الشيخ مصطفى إسماعيل وكمال النجمي

الشيخ مصطفى إسماعيل وكمال النجمي

يوسف القعيد

هذا كتاب لا أعود إليه لمجرد أننا فى شهر رمضان الكريم. وكل عام ونحن بخير. ولكنه كتاب أتردد عليه كثيراً. إنه كتاب كمال النجمى الذى زاملته فى دار الهلال ناقداً فنياً نزيهاً ورئيساً لتحرير مجلة الهلال، وهو من أهم من كتبوا عن أصوات من رتلوا القرآن الكريم. توقف طويلاً أمام الشيخ مصطفى إسماعيل، وأفرد له كتاباً، نشرته دار الهلال.

ولو أن ورثة كمال النجمى جمعوا مقالاته المتفرقة بين مجلات: المصور، والكواكب، والهلال وغيرها من الصحف المصرية. لوجدوا دراسات كثيرة عن أصوات أخرى رتلت القرآن الكريم وأوصلته إلى وجدان كل من يستمع إليه. حتى لو لم يكن مسلماً.

وكمال النجمى من باب التأصيل يبدأ عندما يتوقف أمام موقف الإسلام من ترتيل القرآن الكريم. بل والتغنى به، والعبارة ليست لكمال النجمي. ولكنها وردت فى حديث للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. قال صلى الله عليه وسلم: "من لم يتغن به ـ أى بالقرآن ـ فليس منا". وسمع عليه السلام صوت سالم مولى أبى حذيفة يتغنى بالقرآن: فقال: "الحمد لله الذى جعل فى أمتى مثل هذا".

أما عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ فإنه لما سمع أبا موسى الأشعرى يتغنى بالقرآن، قال لمن حوله: من استطاع أن يتغنى بالقرآن غناء أبى موسى فليفعل. وقال عليه السلام: "لم يأذن الله بشيء ما أذن لنبى يتغنى بالقرآن".

وعن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله قال له: لو رأيتنى وأنا أستمع لقراءتك البارحة. فقال: أما والله لو أعلم أنك تستمع قراءتى لحبَّرتها لك تحبيراً. أى لحسنتها بصوتى أعظم تحسين.

وعن جبير بن مطعم، قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقرأ فى المغرب بالطور فما سمعت أحداً أحسن صوتاً أو قراءة منه. فلما سمعته قرأ: "أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون" خلت أن فؤادى قد انصدع وكاد قلبى يطير!. هذا كلام إسلامى عن ترتيل القرآن الكريم. طبعاً هناك ردود عليه خاصة من أحمد بن حنبل. وموقفه المعروف من هذه القضية. لكنى أنتقل منه إلى حكاية كمال النجمى مع الشيخ مصطفى إسماعيل. يكتب:

- وقد عشت زمناً لا أعرف الشيخ مصطفى إسماعيل إلا صوتاً يتغنى بالقرآن. حتى كتبت ذات يوم سنة 1966 مقالة فى إحدى الصحف عن صوته وفنه. فإذا به يخاطبنى بالهاتف مبدياً شكره فى حياء ورقة بالغة. ولم ألتق به بعد هذا اللقاء بالهاتف إلا فى أواسط السبعينيات. وكنت وقتها رئيساً لتحرير إحدى المجلات. ففوجئت بالشيخ مصطفى إسماعيل يزورنى فى مكتبى على غير ميعاد. سرتنى الزيارة المفاجئة وخضنا فى شئون الحديث، وتأملته، فإذا هو فى غضون وجهه أكبر سناً مما تدل عليه شهادة ميلاده. وعلمت منه أنه ينفذ بأمر الأطباء نظاماً قاسياً للغذاء، وسائر شئون الحياة بعد أن أصيب بضغط الدم.

كان الشيخ يعيش بأعصاب عارية متأثراً أشد التأثر من كل شيء، ولم يسلم قط من التدابير السيئة التى يحيكها بعض حاسديه. لكن فى أيام الشيخ مصطفى إسماعيل أوشك أن يقف وحده وخلا مكان التلاوة ـ صوتاً وأداء إلا منه ـ وتعثر فن التلاوة فى مجموعة معروفة محدودة من الأصوات المتواضعة والفن الأكثر تواضعاً.

ومن أسرة "مصطفى إسماعيل" المهندس عاطف مصطفى إسماعيل، وهو الابن الأكبر للشيخ مصطفي، ويعيش فى ألمانيا منذ عام 1953 وهو الآن ـ وقت صدور الكتاب 1992 ـ من رجال الأعمال هناك. ينقل كمال النجمى عن الشيخ مصطفى إسماعيل ـ ولدت فى ميت غزال مركز السنطة ـ مديرية الغربية ـ يوم 17 يونيو سنة 1905 من أبوين مسلمين. والدى يدعى محمد المرسى إسماعيل، ووالدتى اسمها ستيتة حسنين إسماعيل، وجدى لوالدى اسمه المرسى إبراهيم إسماعيل، وجدى لوالدتى اسمه السيد إسماعيل، وجد والدى من أمها اسمه السيد حسن الفقى من قرية دفرة، مركز طنطا، مديرية الغربية.

كنت أنا بكرى والدى، وبعدى أخت اسمها زكية، وأخ اسمه عبد السلام، وأخت اسمها أمينة، ثم أخ اسمه محمد، ثم أخت اسمها فاطمة ثم أخت اسمها ست العيلة، وأخت اسمها سرية، وأخ اسمه عبد العزيز.

يكتب كمال النجمي:

- فى العصر الحديث بلغت تلاوة القرآن الكريم بألحانها أوجها، وبرز فيها أعلام كبار، وبخاصة فى مصر، التى كانت دائماً موئل قراء القرآن فى جميع العصور، وظهر فيها أعظم القراء وأكثرهم شهرة فى العصر الحديث. ولا سيما بعد انتشار الإذاعات ونقلها أصوات هؤلاء القراء إلى كل الأمصار، ثم جاءت أشرطة الكاسيت فسجل عليها القراء تلاوتها بالألحان ومن دون الألحان. وكانوا قبل اختراع هذه الأشرطة يحجمون عن تسجيل تلاواتهم على الاسطوانات. مما أضاع على المستمعين كنزاً عظيماً من القراءات لأصوات كبار قراء الجيل. أمثال الشيخ أحمد ندا والشيخ محمود المناخلى، والشيخ إسماعيل سكر والشيخ على محمود. وقبل عصر الإذاعة وعصر الكاسيت ارتفع صوت الشيخ مصطفى إسماعيل بآيات الكتاب وازداد ارتفاعاً عندما أقبل هذا العصر وعرف المستمعون فى هذا الصوت أعظم صوت للكتاب المبين منذ نقلت الإذاعة المصرية صوته إلى المستمعين فى الأربعينيات، إلى أن توفاه الله تعالى إلى رحمته فى أواخر السبعينيات.

والشيخ مصطفى إسماعيل من قرية ميت غزال بمحافظة الغربية، وكانت رحلته الأولى إلى طنطا ثم رحلته الثانية عندما انتقل من طنطا إلى القاهرة عاصمة البلاد. وعاش فى حى المغربلين بجوار الأزهر. وعندما كان الشيخ مصطفى إسماعيل مقرئاً ناشئاً فى أوائل الثلاثينيات كان الشيخ رفعت أعظم قراء القرآن فى مصر والعالم الإسلامي. وأول لقاء بينهما كان فى مأتم السيد القصبى بطنطا، ونال الشيخ مصطفى إسماعيل إعجاب الشيخ رفعت فشجعه كثيراً وربت على كتفه وبشره بمستقبل عظيم.

فى الكتاب مقدمة كتبها محمد عاطف مصطفى إسماعيل، نجل الشيخ. يكتب: عشت فى أوروبا منذ 1953 حتى اليوم، وانقطعت عن زيارة مصر من أواخر الخمسينيات إلى أواخر 1973، ولم أستمع إلى صوت والدى على مدى عشرين عاماً. ثم يحكى قصة عثوره على تسجيلات والده.

عن صحيفة الاهرام