شيخ القرّاء... مصطفى إسماعيل

شيخ القرّاء... مصطفى إسماعيل

حسن الحلوجي

صوته كملامح وجهه, به نفحة قرآنية تعلوها سكينة الأبرار وطمأنينتهم.

وحين يتلو كتاب الله تنبعث من حنجرته نسمات معطرة تهذب القلوب وتصفّيها من شوائب الدنيا وأعباء الزمان.

ذلك هو الهدي القرآني الذي جعل في صوت الشيخ مصطفى إسماعيل, حضورًا روحيًا, به شفاء القرآن, لقد وهبه الله القدرة على استحضار حجة القرآن في صوته, وبثها في الأفئدة, ليستشعر المستمعون جلال المعنى القرآني في حضرةِ تلاوته.

في قراءة حياته, نستمد الحبور في رحاب هدى الله لأحبابه, وحافظي كتابه العزيز, فالشيخ مصطفى إسماعيل, وُلد في السابع عشر من يونيو عام 1905 بمحافظة الغربية بمصر, وبالتحديد في قرية ميت غزال, التي تبعد عن مدينة طنطا - موطن المسجد الأحمدي - ثمانية كيلومترات, وكعادة أهل الريف, كان كُتّاب القرية, هو المؤهل الأول لشخصية الطفل مصطفى إسماعيل, والمهذب لسلوكه, والمعلم له قبل التعليم النظامي. وكان لجده دور محوري في حياته الأولى بالتوازي مع دور كُتّاب القرية, إذ دأب الجد على أن يعلم حفيده (مصطفى) القرآن وهو في السادسة من عمره, فهو أول أحفاده, وبالتالي كانت له مكانة خاصة في قلب جده, الذي انشغل بتربية حسّه القرآني والروحي, مما أثر في حياته كثيرًا بعد ذلك, أما الكُتّاب, فكان به شيخان جليلان هما: الشيخ عبدالرحمن أبو العينين, والشيخ محمد أبو حشيش, اللذان تعلم الطفل على أيديهما - بعد القرآن - علمي الحديث والتجويد, مما هيأه بعد ذلك لصقل موهبة التلاوة أثناء الدراسة المنتظمة. وعندما اصطحبه جده إلى مدينة طنطا, ودخل مسجد زاوية عطيف, وهو في السادسة عشرة جاء موعد الأذان, فأذن شيخنا, وقرأ شيئًا من القرآن, فأحسّ الناس في قراءته اختلافًا حسنًا. لقد كانت أذواق الناس هي أول مكتشف له, فاقترح أحدهم على جده على أن يلحقه بالمعهد الأحمدي.

طالب الأحمدي

ويقول الشيخ مصطفى إسماعيل في حوار معه, إنه كان كبيرًا في السن وقتها, الأمر الذي اضطره لدخول اختبار يؤهله لأن يلتحق بالمعهد الأحمدي. ونجح شيخنا بالفعل, وأصبح طالبًا منتظمًا فيه عام 1917, ومنه حصل على شهادة الإجازة, ثم الشهادة العالمية من الأزهر الشريف, واستقرّ بطنطا بعد ذلك قبل انتقاله للقاهرة.

كان شيخنا يأنس لوجود الشيخ محمد رفعت في طنطا, فكان يذهب إليه مستمعًا ومستفيدًا, وقد أعجب الشيخ رفعت بصوته, وقال له: (ربنا يبارك لك وسيبارك بك أمة الإسلام), وشاء الله ذلك بإذنه. إنها محطات إيمانية بالغة السمو في حياة شيخنا, أكّدت صدق موهبته في تلاوة كتاب الله. ويوم أن سُمع في الإذاعة قارئًا للقرآن في إحدى احتفالات المولد النبوي, التي نقلتها الإذاعة كانت فرصة لانتشار صيته, كذلك حين قرأ القرآن في مناسبة تأبين الزعيم سعد زغلول عندما توفي عام 1927.

كان الشيخ مصطفى إسماعيل جَوّادًا في قراءته, ينفعل بالآية الكريمة, انفعال المتّقين, فيبث لنا مما هداه الله فيضًا من المشاعر الإيمانية, التي تدل المستمع لإدراك فحوى الآية الكريمة, كي يترك للذهن تركيزه في استحضار الخشوع الناتج عن حسن التلاوة, وبديع البلاغة القرآنية, فيزداد التدبّر والتأمّل, واستحضار الحالة, التي كان شيخنا يقترب فيها من الأداء التمثيلي في تعبير صادق يناسب الصدق القرآني, فهو يعبر بكل ما أوتي من نبرات صوتية موصولة ومقطعة تثبت تمكنه من حِسٍّ به شخصية كاملة النضج فيها يتجاوز في الأداء حدود التعبير إلى آفاق أخرى أكثر جمالاً وروحانية, وكأنه رسول المعنى القرآني, يجعل المستمع يذوب عشقًا في كتاب الله, فينطلق صوت المستمع قائلاً (الله) ولهًا, متدبرًا, خاشعًا.

ويعلق الشيخ مصطفى إسماعيل على ذلك, بأنه كان يطلب من مستمعيه الإنصات للتلاوة, ولم يكن يقدر أن يمنعهم عندما يعبرون بشكل لاإرادي عن الإعجاب بحلاوة الصوت, إنه يثبت أن القارئ الجيد هو الذي يكشف الغطاء عمّا تحويه معاني القرآن من بلاغة وجمال, فقد كان يحول بصوته الحروف إلى أشكال وصور ومعان, وأحداث حية تدفع المستمع لأخذ الأجرين, أجر الفهم, وأجر التدبّر, فيبكي تارة من خشية الله, ويفرح تارة أخرى برحمة الله, أو يبتهج بنعيمه أو يجزع خوفًا من عذابه.

أبواب السماء

في قصة طوفان نوح - عليه السلام - يقول الله تعالى: فدعا ربّه أنى مغلوب فانتصر * ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر.

وبشأن هاتين الآيتين الكريمتين, فإن الكثير من الباحثين والدارسين توقفوا متأملين ومحللين لهما كنموذج لحسن القراءة والتعبير بحسّ عبقري, وتنويع في الأداء, ففي إحدى تسجيلاته, قرأ هاتين الآيتين خمس مرات, دون أن تتشابه إحداهما مع الأخرى في الطريقة, يتلو بنَفس منظم, وإيقاع سليم في تتابع الهمزات, ففتحنا أبواب السما (سكتة خفيفة), بما (سكتة خفيفة), منهمر. وكأنه يقرأها عروضيًا, وهو مدرك لكل ذلك, يتلوه بفن واستمتاع, فحين يذكر فتح أبواب السماء, يصعد بألف كلمة (السماء) إلى عنان السماء في فضاء ملكوت الله الواسع, ورحابة رحمته الأوسع, وكذلك يصعد بألف كلمة (بماء) تعبيرًا عن غزارة الماء واستمراره, ثم التوقف عند منهمر. وبشأن قفلة الآية الكريمة, ذكر الموسيقار عمار الشريعي في تحليله لهذه الآية, أن شيخنا كان خلاَّقًا في فن القفلة, مبدعًا, يظل يقرأ حتى يصل للمقام المناسب, ويظل في نفس درجة المقام الموسيقي منذ البداية حتى الختام.

لقد كان الشيخ مصطفى إسماعيل, قادرًا أيضًا على التنقّل بين المقامات الموسيقية المختلفة أثناء التلاوة, يقرأ بحسّ موسيقي عال. ويكمل عمار الشريعي معلقًا على الآية الكريمة نفسها: إنه يمكن ربطها موسيقيًا بمقام الصبا, وهو مقام يدل على الحرقة والشجن. وحقيقة أن هذا الشجن بدا في الآية الكريمة, كثيرًا, فسيدنا نوح - عليه السلام - يدعو ربّه أنه مغلوب, يطلب رحمة الله ونصره, عندما عصاه قومه, وظل يدعوهم 950 عامًا, دون استجابة منهم, فما كان منه إلا أن دعا ربّه دعوة المظلوم, وكانت الإجابة هي نصرالله, وفيضان الطوفان, الذي أغرق الضالين, ونجا نوح - عليه السلام - ومَن معه من المؤمنين في سفينته.

كان الشيخ مصطفى إسماعيل قارئًا للملوك, يطلبونه بالاسم, فقد كان الملك فاروق يحب الاستماع إليه, ويدعوه ليقرأ القرآن في القصر الملكي, كما أن شيخنا طاف معظم دول العالم, كإفريقيا وتركيا, وطاف معظم الدول العربية سفيرًا لكتاب الله, ورافق الرئيس السادات في زيارته إلى القدس الشريف, وصلى به إمامًا بالمسجد الأقصى, وقرأ القرآن هناك. نال الشيخ مصطفى إسماعيل وسام عيد العلم عام 1965 من الرئيس جمال عبدالناصر, كما نال نوط الامتياز من الرئيس حسني مبارك, وتوفى في الثالث والعشرين من ديسمبر 1978, لبى شيخنا نداء ربه محفوفًا بالرحمات - بإذن الله - إلى دار الآخرة. مائة عام مرت على مولده تدعونا إلى ألا ننسى مَن كرّموا بحفظ القرآن, وأخلصوا له تلاوة وعملاً, فجعل الله لهم القرآن دليلاً, ومنهج حياة, وحجة لهم - بإذنه تعالى - يوم الدين.