عبد الباسط عبد الصمد: ربّ اجعل لي آية

عبد الباسط عبد الصمد: ربّ اجعل لي آية

هيثم أبوزيد

أمسك إمام المسجد الزينبي الشيخ علي سبيع بالميكروفون، وخاطب الجماهير المحتشدة للاحتفال بمولد السيدة، قائلاً: "أقدم لكم قارئًا من الصعيد"، فتردد الشاب عبد الباسط عبد الصمد، الذي لم يجاوز وقتها 23 عاماً. قال له سميع مشجعاً: "اقرأ عشر دقائق فقط"، فبدأ الشيخ الصاعد التلاوة: "إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما".

اهتزت جنبات المسجد بصيحات آلاف المستمعين المستحسنين، وامتدت التلاوة ساعتين. لكن لم يخطر ببال أحد -حينها- أنّ هذا الشاب القادم من مركز أرمنت بصعيد مصر، سيصبح خلال بضع سنوات أشهر قارئ، بل أشهر شخصية إسلامية في العالم، يمتد أثر تلاوته من نيودلهي إلى واشنطن، ومن لندن إلى جوهانسبرغ، وليمثل صوته فتنة وسحراً للجماهير في القرى والنجوع والمزارع والسهول والجبال والصحارى. وقارئ بهذا الوزن والتأثير، جدير ببذل الجهد لفهم أسباب صعوده السريع، وشهرته غير المسبوقة ولا الملحوقة، ليس في تاريخ التلاوة فقط، بل في تاريخ الأداء الصوتي تلاوة وإنشاداً وغناء.

عبد الباسط محمد عبد الصمد، واحد من أكبر القراء المصريين وأشهرهم في القرن العشرين، وأحد أهم أركان فن التلاوة. هو عضو في كوكبة الأسماء العشرة الكبرى في تاريخ التجويد والترتيل. كان انضمامه إلى الإذاعة عام 1951 سبباً في زيادة الإقبال على شراء أجهزة الراديو، واتساع دائرة المهتمين بفن التلاوة. ظهر في عصر مزدحم بالمواهب، واستطاع خلال فترة وجيزة أن يحجز لنفسه موقعاً بين الكبار والأعلام.

في السياق المحلي المصري، هو شريك مهم في بناء صرح التلاوة العريق، وواحد من ضمن الكبار، لكن حين نخرج من السياق المحلي المصري، لا يصبح مجرد شريك، بل يتحول إلى أيقونة، تحمل الجهد الأكبر في نشر معالم المدرسة المصرية في التلاوة، وترسيخها في جميع أرجاء العالم الإسلامي، وبين الجاليات العربية والإسلامية في بلاد الغرب.

قبل الموهبة الاستثنائية، تأهل الشيخ عبد الباسط بالمؤهلات الأساسية التي يجب أن يمتلكها كل قارئ: حفظ القرآن مبكراً، وأتقن أحكام التجويد بمستوى عال، ثم تلقى علم القراءات على يد الشيخ محمد سليم حمادة، صاحب الشهرة الكبيرة في هذا الميدان. وقد كان لهذا التأهيل المتين أثره الواضح في تلاوة عبد الباسط، التي اشتهرت بدقة أحكام التجويد ومخارج الحروف وتوفية المدود والغنن مقاديرها. وفنياً، امتلك الشيخ صوتاً استثنائياً وقوياً، في غاية العذوبة، مع نفس طويل مدهش، وذبذبات سريعة.

ومع كلّ هذه الإيجابيات، لم يكن عبد الباسط من أصحاب التفنن النغمي، وكانت درايته بالمقامات الموسيقية محدودة، وهو من أقل القراء الكبار في التلوين الموسيقي، وبعض المقامات الأساسية لا نكاد نجد منها بصوته إلّا مقاطع نادرة. لكن يبدو أنّ هذه الصفات التي تحتسب غالباً في دفتر الضعف والثغرات، كانت من أسباب قوة الرجل وانتشار تلاوته في أرجاء العالم، فقد جاءت تلاوة الشيخ متسمة بالسهولة والوضوح، وخلت دوماً من كلّ أشكال التعقيد النغمي، أو الاستعراض المقامي، وإنما هي جمل سهلة واضحة، مع صوت قوي صداح، ونفَس طويل جداً، وذبذبات سريعة. أي أنّ تلاوته كانت دائماً في متناول فهم المستمع العادي، الذي يشكل الأغلبية الساحقة من الجماهير، ولم تكن من النوع الذي لا يستوعبه إلّا نخب المستمعين وأصحاب الآذان المدربة.

وبهذا الصوت بالغ الأسر، وبهذا النفس الطويل، وبهذه الجمل النغمية الواضحة، غزت تلاوة الشيخ كلّ مدينة وقرية في العالم الإسلامي، وحضرت وسط كلّ طبقات المجتمع، من الملوك والرؤساء، إلى العمال والفلاحين.

أصبح الشيخ عبد الباسط مدرسة كبرى في التلاوة، يقتفي أثرها ويحاول تقليدها مئات القراء في آسيا وأفريقيا. وصارت الجماهير في الهند وباكستان وإندونيسيا وماليزيا وأفغانستان وبنغلادش يسمّون التلاوة بالطريقة المصرية "قراءة عبد الباسط"، بل إن كثيراً من جماهير هذه البلاد لم يكونوا يعرفون عن مصر شيئاً إلّا أنها "بلد الشيخ عبد الباسط".

لكن أكثر مقلدي عبد الباسط لم يحققوا نجاحاً يضعهم على خريطة فن التلاوة، لأنهم في الحقيقة كانوا يقلدون الشيخ في مرحلة تراجع صوته بسبب المرض، في السبعينيات والثمانينيات. ولم يكن بمقدور أحد منهم أن يقترب من صوت الرجل في الخمسينيات وأوائل الستينيات، حيث الذبذبات السريعة والجوابات القوية والقفلات المحكمة.

ربما كانت التلاوة الشهيرة من سورتي مريم والتكوير، التي أداها الشيخ في المسجد الأموي بدمشق عام 1958، من أفضل النماذج الموضحة لأسلوبه في تقديم "السهل الممتنع"؛ إذ هي سهلة في جملها النغمية، لكنها ممتنعة على أي قارئ لم يؤتِ ما أوتي عبد الباسط من صوت معجز، وبحة ساحرة، يأتي بها في مواضع طبيعية من دون تكلف أو اصطناع.

بدأ الشيخ تلاوته بداية هادئة كعادته، ولم يستغرق وقتاً طويلاً حتى تعالت صيحات الجماهير عقب كل جملة يرسلها من حُنجرته. فالجمهور الشامي الذي لا يقدر إلا الأداء الطربي، وجد في القماشة الصوتية لعبد الباسط ما يغني عن أي تكلف نغمي أو تعقيد مقامي: أرسل الشيخ صوته برواية ورش عن نافع: "قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً". ووظف مد البدل في موضعيه ليستعرض صفاء حنجرته وثبات صوته وسرعة نبراته، وكان التجاوب معه كبيراً ومؤثراً. وبعد نحو 25 دقيقة، ترك الشيخ سورة مريم، واستهل سورة التكوير مستعرضاً طول نفسه، إذ قرأ تسع آيات في جملة واحدة.

ولاحقا، كانت تلاوة سورة التكوير هذه نواة لشريط كاسيت يحمل مختارات بصوت الشيخ من قصار السور. ظهر هذا الشريط في أوائل السبعينيات، وانتشر انتشاراً غير مسبوق، إذ كان ينبعث من كل مكان في مصر، من المنازل والمحال التجارية وورش الصناع وعربات الباعة الجائلين. وظل لنحو عشرين عاماً، وتحديداً خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات أكثر التسجيلات انتشاراً من دون منافسة، لا من القراء ولا المنشدين ولا حتى المطربين.

ومن اللافت، أنّ الانتشار الخارجي للشيخ عبد الباسط كان سريعاً جداً؛ إذ لم يكن بين تلاوته في مولد السيدة زينب عام 1950 وبين الاستقرار في القاهرة والالتحاق بالإذاعة سوى عام واحد. وبعد أشهر قليلة من الاعتماد الإذاعي، كان الشيخ عبد الباسط يقرأ القرآن على جموع الحجاج في المسجد الحرام، فعرفته وفود العالم الإسلامي كله. انهالت عليه الدعوات من كلّ مكان في العالم الإسلامي. وقبل أن يبلغ الشيخ ثلاثين عاماً، صار من أكثر الشخصيات شهرة بين المسلمين، وأصبح يحظى باستقبالات مهيبة على المستويين الرسمي والشعبي.

وتمثيلاً، زار الشيخ سورية عام 1956، حين كان في الـ29 من عمره. ورغم ذلك، كانت مراسم استقباله استثنائية. وقد وصفت جريدة "صوت العرب" السورية بعض تفاصيل الاستقبال فقالت:

"حلب الشهباء كانت في عيد خلال زيارة المقرئ الشهير عبد الباسط عبد الصمد. وقد لبى الشيخ الدعوة وسافر من دمشق إلى حلب بالطائرة يوم الخميس 31/5/1956 وعندما وصل إلى المطار كانت جماهير غفيرة تنتظر لاستقباله، وقد ركب الشيخ عبد الباسط السيارة وسارت خلفه أكثر من مائة سيارة تحمل المستقبلين وهم من علية القوم تخترق شوارع حلب. لقد كان مقرراً أن يقرأ الشيخ عبد الباسط في الجامع الأموس الكبير في حلب قبل ظهر الجمعة، وما سرى النبأ حتى غص الجامع الكبير على رحبه بجموع المصلين بكثافة لم يعهدها تاريخ هذا الجامع حتى في عهد الأمير سيف الدولة الحمداني، فالحرم والصحن والأروقة والمنارات والأسطح والأماكن المطلة على الجامع مكتظة بالخلائق رجالًا ونساء شيوخاً وشباباً، وقد دخل الجامع أكثر من ألفي امرأة ليسمعن الشيخ عبد الباسط. ومنذ عامين أعربت سورية عن تقديرها لمواهب المقرئ الكبير فمنحته وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الثانية. وفي الأسبوع الماضي تفضل دولة الأستاذ صبري العسلي رئيس مجلس الوزراء فمنح المقرئ الكبير وسام الإخلاص من الدرجة الأولى".

وخلال فترة زمنية اقتربت من أربعة عقود، طاف الشيخ عبد الباسط معظم أرجاء العالم، سفيراً أول للقرآن، ومثل بنفسه وشخصه جانباً مهما وقدرا معتبرا من النفوذ المعنوي لمصر. احتشدت الملايين في الهند للاستماع إلى صوته، وحضرت رئيسة الوزراء إنديرا غاندي محفلاً ضخماً من محافله، وتكررت المشاهد المليونية في باكستان وماليزيا وإندونيسيا التي هطل فيها المطر بغزارة على المستمعين؛ فلم يغادر واحد منهم حتى لا تفوته فرصة الاستماع المباشر إلى الشيخ الأشهر.

وفي عام 1966، كان عبد الباسط أول قارئ يزور جنوب أفريقيا. وحين هبطت طائرته في مطار جوهانسبرج، استشعر مسؤولو المطار حركة غير اعتيادية، وازدحاما متزايدا في انتظار شخصية استثنائية. تعاملت السلطات إيجابياً مع الحدث، وفُتحت قاعة استقبال كبار الزوار. لكنّ المشهد الأكبر كان خارج المطار، إذ احتشدت الآلاف لاستقبال صاحب الصوت الآسر، وعلى مدى أكثر من شهر أقيمت المحافل الكبيرة، وحضرت الجماهير المتعطشة من كل مكان، فأعطاهم الشيخ من روحه ووجدانه.

نال الشيخ عبد الباسط عبد الصمد قدراً من التكريم الرسمي لم ينله مقرئ في العالم، فقد حصل على الوسام الذهبي من ماليزيا، ووسام الاستحقاق من سورية، ووسام الأرز من لبنان، وحصل على أوسمة من السنغال وباكستان والمغرب، واستقبله الرئيس الجزائري أحمد بن بلة، والرئيس العراقي عبد السلام عارف، وملك المغرب الحسن الثاني، ووالده الملك محمد الخامس، والرئيس المالديفي مأمون عبد القيوم وغيرهم. تسابق الحكام إلى دعوته، وحرصوا على لقائه، وتمنّوا عليه أن يطلب ما يشاء مقابل إقامة دائمة في بلادهم.

ولد عبد الباسط محمد عبد الصمد عام 1927، ورحل في 30 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1988، تاركاً ثروة هائلة من التسجيلات القرآنية، والمصحف المجود كاملاً، وكذلك المصحف المرتل بروايتي حفص عن عاصم، وورش عن نافع. ويوم رحيله عم الحزن أرجاء العالم الإسلامي، وشارك عشرات الآلاف من محبيه في وداعه، كما شارك أغلب السفراء العرب والمسلمين في جنازته، وأديت صلاة الغائب على روحه في كثير من بلدان العالم الإسلامي. لكنّ صوته كان قد سرى إلى كلّ أرجاء الأرض... كأنّه صوت بمساحة العالم.

· عن العربي الجديد