في عام 1931 .. محاكمة قصيدة وطنية في جريدة للمعارضة

في عام 1931 .. محاكمة قصيدة وطنية في جريدة للمعارضة

عبد الحميد الرشودي

تفتحت موهبة محمد حسين الشبيبي الشعرية وهو لما يزل طالبا في دار المعلمين فنشر بعضا من شعره في صحف ومجلات عراقية وعربية كمجلة المرشد ودار المعلمين والعرفان لصاحبها احمد عارف الزين وقد نشرت في اعداد من سنة 1930 سلسلة مقالات اجتماعية ووطنية وتربوية.

وقد بلغ مجده الادبي القمة حين نشر قصيدته الشهيرة الجهيرة "جرس الحرس" في جريدة الاخاء الوطني العدد (36) الصادر في 11/ ايلول 1931 بتوقيع مبهم هو "حسين" فاستشاطت السلطة التنفيذية غضبا ومما ضاعف غضبها انها نشرت في جريدة تنطق بلسان الحزب المعارض الذي يتزعمه الزعيم الوطني ياسين الهاشمي فاوعزت الى المدعي لاقامة الدعوى ضد الاستاذ كامل الجادرجي المدير المسؤول للجريدة لنشره قصيدة فيها طعن وذم للحكومة القائمة يومئذ.

وحين عرضت الدعوى امام محكمة جزاء بغداد طلب حاكمها السيد شهاب الدين الكيلاني تعيين خبير لذلك فهو يكلف المدعي العام والمدير المسؤول ان يتفقا مع الخبراء فذكر الاستاذ كامل الجادرجي اسم الاستاذ جميل صدقي الزهاوي والشيخ محمد رضا الشبيبي فاعترض المدعي العام على ان يكون الخبير من المنتمين الى الاحزاب السياسية ورغب في تعيين الشاعر معروف الرصافي فاعترض الجادرجي على ترشيح الرصافي بصيغة كونه من "حزب العهد" فابان المدعي العام بان الرصافي لا ينتمي الى حزب فاجابه الجادرجي اذا كان الرصافي غير منتم الى حزب فهو بلا مؤيد للوزارة الحاضرة وقد بلغني ان الحكومة اسلفته مبلغا من المال لطبع ديوانه واني اعد هذه منفعة تمنع الشهادة.

وما احسب ان الجادرجي كان دقيقا حين قال ان الرصافي منتم لحزب العهد ومؤيد للوزارة القائمة وهل فاته ان الرصافي كان اول من عارض المعاهدة التي عقدها نوري السعيد مع الحكومة الانكليزية في حزيران 1930. واذا كانت بين الرجلين مودة قديمة فلا يعني هذا بالضرورة ان يكون مؤيدا له في مواقفه السياسية فالولاء السياسي شيء والعلاقة الشخصية شيء اخر.

وبعد اخذ ورد اتفق الطرفان على تعيين الشاعر جميل صدقي الزهاوي ولما ازف موعد الجلسة الثالثة حضر الخبير جميل صدقي الزهاوي ووضع له كرسي نظرا لضعف جسمه وبعد اداء اليمين القانونية والاجراءات الشكلية ساله الحاكم هل وجدتم في هذه القصيدة طعنا وذما فاجاب الزهاوي لم اجد فقال له الحاكم هل تقدرون ان تبينوا مطالعتكم الشخصية في هذه القصيدة فشرع الزهاوي بالقاء مطالعته الشخصية ممهدا بتوطئة عن الشعر وانه لغة الروح كما ان النثر لغة العقل وطريقته في الافهام غير طريقته واسلوبه غير اسلوبه وهو اكبر مرب للنشء على الاخلاق الفاضلة والخصال الحميدة كالشجاعة والمروءة وعزة النفس والشاعر لن يستطيع ان يؤدي وظيفته الاصلاحية الا اذا كان حرا طليقا في ضمن حدوده والنشء الذي لا تغرس فيه منذ نعومة اظفاره الخصال المطلوبة يشب وليس فيه من الشجاعة ما ينهض به للدفاع عندما يكون الوطن العزيز محتاجا اليه وفي فقدان هذه الخصال من الكوارث التي تثبط العزائم في الامم التي تريد لتحيا مستقلة. فالشعر للسجايا كالعلم للعقول ولما كان الشعر مقيدا بالوزن والقافية كان مجاله ضيقا لذلك يكتفي في الغالب بالاشارة وهي ابلغ من التصريح.

ولما كانت قصيدة "جرس الحرس" تتكون من ثلاثة عشر مقطعا وكل مقطع يتالف من اربعة ابيات فقد اعترض المدعي العام على اربعة مقاطع منها كسيب للادانة وهي المقاطع: الثاني والثالث والثاني عشر والثالث عشر، وبعد ان شرح الزهاوي هذه المقاطع وبين خلوها من كل طعن او ذم يوقع المدير المسؤول تحت طائلة المادة 89 من قانون العقوبات البغدادي فاصدرت المحكمة حكمها الاتي برد الدعوى والذي جاء فيه.

"بعد ان نظرت المحكمة في طلب المدعي العام واستمعت الى اقواله وبيانات كامل (بك) الجادرجي ودفاع محاميه السيد سلمان الشيخ داود وكذلك استمعت الى شهادة حضرة الاستاذ الزهاوي فتبين لها نتيجة هذا التدقيق ان القصيدة لم ينشرها المدير المسؤول ولا اذاعها ناظمها بقصد اثارة الكره والبغضاء ضد الحكومة ولما كانت المحكمة تعتقد ذلك فقد قررت رد الدعوى وقررت الافراج عن المشتكى عليه "(جريدة الاخبار، العدد 82، الاحد 8 تشرين الثاني 1931).

وهكذا افرج عن هذه القصيدة التي احدثت دويا كبيرا في البلاد وقد ذكروا ان العدد الذي تضمنها من جريدة الاخاء الوطني قد طبع ثلاث مرات وتجتزئ فيما ياتي على مستهلها والمقطع الادل منها لكي تكون نموذجا بين يدي القارئ.

رن باذن الصبح صوت الجرس

وانتفض الناس ونام الحرس

ثرنا فاين النور اين القيس؟

قالوا تبسم للوا فاللوا

رفرف خفاقا بافق البلاد

فقلت والقصد على التوى

اهذه الغاية هذا المراد؟

قالوا هو الرمز وفيه انطوى

من ذكريات المجد سر البلاد

فقلت ما الراية ام القوى

بل خلق القوم وروح الجهاد

ولد الفقيد في النجف الاشرف ويستفاد من رسالة بعثها الى كاتب هذه السطور بتاريخ 17/11/1986 انه ولد سنة 1906 فقد جاء في هذه الرسالة: ".. وكنت قبل عشر سنوات في غمرة عمر السبعين فقلت حينئذ:

ومن بلغ السبعين لم يلق بعدها

سوى الهم والاوصاف والالم المضئي

فطوبى لمن فاضت الى الله روحه

ولما يصل في سنة ارذل السن

ومما لا يخفى على اطلاعكم ان ارذل العمر عند العرب عمر الثمانين وقد بلغ ناظم هذين البيتين الثمانين من عمره.

لم يشأ والده ان يسلك فتاه مسلك ابناء المشايخ والفقهاء من ذلك الجيل في الدراسة التقليدية وانما وجهه الى المدارس النظامية العصرية كالمدرسة العلوية ومدرسة النجف الاميرية ثم انتقل الى بغداد لاكمال دراسته الثانوية في المدرسة الجعفرية وما ان تخرج فيها حتى انتمى الى مدرسة دار المعلمين – القسم العالي – وبعد تخرجه زاول التعليم في المدارس الابتدائية ثم نقل الى التعليم في المدارس الثانوية بعد ان ادى امتحانا في اللغة العربية وادابها وظل حقبة من الزمن في وظيفته هذه حتى نقل الى وظيفته مفتش (مشرف تربوي).

ورغم توجهه نحو الدراسة في المدارس الرسمية فلم يكن في معزل عن التاثر بالبيئة الادبية النجفية واتى له ذلك وقد نشأ في بيت جل اهله يقرضون الشعر ويتعاطفون الادب فهو ان لم يصبه وابل منه فطل.

كان رفيق صباه في ذلك العهد السيد محمود الحبوبي ابن اخي الشاعر الفقيه المجتهد محمد سعيد الحبوبي وكانت تعطفه عليه اصرة النسب وواشجة الادب اذ كانت بين السادة آل الحبوبي وال الشبيبي صلة رحم فالسيد محمود الحبوبي ابن بنت عمة محمد حسين الشبيبي وقد اشار الشبيبي الى هذه العلاقة الحميمة فقال: "وكان همنا ان نلتقي يوميا نتسقط اخبار المجاهدين في النجف ونحاول ان نعثر على نسخ من جريدة الاستقلال وجريدة الفرات ايام الثورة وسواهما من المنشورات واستمرت الصلة تعززها وتسندها مطالعات في الكتب والصحف.

وقد تفتحت موهبته الشعرية وهو لما يزل طالبا في دار المعلمين فنشر بعضا من شعره في صحف ومجلات عراقية وعربية كمجلة المرشد ودار المعلمين والعرفان لصاحبها احمد عارف الزين وقد نشرت في اعداد من سنة 1930 سلسلة مقالات اجتماعية ووطنية وتربوية.

وفجعت الاوساط الادبية بوفاة الشاعر الاديب الاستاذ محمد حسين الشبيبي الذي لبى نداء ربه مساء يوم الاحد الموافق للتاسع من شهر آب 1992 وبرحيله انطوت آخر صفحة من صفحات انجال الشاعر الكبير والمنشئ القدير الشيخ محمد جواد الشبيبي رأس هذه الاسرة الكريمة.

ج. العراق 1992، وسيضمها كتاب الرشودي المقبل (جديث وتنبيه).