مصطفى إسماعيل.. قارئ الملوك والرؤساء ومعشوق البسطاء

مصطفى إسماعيل.. قارئ الملوك والرؤساء ومعشوق البسطاء

يعد القارئ الشيخ مصطفى إسماعيل أحد النجوم المتلألئة في سماء التلاوة، فهو صاحب مدرسة فريدة لم يسبقه إليها غيرها وربما لم تتكرر بعد وفاته في عام 1978. كما يعتبر من الرعيل الأول لقراء إذاعة "القرآن الكريم" المصرية، ولقبه بعض معجبيه بـ"رئيس جمهورية التلاوة" وذلك لموهبته الفذة وعذوبة صوته في التلاوة مع إجادته لاستخدام القراءات المختلفة والمقامات الموسيقية بشكل صنع لع قاعدة جماهيرية عريضة مستمرة إلى الآن.

نشأته

ولد الشيخ مصطفى محمد المرسي إسماعيل في 17 يونيو (حزيران) 1905، في قرية ميت غزال بمركز السنطة في محافظة الغربية، شمال مصر. وتمكن من حفظ القرآن الكريم كاملا وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره في كُتاب القرية، ثم التحق بالمعهد الأحمدي بمدينة طنطا لدراسة القراءات المختلفة وأحكام التلاوة.

امتلك الشيخ مصطفى إسماعيل موهبة فذة جعلته ينطلق بقوة إلى عالم الشهرة، من قريته الصغيرة وعمره 16 عاما فقط، فحينما أتم تجويد القرآن كاملا وتلاوات بالقراءات العشر على الشيخ إدريس فاخر انتقل إلى مدينة طنطا لإحياء المناسبات الدينية.

وفي عام 1922. علم الشيخ مصطفى إسماعيل بوفاة صديق له يدعى القصبي بك، أحد أعيان مدينة طنطا، فذهب لإحياء عزائه حيث كان سيحييه القارئ الشيخ محمد رفعت، وكان من بين الحضور أفراد من الأسرة المالكة في ذلك الوقت وعدد من أعيان الإسكندرية وبورسعيد ومن كافة أرجاء القطر المصري.

وجلس مصطفى إلى جانب الشيخ رفعت ولم يكن الأخير يعرفه، وبعد انتهاء الشيخ رفعت من قراءته ترك مكانه للشاب الصغير ليقرأ فانبهر الشيخ رفعت به وبصوته وأعجب بأدائه، فأرسل إليه أن يكمل القراءة فظل الشيخ مصطفى إسماعيل يقرأ لمدة تزيد على ساعة ونصف، فأقبل عليه الشيخ رفعت وهنأه.

في البداية استغرب البعض صغر سن الشيخ مصطفى آنذاك بعدما صعد إلى كرسي المقرئ، لكن أداؤه الفريد وموهبته وتمكنه من التلاوة أبهرت الحضور وكبار المشايخ في السرادق، لتتشكل نواة جمهوره من المعجبين الذي امتد في أرجاء الوطن العربي والإسلامي وليس في مصر فحسب.

كانت شهرة الشيخ مصطفى قد ذاعت في محافظة الغربية، فنصحه أحد المقربين بالسفر إلى القاهرة، وقد فعل، حينما وصل إلى القاهرة، استمع إليه أحد المشايخ الكبار واستحسن قراءته وعذوبة صوته وقدمه في اليوم التالي ليحل محل القارئ الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي الذي تغيب لظرف طارئ، وحينها أثار الشيخ مصطفى إسماعيل إعجاب الحضور.

قارئ الملوك والرؤساء

يلقب الشيخ مصطفى إسماعيل بلقب "قارئ الملوك" وذلك لأن الملك فارق حينما سمعه أعجب بصوته وأمر بتعيينه قارئا للقصر الملكي رغم عدم اعتماده بعد بالإذاعة، كما كان القارئ المفضل للرئيس أنور السادات الذي كان يعشق صوته كثيرا حتى إنه كان يقلد طريقته في التلاوة خلال فترة سجنه، واختاره الرئيس المصري الأسبق ليكون ضمن الوفد المرافق له في زيارته الشهيرة إلى القدس.

لكن عشق الشيخ مصطفى إسماعيل لم يتوقف عند الملوك والأعيان، وإنما امتد وساد بين البسطاء من الشعب المصري، حيث كان يحيي الكثير من المناسبات في المساجد التاريخية في القاهرة والإسكندرية مثل مسجد الحسين والسيدة زينب والجامع الأزهر ومسجد السلطان أبو العلا، ومسجد المرسي أبو العباس، وأيضا قرأ بمساجد في مناطق شعبية مثل باب الشعرية وبولاق، وكذا بالكثير من محافظات الدلتا والصعيد.

قالوا عنه

تميز الشيخ مصطفى إسماعيل بقدرته العالية على الانتقال بين آيات القرآن الكريم في مقامات موسيقية تتناسب مع معنى الآية، كما تفرد بتكرار الآية الواحدة لمرات ومرات لكن في كل مرة بمقام وقراءة مختلفة تضيف للمستمع بُعدا جديدا وروحانيا ربما لم يستشعره من قبل.

ويقول الشيخ عبد الحكيم عبد اللطيف، شيخ عموم المقارئ المصرية، في سهرة لإذاعة "القرآن الكريم" عن الشيخ مصطفى إسماعيل "هو قارئ متقن ويلاحظ معاني الآيات، بمعنى إذا كانت الآية فيها إنذار من الله سبحانه وتعالى أو سياق في مقام الكفار والمشركين يعطيها ما يناسبها من المقام الذي يتماشى معها، بما يعرف بالأداء التعبيري للقرآن الكريم، حيث يعطي لآيات الرحمة ما يناسبها من مقامات ونغمة، وأيضا آيات قَصص الأنبياء وآيات التشريع وغيرها".

وتحدت القارئ الطبيب أحمد نعينع، وهو أحد تلامذة الشيخ مصطفى إسماعيل، في مناسبات عدة عما كان يميز الشيخ مصطفى إسماعيل، وكيف أنه كان "يتنقل بين الآيات بسهولة ويسر، ولا يكون نشازا أبدا، فأذن المستمع لا تمله، وكان مشوقا للمستمع، وخلاقا ومبدعا في إنهاء التلاوة، بحيث لا يتوقعها المستمع". ونقل نعينع حينها عن موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب ما قاله عن الشيخ مصطفى إسماعيل، بأنه "كبير في فنه، وإدارة صوته، وهو المقرئ الوحيد الذي يفاجئ المستمع بمسارات مقامية غير متوقعة".

أيضا الموسيقار الراحل عمار الشريعي كان أحد المعجبين بالشيخ مصطفى إسماعيل، وبحكم موهبته كان يحلل تلاوات الشيخ موسيقيا وبالتحديد من حيث المقامات وكيف إن كان "يمتلك إمكانات لم تتح لشيخ آخر".

ومن أشهر تلاوات الشيخ التي كان لها وقع خاص لدى المستمعين، قوله تعالى من سورة "القمر" (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فانتصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ* وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا)، ويقول الشريعي إن الشيخ اختار لقوله تعالى "أني مغلوب" مقام الصبا الذي يناسب الحزن والشجن، وكذا الآية من سورة "النمل" (قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِي أَمِينٌ)، وأيضا الآيات الأولى من سورة "الحاقة"، حيث عادة ما كان يطلبها الحضور من الشيخ مصطفى إسماعيل، حيث تتجلى فيها قدراته العالية في التلاوة والمقامات والقراءات، بالإضافة إلى طول النفس.

عن الشرق الاوسط