في أربعينيات القرن الماضي.. صراع دولي على نفط العراق

في أربعينيات القرن الماضي.. صراع دولي على نفط العراق

د. بشار فتحي العكيدي

ظهرت في الولايات المتحدة موجة من الدعاية القوية في أوساط الرأي العام الأمريكي وفي الفترة 1941-1942 بالتحديد عن قرب نضوب آبار النفط الأمريكية المحلية وعن زيادة اعتمادها على الواردات الأجنبية بما يهدد أمنها وتقدمها القومي والاقتصادي ورفاهية شعبها،

وكان الهدف من هذه الدعاية والذي اتضح فيما بعد هو تحقيق سيطرة أكبر للمصالح النفطية الأمريكية على نفط منطقة (الشرق الأوسط) وإضعاف نفوذ بريطانيا في المنطقة وعقد اتفاقيات نفطية بين حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تتيح للأولى احتلال المركز المسيطر على (الشرق الأوسط) ونفطه.

تضاعفت أهمية النفط في الحرب العالمية الثانية، حيث استهلك خلال الحرب مئات الملايين من الأطنان مما زاد في تلهف الدول العظمى في الحصول على امتيازات النفط وتخزين الملايين من أطنانه وضمان الكثير من موارده، فاستمرار الحرب أدى إلى نضوب الكثير من آبار النفط الأمريكية والى نقص المخزون من الذهب الأسود في أمريكا مما أدى إلى اتجاهها نحو الشرق الأوسط والى الصراع في سبيل الحصول على النفط العربي. ورغم ذلك فقد بقيت الولايات المتحدة وخلال السنوات الأولى للحرب تحترم السيطرة البريطانية على منطقة الخليج وتعتبرها القوة الأكبر في المنطقة رغم اتساع المصالح الأمريكية فيها ويعتقد أن السبب في ذلك يعود لإنشغال صانعي السياسة الأمريكية بقضية واحدة وهي كسب الحرب.

ومن خلال الاهتمام الأمريكي المتواصل بنفط المنطقة عامة قامت بإجراءات عديدة من أجل تنمية مواردها النفطية في داخل الولايات المتحدة وخارجها، ففي 27 نيسان 1941 أعلن الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت حالة طوارئ محدودة وعيّن هارولد أيكس

منسقاً ومنظماً للعمل على توحيد مختلف مظاهر الصناعة النفطية لمواجهة حالة الطوارئ التي مرت بالبلاد بسبب حالة الحرب. ومما جعل الولايات المتحدة تفكر في الاعتماد على المصادر النفطية من خارج البلاد هو تخوفها من تناقص احتياطها النفطي الداخلي، ونتيجةّ لذلك دعت الشركات النفطية الأمريكية إلى تعديل امتياز شركة نفط البصرة واستثمار نفطها بأقرب وقت، إلا أن شركة النفط الإنكليزية-الإيرانية (Anglo-Iranion Oil Company) عارضت هذا الاتجاه، لأن بريطانيا بالأساس لم تكن راغبة في تطوير المنطقة وعرض انتاجها النفطي في إيران للمنافسة.

لقد كانت الشركات المساهمة في شركة نفط العراق متفقة على تأجيل استثمار النفط العراقي حتى الحرب العالمية الثانية، لأنها كانت تمتلك مصادر خاصة بها في أنحاء أخرى من العالم.

إن ظروف الحرب وفقدان الولايات المتحدة لملايين الأطنان من النفط جعلها تفكر في الاستفادة من المصادر الخارجية، فقد كانت راغبة في استثمار حقول شركة نفط البصرة للتعويض عما فقدته خلال فترة الحرب، إلا أن بريطانيا كانت غير راغبة في تطوير المنطقة -كما ذكرنا سابقاً – الأمر الذي أدى إلى خلق حالة من المنافسة بين الشركات الأمريكية والبريطانية في العراق وبالتحديد في شركة نفط العراق.

لقد ارتبطت المصالح النفطية الأمريكية في العراق بشركة نفط العراق فقط، فكان أي عامل سلبي على الشركة يهدد مصالح أمريكا، لذلك كان مركز أمريكا قلقاً في العراق، فعندما نشبت الحرب العالمية الثانية وظهرت الأزمة العراقية البريطانية وأحداث مايس إزداد شعور العداء ضد شركات النفط بزيادة شعور العداء ضد بريطانيا، مما زاد من مخاوف الجماعات الأمريكية المساهمة في الشركة من احتمال إلغاء الحكومة العراقية لامتياز شركة نفط البصرة بعد انتهاء الوقت المحدد لها بالشروع بالحفر في 21 تشرين الثاني 1941.

لذلك وفي 12 شباط 1943 طالبت الوزارة الخارجية الأمريكية من وزيرها المفوض في بغداد توماس ويلسون (T. Welson) أن يقدم مذكرة للحكومة العراقية يبين فيها أن الحكومة الأمريكية تعتبر استلامها لقسط الايجار المطلق لعام 1942 ومطالبتها بقسط المستحق لعام 1943 يتعارض مع ادعائها بطلان الامتياز وانها تأمل أن تتسلم تأكيداً من الحكومة العراقية بان استلامها لمبلغ الايجار المطلق قبل نهاية آذار 1943 بمثابة اعتراف باستمرار نفاذ الامتياز.

لقد نصت المادة 40 من الامتياز على أن كل اهمال أو عجز يبدر من الشركة عن تنفيذ أو انجاز شيء من أحكام الاتفاقية لا يجوز اعتباره خرقاً للاتفاقية إن كان ذلك ناجماً عن قوة قاهرة، ونصت المادة 41 على أن كل خلاف في تفسير الاتفاقية يعجز الفريقان عن تسويته بطريقة أخرى يحال إلى حكمين اثنين يختار كل فريق واحد منهما وعلى وازع يختاره الحكمان قبل الشروع في التحكيم، وبناءً على ذلك أبلغت الحكومة العراقية شركة نفط البصرة في 27 كانون الأول 1941 بأنها قررت حل الخلاف عن طريق التحكيم والا فانها ستعتبر اتفاقية الامتياز ملغاة، وسارت قدماً في ذلك حين عيّنت في 26 كانون الثاني 1943 وزير خارجيتها عبد الآله حافظ حكماً عنها فيما عيّنت الشركة سكليروس مدير إدارة شركة نفط العراق حكماً عنها والذي وصل بغداد في 19 كانون الثاني 1943. وكانت المجموعة الأمريكية (شركة استثمار الشرق الأدنى) المساهمة في شركة نفط العراق والمالكة لشركة نفط البصرة على اتصال بحكومتها حول الموضوع وتطلعها على تطورات الموقف أولاً بأول، وبناءً على تلك المعلومات اعتقدت الحكومة الأمريكية خطأً ان رغبة نوري السعيد (رئيس الوزراء العراقي آنذاك) من وراء التحكيم هي فسخ الامتياز فوجدت الفرصة أمامها سانحة لانتزاع الامتياز وتمتين علاقتها بالعراق، حيث قامت الولايات المتحدة بالضغط على نوري السعيد واغرائه بوساطة وزيرها المفوض في بغداد ويلسون بهدف تشجيعه على الغاء الامتياز ومنحه للشركات الأمريكية. إلا أن دوافع نوري السعيد من وراء هذه العملية هو للضغط على الشركة للحصول على قرض إضافي لضمان مصالح بريطانيا لا سيما وأن مصلحته ومصلحة بريطانيا كانت شيئاً واحداً، وحين قابله ويلسون في 17 شباط 1943 تظاهر بأنه لا يؤيد تطوير المنطقة وأبلغه أيضاً أنه دائماً يعتبر منطقة البصرة احتياطياً وطنياً للنفط.

من خلال المباحثات التي جرت بين نوري السعيد وويلسون، عبر نوري السعيد ووزير خارجيته عبد الآله حافظ عن أسفهما لتدخل حكومته في مسألة تخص العراق والشركة، أما سكليروس فكان يرى أنه الممثل الوحيد للشركة وأن المصالح الأمريكية لا تشكل سوى أقلية في مجلس الإدارة، فحفز التدخل الأمريكي كلاً من نوري السعيد وسكليروس على الاسراع في التفاهم حول التمديدات التي طلبتها شركتا نفط البصرة والموصل، وفي 22 آذار 1943 وقعتا بالأحرف الأولى اتفاقيتين أرسلتا إلى مجلس إدارة الشركة لاختيار أحدهما.

اختار مجلس إدارة الشركة الاتفاقية الثانية والتي تتعلق بشركتي نفط البصرة والموصل معاً والذي ينص على منح الحكومة العراقية تأجيلاً غير محدداً لتعهداتها الخاصة بالحفر وتصدير النفط يبدأ من الثاني من آيار 1941 وينتهي بعد عامين من توقيع الهدنة مع ألمانيا أو إيطاليا أو اليابان أيهما تكون الأخيرة مقابل قرض مقداره مليون ونصف المليون باون يدفع في الأول من حزيران عام 1943.

فيما بعد عرضت الاتفاقية للمناقشة في مجلس النواب في العاشر من نيسان 1943 بعد أن اختارها مجلس الشركة في 25 آذار منه، فانتقدت المعارضة قبول الحكومة على المبلغ الزهيد مقابل تأجيل استثمار النفط لأجل غير محدود لا سيما وأن هذا المبلغ لا يساوي شيئاً في ضوء التضخم النقدي السائد، وأشاروا إلى أن الغبن الذي سيلحق بالعراق من جرائها كبير جداً، ومع ذلك فقد وافق المجلس عليها بالأكثرية.

أما الصورة الثانية من صور الصراع النفطي البريطاني الأمريكي خلال سني الحرب فقد ظهر عندما تبلغت وزارة الخارجية الأمريكية بوجود أعمال تخريب من قبل موظفين بريطانيين في العراق لعرقلة أعمال شركة النفط العراقية (I.P.C.) (والتي كانت لبريطانيا كما لفرنسا وأمريكا وهولندا 23.5% من أسهم الشركة) حيث كانت هذه الأعمال التخريبية لغرض إفادة وتطوير أعمال شركة النفط الإنكليزية-الإيرانية والتي تمتلكها بريطانيا لوحدها، حيث أرسلت وزارة الخارجية الأمريكية تقريراً إلى الوزير المفوض الأمريكي في بغداد في 18 كانون الثاني 1943 فحواه أن وزارة الخارجية الأمريكية علمت من مصادرها أن السبب وراء تدمير النفط والتجهيزات العائدة لشركة النفط العراقية في منطقة الموصل هو شركة النفط الإنكليزية-الإيرانية، حيث أكدت هذه المصادر على أن هذا العمل التخريبي قد دبّر من قبل الجيش البريطاني معللاً سبب ذلك أن هناك قضايا عسكرية وأمنية تستلزم تدميرها، حيث أنها قد دبرت لغرض القضاء على التنافس التجاري. كما أن المصادر تؤكد أن 10-12 ألف طن من المعدات وأدوات الحفر العائدة لشركة نفط العراق والتي سيطر عليها الجيش البريطاني قد شحنت من البصرة إلى جهة غير معلومة وتستعمل الآن من قبل شركة النفط الإنكليزية-الإيرانية وسوف لن تعاد إلى شركة نفط العراق. ويتضح من هذا التقرير ان بريطانيا أرادت إبعاد خطر المنافسة الأمريكية من خلال القضاء على ممتلكات شركة نفط العراق والتي لأمريكا فيها نسبة 23,5% والسيطرة على هذه المنابع عن طريق شركة النفط الإنكليزية–الإيرانية.

إلا أن الظروف اللاحقة والتطورات الدولية التي حدثت في العالم بسبب الحرب وتزعزع مركز بريطانيا والشعور المعادي لها في العراق قد دفع الحكومة العراقية إلى تغيير سياستها والتقرب من الولايات المتحدة،

عن رسالة: صراع النفوذ البريطاني – الأمريكي في العراق 1939 – 1958