في العهد العثماني.. بريطانيون في مدينة النجف الأشرف

في العهد العثماني.. بريطانيون في مدينة النجف الأشرف

جعفر الخياط

في 1853م زار النجف الرحالة الانكليزي (لوفتس)، فشد نظره المنظر المهيب للحرم العلوي المطهر حتى قال: إنه لا يمكن أن يصف الشعور الذي يخالج الناظر إلى جميع ما كان في داخل الجامع من زينة في البناء وتناسق في الألوان، لأن ما يراه كان لابدّ من أن يولِّد انطباعاً خالداً في نفسه.

ويصف الرحالة الإنكليزي شكل الصحن الشريف والضريح المطهر الموجود في وسطه، مشيراً إلى زينة القاشاني المحتوية على الرسوم المتناسقة للطيور والأوراق النباتية والكتابات المذهبة، ثم يذكر ان أركاناً ثلاثة من أركان الصحن كانت تقوم فوقها مآذن ثلاث كسيت الاثنتان الأماميتان منها بالآجر المغلف بالذهب وهذه مع القبة كانت تؤلف منظراً فخماً يعجز عنه الوصف. وكانت القبة الكبرى المكسوة بالذهب وهي تتوهج في نور الشمس تبدو للرائي من بعيد وكأنها تلّ من الذهب يقوم من البراري الممتدة من حوله. كما كانت توجد بين يدي الضريح المطهر بركة من النحاس تزيد في جمالها أشعة الشمس المتراقصة فوق سطحها الصقيل اللمّاع الذي يكاد يحاكي سطح القبة نفسه في بهائه وتلألئه.

ويذكر لوفتس كذلك إن الصحن كانت تباع فيه أشياء وحاجات كثيرة، فيقارن ذلك بالمعبد في بيت المقدس الذي دخل اليه المسيح قبل ثمانية عشر قرناً فوجد الناس يبيعون فيه الثيران والأغنام والصرافين يتاجرون بالعملة.ولقد لفتت نظره على الأخص طيور الحمام الكثيرة المتخذة من الحرم المطهر واحة سلام وأمن وطمأنينة ودعة.

وفي مطلع القرن العشرين قصدت السائحة الإنكليزية (المسز رولاند ويلكنس) العراق فكتبت في كتابها عن الرحلة انها مرت في طريقها الى بابل بجماعات الزوار الإيرانيين الذين كانوا في طريقهم لزيارة الإمام الحسين في كربلاء والإمام علي في النجف،وكان الكثير منهم يأتون من بلادهم مشيا على الأقدام للزيارة رغم صعوبة ذلك ومشقته وبعده عن مدنهم وخطورة مسالكه المليئة بقطاع الطرق والسراق.

وزار النجف في 19 مايس سنة 1917م بعد احتلال الإنكليز للعراق الجنرال البريطاني (السير رونالد ستورز) الملم باللغة العربية والحاكم البريطاني لمدينة القدس بعد احتلالها من قبل الإنكليز فيما بعد، فمرّ في السوق الكبير المؤدي إلى العتبة العلوية المقدسة، ومن هناك توجه إلى دار السيد عباس الكليدار. فخص بالذكر منه السرداب الكبير الذي تنخفض درجة الحرارة فيه بمقدار عشر درجات عن الخارج. وحينما صعد الضيف وقت الغروب إلى سطح دار مضيفه القريبة من الحضرة المطهرة، شاهد (ستورز) منه عن قرب القبة والمآذن وبرج الساعة في الصحن العلوي الشريف، وصوّر مناظر عدة من هناك على ضوء الشمس الغاربة، ثم استراح حتى دقت الساعة مشيرة إلى الثانية عشرة غروبية فتذكر حينذاك ساعة كيمبرج أو " بيك بين " المشهورة.

ومن طريف ما رواه الكاتب في حديثه عن النجف ما أورده من تفاصيل زيارته للمرجع الديني الأعلى في عصره سماحة السيد محمد كاظم اليزدي (قدس) فذكر السياسي البريطاني انه في الساعة الخامسة من عصر اليوم التالي لوصوله توجّه مع رفيقه المستر(غاربوت)، لزيارة العلامة الأكبر السيد كاظم اليزدي الذي يمتد نفوذه من العراق إلى أصفهان. ويذكر ستورز في هذا الشأن: ان الإنكليز لم يكونوا مطمئنين من موقف السيد تجاههم، وانه كان قد رفض مبلغ المئتي باون الذي قدم اليه على سبيل الهدية من قبل. وكان المستر غاربوت الذي رافق السير ستورز في السفرة من بغداد قد طلب اليه في هذه المرة أيضاً أن يتحايل على السيد اليزدي فيقدم له رزمة بألف باون هدية من الحكومة. فاستثقل هذه المهمة الصعبة، وكلف السير رونالد ستورز نفسه بأن يتولى المهمة عنه، فقبل بتحفظ ودسّ الرزمة في جيبه ثم توجها معا إلى دار السيد، وهناك انتظر برهة من الزمن في خارج حجرته ريثما يخبر بحضورهما، فخرج لهما السيد المرجع، وإذا به رجلا متقدماً في السن يلبس " زبوناً أبيض ويعتمر بعمة سوداء "، وقد تخضبت لحيته وأظافره بحنة حمراء لمّاعة، فحياهما السيد من بعيد وأجلسهما على الحصيرة بجنبه خارج الحجرة. يقول ستورز: إنه بعد أن تبحّر في وجه السيد أدرك في الحال السر في شهرته ونفوذه. فهناك قوة في سيمائه الواضحة وعينيه الرماديتين المتعبتين، وسلطان في وجوده وحديثه الخافت، مما لم يجد له مثيلا في أي مكان آخر من بلاد المسلمين ".

وحين سأل ستورز المرجع السيد اليزدي عمّا إذا كان هناك أي شيء يريد أن يفعله الإنكليز له بادره السيد اليزدي بقوله: " حافظوا على العتبات الشريفة، حافظوا على العتبات الشريفة ". فاعتبر ستورز أنه يقصد بذلك المحافظة على العتبات المقدسة ومن فيها من جماعة العلماء والمجتهدين بوجه عام. ثم عاجله السيد المرجع بجملة أخرى طلب اليه فيها أن لا يعينوا في المدن الشيعية إلاّ الموظفين من أبناء الشيعة، وأن يطلقوا سراح بعض الشيعة الذين كانوا معتقلين. وحينما مدّ ستورز يده لتقديم رزمة الباونات إلى السيد، دفع السيد الرزمة برفق مقرون بالعزم الأكيد، وهو يعتذر عن قبولها. فلم يجد ستورز من اللياقة الإلحاح على تقديمها.

وبعد ساعة انقضت على هذا المنوال عزم المسؤول الإنكليزي السير رونالد على توديع السيد المرجع اليزدي والعودة إلى المنزل، غير أنه قبل أن يفعل ذلك حاول تقديم الألف باون مرة ثانية اليه، لكن السيد المرجع رفضها من جديد بكل مجاملة وأدب. وهو يعتقد ان الشيء المهم الذي كان يعبأ به السيد هو الأنفة والإباء لا المال.

وهذا موقف بعيد تمام البعد عما يحدث في مصر والحجاز في ظروف مماثلة على حد تعبيره.

وحينما عاد ستورز بعد ذلك إلى منزل مضيفه السيد عباس الكليدار طلب اليه أن يشاركه في تناول العشاء ويضحي بآداب المجاملة التي تدعوه إلى الوقوف في خدمة الضيف في أثناء الطعام وهو يذكر بإعجاب ان السيد عباس وقف بعد ذلك للعناية بتقديم العشاء للسواق أيضاً على المائدة نفسها. ثم آوى إلى فراشه بعد مدة وقضى ليلة خالية من النسيم تماماً فوق السطح، وقد تسنى له خلالها أن يعجب بالهدوء التام والصمت الغريب الذي كان يلف النجف ما بين الساعة الثانية والرابعة بعد منتصف الليل وقبيل الفجر كذلك".

موسوعة العتبات المقدسة ــ قسم النجف