقظاً وحسيباً لايعزب عنه شيء كان خلال ذلك مثال الوطني الغيور على شعبه الحريص على المصلحة العامة كما كان نموذجاً فريداً للنائب المرشد والناصح المسدد وآية ذلك ان كثيرا من خطبه في قاعة المجلس كانت تقاطع بالتصفيق والاعجاب من قبل زملائه النواب وقد افاد الرصافي كثيرا من نيابته الاولى في مجلس المبعوثان العثماني لمدة دورتين وعرف تقاليد المجلس النيابي كما افاد من تجارب نواب الدولة العثمانية من شتى اقطارها فاكتسب خبرة ومرانا كان لهما اكبر الاثر في نجاحه في المجلس النيابي العراقي ونحن اذا فاتتنا خطبه واقتراحاته التي ادلى بها في مجلس المبعوثان ولاشك انه قد خطب واقترح والا فكيف يحق له ان ينعى على نواب بغداد في مجلس المبعوثان صمتهم وجمودهم حين قال:

قد لازم الصمت عياً في مجالسه

كانما هو من نواب بغداد

وهذه مقتطفات من خطبه تفصح عن مذهبه السياسي وموقفه من القضايا العامة واللوائح القانونية التي طرحت على بساط البحث والنقاش فهو يعلن امام المجلس: باننا يجب ان نلتزم فيها السكينة وان نتكلم بترو وهدوء وان يحترم بعضنا بعضاً وان كنا بالرأي مختلفين مادمنا نهدف الى غاية واحدة هي سعادة البلاد واذا اختلفنا في الرأي فهذا ناشئ من وجهة النظر والاجتهاد ولعل من المفيد ان نقف مع القارئ بعض الوقفات القصار من خطبه.

1- قال في يوم تصديق معاهدة 30 حزيران 1930:

(الفت انظاركم الى ان اول معاهدة او بعبارة اخرى الى فكرة المعاهدة من اين نشأت كلنا يعلم ان بريطانيا دولة منتدبة من قبل عصبة الامم على العراق فهي جاءت لتعقد معاهدة مع هذه الامة الضعيفة التي هي تحت انتدابها وهذا امر غير معقول.... كان الشعب العراقي يمقت الانتداب بحيث ان جميع طبقات الشعب في الاندية والمقاهي والبيوت والاسواق كلهم يلهجون بكلمة واحدة وهي لانريد الانتداب فلما رأى القابضون على زمام السياسة في البلاد ان الرأي العام العراقي بهذه المثابة ارادوا ان يأتوا الشعب من طريق المخادعة فقالوا لهم نترك الانتداب وناتيكم بمعاهدة

2- خطبته في لائحة قانون تعديل قانون المطبوعات: (القاها في الجلسة الثانية والثلاثين والمنعقدة في 2 نيسان 1934... اما انا فاقول كما قال الشاعر: (انما الحيلة في ترك الحبل) اقول: لقد جربنا هذه الطريقة فلم ننجح فلنطلق الصحافة ولا نقيدها الا بالمحاكم... يقال ان الصحافة تشتم الناس اظن انه لايوجد واحد شتمته الصحف ازيد مني ومع ذلك فانا اشكر الصحف التي تشتمني اذا كانت لا تقصد من ذلك الا المصلحة العامة.

فهذا هو رأيي أقول على الحكومة ان تسحب هذه اللائحة وتأتي بلائحة تعديل اخرى ترفع القيود عن الصحافة

3- خطبته في الشيوعية (القاها في الجلسة الخامسة والعشرين المنعقدة صباح يوم الاثنين 7 حزيران 1937

كان حكمة سليمان رئيس الوزراء وهو يرد على نائب الموصل بشير الصقال الذي ورد في خطبته: ان الحكومة القائمة (نصيرة الفقراء) فتوجس حكمة سليمان خيفة من كلمه (الفقراء) التي ذكرها النائب المحترم بان تكون معناها الشيوعية وبصفتي رئيس الحكومة اقول ياجماعة ان هذه الحكومة بعيدة كل البعد عن الشيوعيين وهنا طلب الرصافي الكلام فقال: ان الذي افهمه من كلام فخامة رئيس الوزراء في هذه المرة وفي غيرها هو أنه يحتفظ ويحذر كل الحذر من ان يسمع او ان يتكلم بكلمة تدل على الشيوعية او يشم منها رائحة الشيوعية وافهم ايضاً ان هناك اناساً يريدون في طي الخفاء ان يضعوا تحت اقدام الحكومة مزالق من ثلوج الشيوعية ان هذا الشيء غريب الشيوعية مبدؤها معلوم ومبدؤها عالٍ سام جداً فليت شعري من هؤلاء الذين يريدون ان يقاوموا هذا المبدأ السامي ان هذا المبدأ لايقاوم الا بشيئين اما بثقافة عالية او بقوة غاشمة عظيمة جدا…..

سادتي انا شيوعي وشيوعيتي اسلامية الشيوعية التي جاء بها محمد بن عبد الله (ص) وجاء في القران (وفي اموالهم حق للسائل والمحروم) فالضمير هنا يعود الى الاغنياء فهذه كلمة حق وكل فقير له حق في مال الغني وكان صلوات الله وسلامه عليه يرسل عماله لجباية الزكاة ثم يقول: خذوها من اغنيائهم وردوها على فقرائهم فسالتكم بالله هل الشيوعية غير هذا؟

فارجو من فخامة رئيس الوزراء ان يعرفني الرجال الذين يريدون ان يقاوموا هذا المبدأ السامي بالجهل.

عن كتاب (الرصافي خطيبا) الصادر عن دار المدى