عبد الباسط صاحب المقام الرفيع

عبد الباسط صاحب المقام الرفيع

مصطفى ماهر

ستة عقود وقليل عاشها عبدالباسط محمد عبدالصمد سليم داود فى دنيانا، واليوم الجمعة 30 نوفمبر، تكتمل ثلاثة عقود بالتمام والكمال على رحيله، لكن سيرة الشيخ الجليل العطرة، وصوته الملائكى، حفظ لابن أرمنت، المواطن المصرى الصعيدى،

وأمير دولة التلاوة المصرية للقرآن الكريم، مقامه الرفيع فى قلوب المصريين، وغيرهم الملايين من عشاقه فى جميع أنحاء العالم، غاب الجسد منذ 30 عاما، ولم تغب السيرة العطرة والصوت والمحبة الساكنة فى القلوب، تحمل صك المصداقية وترفع قبعات التحية للمشوار الحافل الذى أنجزه الشيخ الجليل فى خدمة كتاب الله، وفى رفع اسم مصر عاليا خفاقا فى أنحاء الأرض من مشرقها إلى مغربها، كيف فعلها الشيخ عبدالباسط عبدالصمد؟

"الأهرام" تستعرض محطات السيرة العطرة فى الذكرى الثلاثين للرحيل، التى عثرنا فيها على الكثير من الأجوبة عن أسئلة تجديد الخطاب الدينى، والبحث عن قوى مصر الناعمة، ووجدنا فيها أيضا عطور الصحوة المصرية التى خرجت من رحم ثورة 1919م، والتى تحتفل مصر بعد شهور بذكراها المئوية، والتى أخرجت أجيالا من المصريين العظماء، الذين كانوا أركانا حقيقية لريادة مصر إقليميا وعالميا، ومن أعظمهم يأتى ابن أرمنت، الصعيدى علامة الرقى التى شرفها الله بخدمة كتابه الكريم.. رحلة الشيخ عبدالباسط المظفرة من قرية المراعزة بأرمنت بالقرب من الأقصر فى صعيد مصر، إلى قلوب الملايين، من الرحلات الملهمة التى تستحق التوقف أمامها طويلا، عنوانا حقيقيا للإرادة والإبداع المصرى، بداية الرحلة كانت بعد ميلاد الطفل عبدالباسط بقليل، تلك الفترة الثرية فى حياة مصر، النصف الثانى من العشرينات فى بداية القرن الماضى، عندما بدأ عبدالباسط عبدالصمد، فى حفظ القرآن الكريم، على يد الشيخ محمد الأمير، شيخ كتاب أرمنت، ولعبتً نشأة الشيخ عبدالباسط وسط بيئة تهتم بالقرآن الكريم حفظا وتجويدا، وتحب دراسته والتفقه فيه، دورا كبيرا فى فتح الطريق على مصراعيه ما بين قلب الطفل، وكتاب الله الكريم، فالجد الشيخ عبدالصمد، كان من الحفظة المشهود لهم بالتمكن فى حفظ القرآن وتجويده بالأحكام، واشتهر فى أنحاء أرمنت والمطاعنة وحتى إسنا، وبينما كان والد الشيخ عبدالباسط، الشيخ محمد عبدالصمد، أحد المجودين المجيدين للقرآن، حفظا وتجويدا، والذى حظى بشهرة فى المنطقة نفسها، ولذلك عندما ذهب الشقيقان الأكبر سنا للشيخ عبدالباسط، محمود وعبد الحميد، للالتحاق بالكُتاب، لحق بهما الأخ الأصغر سنا "عبدالباسط" وهو مازال فى السادسة من عمره، التحق الطفل الموهوب بكتاب الشيخ الأمير، الذى عرف منذ اللحظة الأولى أن الفتى سيكون له شأن عظيم فى خدمة كتاب الله.. لاحظ الشيخ على تلميذه الموهوب أنه يتميز بجملة من المواهب والنبوغ، أبرزها سرعة الاستيعاب والجدية، والتعامل بشغف وحب مع القرآن الكريم، ودقة التحكم فى مخارج الألفاظ، بالإضافة أولا وأخيرا لعذوبة الصوت الاستثنائية، التى زادها الشيخ عبدالباسط جمالا بحسن الأداء والدقة فى العمل.

عندما بلغ الشيخ عبدالباسط العشر سنوات، كان قد أتم حفظ القرآن الكريم كاملا، كان كتاب الله يتدفق على لسانه كالنهر الجارى كما ذكر فى مذكراته نصا، كان والد الشيخ عبدالباسط يعمل موظفا بوزارة المواصلات فى ذلك الوقت، فطلب منه أن يتعلم القراءات، فأشار عليه أن يذهب إلى مدينة طنطا ليتلقى علوم القرآن على يد الشيخ "محمد سليم" ولكن المسافة بين أرمنت وطنطا كانت بعيدة جدا، لكن الفتى كان مغرما بعلوم القرآن مما جعله يحسم أمره بالسفر، لتأتى الرياح بما تشتهى السفن تلك المرة، فقبل أن يقوم والد الشيخ عبدالباسط بإرساله إلى طنطا بساعات قليلة، جاء الخبر السعيد بوصول الشيخ محمد سليم حمادة إلى أرمنت، ليعمل مدرسا للقراءات بالمعهد الدينى بأرمنت، وكأن القدر قد ساق الرجل فى الوقت المناسب، ليفتح الطريق للشيخ عبدالباسط، فقد احتفل أهل أرمنت بقدوم الشيخ سليم، واقام له سكان أصفون المطاعنة القريبة من أرمنت، جمعية للمحافظة على القرآن الكريم، فكان يقوم بتحفيظ القرآن ويعلم علومه، فتعلم هناك الشيخ عبدالباسط القراءات السبع، وقبل أن يتجاوز عمره الخامسة عشرة كان صيته قد ذاع فى المنطقة، خاصة فى أرمنت وأصفون المطاعنة، ليختصر الشيخ سليم مشوار سنوات طويلة فى شهور، ويصبح الطريق مفتوحا للفتى الصعيدى للزحف إلى عرش دولة تلاوة القرآن فى مصر.

دخل عبدالباسط عبدالصمد بعد ذلك، إلى محراب الإذاعة المصرية عام 1951م، بعد عام واحد من بدء الرحلة المظفرة إلى القاهرة، عندما قرر الانتقال إلى العاصمة، وهى الخطوة التى قادت بعد ذلك اسم عبدالباسط عبدالصمد إلى شهرة واسعة النطاق فى كل أنحاء العالم، وكانت أولى تلاوات الشيخ عبدالباسط فى الإذاعة المصرية من سورة فاطر، وفى عام 1952م، تم تعيين الشيخ عبدالباسط قارئا لمسجد الإمام الشافعى، وبسبب نجاحاته مع القرآن الكريم، أصبح قارئا لمسجد الإمام الحسين عام 1985 خلفا للشيخ محمود على البنا. لم تكن خطوة الانتقال للقاهرة سهلة على الشيخ عبدالباسط، لارتباطه بأهله وبلدته فى الصعيد، لكن قبول الشيخ فى الإذاعة كان دافعا لعملية انتقال جماعى للأسرة إلى حى السيدة زينب، فى قلب بنت المعز.. وعلى أبواب الإذاعة، كان النجاح والشهرة ومحبة الناس تنتظر الشيخ عبدالباسط، فقد انتشر الصوت الملائكى القادم من الصعيد ليهيمن على مزاج المصريين من محبى القرآن الكريم، وتسبب صوت الشيخ عبدالباسط فى زيادة الإقبال على شراء أجهزة الراديو، وتضاعف إنتاجها وانتشرت بمعظم البيوت للاستماع إلى صوته، وأصبحت ليلة السبت من كل أسبوع على موجات البرنامج العام، موعدا مقدسا ينتظره المصريون، من الثامنة وحتى الثامنة والنصف مساء.

جاب الشيخ بلاد العالم سفيرا لكتاب الله، فبعد شهور من الالتحاق بالإذاعة، تحول عبدالباسط عبدالصمد إلى مطلب جماهيرى عالمى لجموع المسلمين، ومنذ عام 1952م، بدأت رحلات الشيخ عبدالباسط فى أنحاء المعمورة، التى تعد من أروع تجليات القوى الناعمة المصرية طوال القرن العشرين، فانهالت الدعوات رفيعة المستوى والشعبية أيضا، فاستقبل الرئيس الباكستانى، الشيخ عبدالباسط فى أرض المطار، وصافحه على الطائرة، وفى جاكرتا بإندونيسيا، قرأ القرآن فاحتشد الناس فى أكبر مساجد العاصمة الإندونيسية حول المسجد لمسافة كيلومترات، وفى جنوب إفريقيا استقبله الصحفيون على أبواب المطار ليسألوه عن رأيه فى مسألة التفرقة العنصرية التى عانت منها البلاد، وكان القارئ الشيخ أحمد الرزيقى، بلديات الشيخ عبدالباسط ورفيق عمره، شريكا فى جولاته العالمية، بعد أن جمعتهما صداقة العمر كله كما يقولون، من قنا مرورا بجميع أنحاء العالم.

من أشهر المساجد التى قرأ الشيخ عبدالباسط القرآن الكريم فى رحابها، المسجد الحرام بمكة المكرمة، والمسجد النبوى الشريف بالمدينة المنورة، والمسجد الأقصى بالقدس الشريف، والمسجد الإبراهيمى بالخليل،والمسجد الأموى بدمشق، بالإضافة لأشهر المساجد فى آسيا وإفريقيا والولايات المتحدة، وفى دول أوروبا قرأ الشيخ عبدالباسط فى باريس ولندن وغيرهما.. كان الشيخ عبدالباسط يشعر بالمسئولية تجاه مهمة نشر كتاب الله، فترك للإذاعة المصرية ثروة من التسجيلات، إلى جانب المصحفين المرتل والمجود، بالإضافة إلى مصاحف مرتلة لبلدان عربية وإسلامية، بقراءات مختلفة، وقام بتسجيل عدة تلاوات للمملكة العربية السعودية أشهرها التى سجلت بالحرم المكى والمسجد النبوى الشريف، ولقب بعدها بصوت مكة، كما كان الشيخ الجليل أول نقيب لقراء مصر عام 1984م، وذلك قبل رحيله عن دنيانا فى 30 نوفمبر 1988م، وربما كان ذلك الإحساس العظيم تجاه كتاب الله، هو ما جعل الشيخ عبدالباسط حتى بعد رحيله بثلاثين عاما بالتمام والكمال، مازالت أرقام الاستماع إليه على موقعى "يوتيوب" و"ساوند كلاود"، وكل شبكات التواصل الاجتماعى، تؤكد ريادته وريادة مشروعه الكبير، الذى يسكن قلوب الملايين، يغيب الجسد ولكن لا تغيب المحبة.

· عن صحيفة الاهرام