الفنان مكي حسين يكتب عن تجربته في التماثيل البرونزية

الفنان مكي حسين يكتب عن تجربته في التماثيل البرونزية

في السنة الدراسية 1965-1966 كنت طالبا في الصف الثالث لمعهد الفنون الجميلة فرع النحت,درست فن النحت بأشراف الفنان الاستاذ محمد الحسني رئيس فرع النحت والاستاذ الفنان صالح القرغولي.

في هذه السنة تعرفت على الاستاذ والصديق الفنان اسماعيل فتاح الترك والذي قدم حديثا من ايطاليا وعمل كمدرس لفن السيراميك,تطورت علاقتي بأسماعيل مما جعلني اجرء على الاستفسار وبشكل ملح عن معلومات تخص سباكة البرونز ولم يبخل إسماعيل بذلك ابدا كما فعلت نفس الشئ مع الاستاذ صالح القرغولي.

وصلت بجمع المعلومات الى طريق مسدود ولذلك لعدم توفر المواد المطلوبة في العراق ومنها التراب الناري او البركاني والذي يسمى في اللغة الالمانية شاوموتة والذي اسهب اسماعيل فتاح في شرح هذه المادة لي وطريقة استخدامها.

في الايام اللاحقة من هذه النقاشات عدت الى لقاء اسماعيل فتاح وتحدثت معه مرة ثانية وكان هذا الحديث في فرع السيراميك وبحضور الاستاذ فالنتينوس وكان سؤالي الى اسماعيل كيف استطاع الاكديون والسومريون في ذلك الزمن من سباكة التماثيل البرونزية وأفضل مثل هو تمثال سرجون الاكدي, دقة في السباكة والنحت اذن ما هي المادة المستخدمة في ذلك الزمن والبديلة عن التراب النار او البركاني في العراق القديم.

اذن نحن الان بحاجة الى تربة تعرضت لحرارة عالية,فقدمت له مقترحا كان يبدوا ساذجا حتى بالنسبة لي في البداية ان نستعمل التراب المحروق والناتج عن الطابوق المفخور اي طحين الطابوق والذي يسمى في العراق (السكري).

فأبتسم اسماعيل مجاملا فاجابني وهل يتحمل هذا المسحوق المسمى السكري حرارة البرونز المصهور فوجهت سؤالي الى الاستاذ فالنتينوس عن درجة الحرارة التي تتحملها التربة لغاية الانصهار فأجابني 1080 درجة مئوية ولعدة ساعات.

توجهت الى اسماعيل باجابته على سؤاله,البرونز يحتاج الى 1350 درجة مئوية وبعد عملية الصب سيكون في حالة تسارع نحو البرودة اي في خلال ساعتيين ربما سيكون اقل من 1080 درجة مئوية أجابني على الفور وبتشجيع ودعم كامل جرب مكي.

توجهت مباشرة الى الاستاذ صالح القرغولي وشرحت له تفاصيل الحديث الذي جرى مع الاستاذين اسماعيل فتاح الترك وفالنتينوس وطلبت منه المساعدة على موافقة قسم الفنون التشكيلية لبناء فرن لاجراء التجارب, لم يمانع ابدا،بل ذهب معي مباشرة لتحديد مكان بناء الفرن واقترح لي مكانا مهملا خلف فرع السيراميك.وبعد يومين ابلغني الموافقة لبناء الفرن.

تلقيت الدعم المادي من والدي لشراء الطابوق الكافي لبناء الفرن والمشعل النفطي, خلال اسبوع وفي اول يوم جمعة.

تحشدنا بعض من طلبة فرع النحت وأنجزنا بناء غرفة بحجم من الداخل 100× 150 والارتفاع 100 سم وبجدار سمكه 40 سم جهزت قوالب للتمثالين ونقلتها الى المعهد من أجل أجراء التجربة الاولى.

دامت عملية الفخر اربعة ايام وبعد ان جعلنا فتحة في جدار الفرن لمراقبة احتراق الشمع وذلك حسب تعليمات الاستاذ اسماعيل فتاح.

كانت اجواء المعهد الدراسية جميلة جدا والعلاقة بين الطلبة والاساتذة مثالية ويمكن القول علاقات صداقية يتخللها المرح وفي جوا من التشجيع والمزاح والصلوات تم نقل القوالب بعد ثلاث ايام من الفخر وكان هذا اول خطأ نكتشفه بسبب هذا التاخير بعد الفخر ولانها تركت مكشوفة فتعرضت للرطوبة.

تحمس الصديق الفنان عبد الامير الجمالي لمساعدتي بنقل القوالب المفخورة الى شارع الشيخ عمر لسباكتها.

وذلك بعد ان حدد لنا الفنان الصديق وزميل الدراسة في المعهد النحات عبد السميع عباس موعدا مع احد الورش الصغيرة للسباكة, كان الاخ عبد السميع يعمل في احد الورش الصناعية للحدادة كمحاسب ومن خلاله استطعت ان اطلع على عمليات السباكة للمعادن وجمعت بعض المعلومات عن هذه الصناعة المحلية في شارع الشيخ عمر.

انجزنا اول تجربة سباكة للتماثيل في العراق, وبعد عملية السباكة بساعتيين فتحنا القوالب المسبوكة وهي لاتزال تحتفظ بحرارة عالية كانت النتائج فشل أحد القطع بسبب الرطوبة ونجاح القطعة الثانية بشكل كامل وهي عمل صغير صقيل السطح ورغم صغر حجمه اجريت عليه تجربة التجويف، كان نجاحه مزدوجا لتجربتين في أن واحد نظافة الصب، والتجويف.

وبعد عمليات القطع والتنظيف التي اجريناها في معمل الحدادة التابع للحاج (زبالة) والتي يعمل فيها الاخ عبد السميع عباس, لم نصدق انفسنا وطرنا فرحا الى معهد الفنون وقبل ان يصل الطلبة والاساتذة وضعت التماثيل البرونزية على طاولة الاستاذ صالح القرغولي لمفاجئته بنجاح التجربة.

عمت الفرحة بين طلاب فرع النحت والتهاني من كل صوب من الفنان اسماعيل فتاح وصالح القرغولي وكان أكثرهم فرحا الاستاذ فائق حسن والاستاذ كاظم حيدر حيث ترك هذا الحدث أثرا ايجابيا على علاقتي بهما ولمستها لاحقا.

للأسف لم تدم فرحتنا طويلا واثناء الاعداد لعملية الفخر الثانية وحماس بعض الطلبة الذين أبدو رغبتهم لصب اعمال لهم قررنا ان تكون هنالك جدولة لعمليات الفخر, كانت عملية الفخر الثانية لي والى الأخ عبد الامير الجمالي لحين ان يستعد باقي الطلبة من طلاب فرع النحت لتجهيز قوالبهم.

أقمنا معرضا مشتركا نحن مجموعة من طلبة الصف الثالث معهد الفنون الجميلة وعلى قاعة المعهد, افتتح المعرض الاستاذ رئيس قسم الفنون التشكيلية اسماعيل الشيخلي, وعرضت في هذا المعرض العملين البرونزيين (التجربة الاولى لصب التماثيل في العراق) بالاضافة الى تمثال جبسي بحجم مترين ومن الطلبة المشاركين في هذا المعرض ستار لقمان, طالب العلاق, شفيق النواب, ثريا النواب, أديبة فيضي القاضي, فلاح غاطي, جواد شيرخان. رغب الفنان ستار لقمان الاحتفاظ في العمل البرونزي الذي فشل في عملية الصب كذكرى فكان له ذلك. بعد منع العمل في المعهد لم اتوقف عن الاستمرار في التجارب ونقلت عمليات الفخر الى مسكن الوالد وفي زاوية حديقة الدار أقمت لي فرنا صغيرا يتسع لقطعتين أو ثلاث قطع.

انجزت خلال سنتين من التجارب عدة اعمال لي وبعض القطع للفنان عبد الامير الجمالي, طورت العمل وغيرت نسبة الخلط من 1× 4 الى 1 × 1,5 (جبس + سكري) واستقرت هذه النسبة لكل الاعمال التي أنجزت بما فيها تماثيل الفنان اسماعيل الترك ومعمل البرونز التابع لوزارة الشباب.

بعد تخرجي من معهد الفنون الجميلة وخلال دراستي في أكاديمية الفنون الجميلة وفي العام الدراسي 1967- 1968 وفي السنة الاولى تعرفت على الصديق الفنان حسام محمد علي العقيقي شكوت له أحد الايام عن مشكلة حدثت لي عند محاولة لحيم قطعتين من البرونز في الطريقة المعروفة بواسطة لحيم الاوكسجين فلم أفلح في ذلك حيث أنجزت رليف بحجم 90 × 45 سم بقطعتين.

اقترح علي استشارت أخيه الذي يملك معمل للحدادة وفعلا نقلنا الرليف البرونزي الى المعمل.

أستمر هذا المنهج في اللحيم الكهربائي بلرغم ان هذا الشئ غير متعارف عليه في صناعة التماثيل اتضح فيما بعد ان هذا الخطأ يعود الى عدم أستخدامنا السبيكة النظامية لصب البرونز بل استخدمنا المعدات البرونزية للمكائن التالفة (السكراب).

في نفس العام الدراسي أنقطعت عن الدراسة في أكاديمية الفنون وعملت في مجال التعليم في البصرة.

في صيف 1968 شاركت في معرض مع ثلاث فنانين وهم ستار لقمان, وطالب العلاق, واسماعيل خياط.

وعلى قاعة جمعية الفنانين العراقين في بغداد شاركت في هذا المعرض بخمسة اعمال ثلاثة منها برونزية بضمنها الرليف البرونزي والذي كان لغاية هذا التأريخ هو أكبر عمل برونزي سبك في العراق.

كان لقائي بشقيقي الفنان حسام محمد علي مهما جدا حيث تعرفنا من خلاله على انسان رائع هو الاسطة ابراهيم التكمجي الذي انظم الى مجموعة العمل التي نهضت في سباكة التماثيل في العراق, لقد كان مرشدنا في مجال السباكة تعلمنا منه الكثير, والشئ اللطيف بشخصية هذا الانسان انه فنان مسرحي وعضو فرقة مسرح اليوم التي يترأسها الاستاذ جعفر علي.

فاز الفنان اسماعيل فتاح الترك بمسابقة الشاعر معروف الرصافي والاتفاق مع امانة العاصمة ان ينجز التمثال بمادة البرونز كان القرار من قبل اسماعيل فتاح الترك بمثابة مجازفة كبيرة وصارحت اسماعيل بذلك وحجتي ان خبرتنا لا تتجاوز رليف 90 × 45 سم. فكيف يمكن أنجاز تمثال بحجم 3,5 متر مدور من البرونز.

في لقاء في جمعية الفنانين العراقيين مع اسماعيل فتاح واتحاد كريم وهشام صادق ناقشنا هذه المشكلة وأعددنا خطة عمل وتعهدنا الى اسماعيل ان نقف معه الى نهاية العمل وانظم لنا ايضا الفنان سليم مهدي والذي كان طالبا في معهد الفنون الجميلة فرع النحت، انجز اسماعيل تمثال الرصافي وساهم الفنان سليم مهدي معه في صب قالب النكتيف للتمثال.

في هذه الفترة ايضا تعاقد اسماعيل فتاح للعمل جدارية للمصرف الصناعي وبسبب قلقي طلبت من اسماعيل ان ننجز جدارية المصرف الصناعي أولا لان الجدارية رليف وتنفيذها أسهل من العمل المدور, في بداية الامر وافق اسماعيل بذلك وباشرنا في العمل. القلق بدء يساور اسماعيل ايضا تردد وطلب ان ننجز بورتريت الرصافي اولا. وفعلا تم انجاز هذا الجزء الاهم في تمثال الرصافي, كانت النتائج باهرة جدا وتبدد قلقنا, عدنا الى خطتنا الاولى وهي أنجاز جدارية المصرف الصناعي عند مباشرتنا في العمل وبعد انتهاء اول عملية فخر للقوالب فشلت عملية السباكة وكررنا العمل عدة مرات وكانت لنا أخطاء عديدة لغاية ان سيطرنا بشق الانفس على سير العمل ولولا بورتريت الرصافي الماثل امامنا وبدقة سباكته والذي مدنا بطاقة وثقة وبدونه لتحول الجو الى جو مأساوي فعلا.

أنجزنا جدارية المصرف الصناعي بصعوبة وبخسائر مادية الى اسماعيل فتاح بعدها مباشرة أنجزنا تمثال الرصافي وبدون مشاكل او أخطاء.

في النهاية يجب ان أذكر ان المؤسسين لهذه الصناعة في العراق والذين ساهموا في دعم هذا المشروع من الفنانين والحرفيين والذي ساهم في تطوير الحركة الفنية النحتية في العراق وأخرجها من قوقم تماثيل النحت الخشبية وهم الفنان المرحوم اسماعيل فتاح الترك والفنان المرحوم الاستاذ صالح القرغولي الفنان اتحاد كريم الفنان سليم مهدي عبد الله الفنان هشام صادق الفنان عبد السميع عباس الفنان عدنان مصطفى الطائي الفنان عبد الامير الجمالي الفنان مكي حسين مكي والاسطة ابراهيم التكمجي والاسطة عدنان اللحام.

الاسماء التي ذكرتها هي التي ساهمت وطورت سباكة البرونز في العراق لا غيرها.