جدي الشيخ مصطفى إسماعيل

جدي الشيخ مصطفى إسماعيل

علاء حسني طاهر

فقدت الأب حقا عندما فقدت جدي الذي رباني وتكفل بي وبأخي وأختي في كل شيء, سواء المسكن أو الملبس بالرغم من أن أبي ترك لنا ثروة ومعاشا ضخما حيث كان أبي ضابطا كبيرا في الجيش المصري ومن أسرة عريقة, إلا أن جدي ادخر لنا كل شيء, سواء عقارات أو أموال حتى نكبر.

أشعرنا بأننا أهم شيء في حياته بالرغم من اهتمامه الشديد بأولاده الستة, فتعلم الذكور الثلاثة في أوربا, أما البنات الثلاث فدرسن في الكلية الأمريكية بطنطا ثم بالقاهرة بعد ذلك. وكذلك كان مسئولا عن إخوته الثمانية وأولادهم وكل عائلته.

عندما كنت طفلا صغيرا وكنت أنظر من نافذة السيارة وأرى الناس في الطرقات وفي السيارات المجاورة ينظرون إلى جدي بحب, وكان يرد لهم التحية, كنت أشعر بسعادة وأتساءل لماذا يحدث هذا?

وذات يوم وأنا ألعب في حديقة المنزل الريفي بقرية ميت غزال, خرجت أمي من البيت وقالت: (تعالَ يا علاء اسمع بابا جدو في الراديو), وكنت لم أره منذ أسبوع لانشغاله. وكنا كثيرا ما نمضي الإجازة في الريف, فتركت اللعب وهرعت إلى الصالون حيث يوجد الراديو وارتميت على الأرض استمع وأنظر من النافذة الى السماء الصافية وإلى السحاب وهو يمر خلف زعانف النخل الباسقات في الحديقة, وحتى الآن لم أنس هذه اللحظة من حياتي ولا الآيات التي كان يتلوها بالرغم من أن عمري كان خمس سنوات.

وعندما بلغت السابعة من عمري, كان يصطحبني معه في الإجازة الصيفية إلى كل المناسبات التي يقرأ فيها, وكنت أنبهر من استقبال الناس له وخصوصا في الريف المصري, فقد كانت السيارة تشق طريقها من بين مئات الناس المنتظرين وصوله, وعندما ينزل من السيارة كان يطبق صمت جليل ذو مهابة وانبهار. وكان يقف كل الجالسين في السرادق لاستقباله في صمت وإعجاب. وبالرغم من أنه في كل مرة كانت تنتهي بي الليلة نائما في السيارة فإني كنت أشاهد على الأقل نصف الساعة الأولى ثم يحملني السائق إلى السيارة ويغلقها علي.

وفي العشرين من عمري بدأت دراسة الفقه والشريعة على يد الشيخ العلامة (إسماعيل صادق العدوي) وكان إمام الجامع الأزهر في التسعينيات من القرن العشرين, فعلمنا مكارم الأخلاق وكيف يصبح المرء متفقها في دينه ملتزما به ويكون الرسول له أسوة.

كان جدي قد مات ولكنني أيقنت مما تعلمته أنه كان ملتزما بدينه مسلما مؤمنا يتمتع بمكارم الأخلاق حقا وصدقا, فلم يكذب أبدا أو يغتاب أحدا أبدا, وبالرغم من الموهبة الفذة التي وهبها الله له فلم يتكبر ويفرح بصوته أو بشهرته, بل كان دائما يخاف من السلب بعد العطاء. فلم يحدث أن أبدى رأيه أو قام بتحليل أي صوت من الأصوات المعاصرة له مخافة الإعجاب بنفسه أو أن يغضب الله عليه.

كأنه كان مسخرا لتلاوة القران للناس فقط. فقد كان مبدعا حقا بمعنى الكلمة, فبالرغم من تلاوته لأكثر من 60 عامًا, فهل تصدقون أنه لا يوجد تسجيل واحد يشابه أو يماثل أي تسجيل آخر حتى ولو كان من نفس الآيات.

وبالرغم من أن ما سجل له بصوته يعتبر حسب تقديري من أغزر ما جمع لأي صوت آخر في هذه الدنيا, إلا أنه لا يمثل أكثر من خمسة في المائة من تلاواته في حياته التي امتدت إلى أكثر من 70 سنة والتي قدرت ما بين 40 و50 ألف ساعة, ومع الأسف ما تم تسجيله جمع في ما يقرب من 2000 ساعة فقط. تتراوح مدة كل تسجيل بين 45 و140 دقيقة والغالبية منها في حدود 90 دقيقة. أول تسجيل سجله له حسن بك حلمي من الخاصة الملكية كان سنة 1945 وكان عمره 45 عاما. فياللخسارة الفادحة لما فاتنا من إبداعات كانت ستعرفنا أكثر بخبايا هذه المعجزة القرآنية.

ولا بد أن ألمح هنا إلى أن الإذاعة المصرية ممثلة في البرنامج العام وكذلك التلفزيون المصري لديهما في أرشيفهما كنز رائع لجدي الشيخ مصطفى إسماعيل لم ير النور حتى الآن. ففي الإذاعة ما يقرب من 700 تسجيل خارجي من المساجد ومن قصر الملك فاروق الأول مدة كل منها 45 دقيقة على مدار 33 عاما وكذلك تلاوات تلفزيونية من سنة 1960 وحتى وفاته 1978.

ومن جهتي أرجو وأطالب المسئولين عن هذا التراث أن يخرجوه إلى النور لكي تظهر لنا إبداعات وإمكانات جديدة للشيخ مصطفى إسماعيل لم نعرفها من قبل. فقد وهبه الله حنجرة ذات مساحة وحجم كبيرين, فقال عنه المؤرخ والناقد الموسيقي الراحل (كمال النجمي) في كتابه عن الشيخ: (إن صوته درب على القراءة الطويلة... وكلما ازدادت ساعات التلاوة ازداد صوته قوة وحلاوة... ومقدرة وتمكنا وارتيادًا لآفاق المقامات حتى جوابات الجوابات من الديوان الثاني في السلم الموسيقي الحنجري والتي لم يصل إليها صوت إلا صوته ولا يحكمها أداء على الإطلاق إلا أداؤه. فقد استطاع أن يمزج بين الأحكام والتفسير وعلم القراءات والموسيقى الصوتية والحنجرية مزيجا ارتجاليًا مبدعًا خلاقا جعل كل مستمعيه لا يستطيعون الإحاطة بموهبته وإبداعاته).

وقال عنه الموسيقار (محمد عبدالوهاب): (إن الشيخ مصطفى إسماعيل يفاجئنا دائما بمسارات موسيقية وقفلات غير متوقعة, وهو كبير جدا في موهبته وكبير في إدارة صوته, وله جرأة في الارتجال الموسيقي والصعود بصوته إلى جواب الجواب بشكل لم نعرفه في أي صوت حتى الآن).

هذا هو جدي الذي أدين له بحبي للقرآن وحفظه وكذلك تلاوته على الناس معتمدًا على مدرسته في التلاوة. وأدين له بكل الأخلاق الكريمة التي غرسها في ذريته عن طريق المثل الأعلى وليس عن طريق الحذلقة والنفاق. فقد كان مسلمًا حقًا.

مجلة العربي