مكي حسين.. من تماثيل الأسس إلى فضاء الحرير

مكي حسين.. من تماثيل الأسس إلى فضاء الحرير

عادل كامل

كاتب راحل

لنتخيّل أن الضوء لم يجد حاجزا، مصدا، موضعا يعترض مساراته، كي يستقر، أو يتجمع فيه، فهل باستطاعتنا أن نجد مقاربة لتحديد جوهر (الزمن) من غير تحوله إلى مكان، وهل باستطاعة المتلقي ـ حتى لو كان متخصصا في الفيزياء الحديثة ـ أن يعيد تحليل العلاقة بين الطاقة والكتلة، أو هل ثمة معنى (للجاذبية) من غير وجود الكواكب، النجوم، والمجرات...؟

سيقال: ما شأن هذه الانشغالات بفن النحت؟

ليس لدي إجابة مسبقة أبدا! ولكن لدي مشاهدات سمحت للنحت أن يتشكل مع تأسس التجمعات السكانية الأولى، مع اكتشاف النار، والمأوى، والشروع بالزراعة، وتدجين الحيوان، وبزوغ عصر: الآلهة الأم ـ للتعبير عن حتمية نشوء: أقدم وسيلة مستحدثة للتمسك بصناعة: المصير، أو المستقبل!

بالطبع يمكن إغفال الحتميات التي مهدت لتحولات المكان، ولغياب الزمن بفقدان آثاره، وتحول الكتلة إلى طاقة، ومنها تحولها إلى مجالات مازالت أدمغتنا لم تقترب منها، وان إعادة قراءة نظام المجرات، النجوم، والكواكب من غير جاذبية كالحديث عن كتلة خالية من المجال أو الفضاء...الخ

ولكن ما علاقة هذا بالنحت...؟

قبل أن يمتلك الدماغ قدرات على صياغة الأسئلة، والمباشرة بصناعة أدواته، ـ مأواه وطعامه وأمنه ولغته وتصوّراته ـ خلف سلاسل من المجسمات مازالت مقترنة بتاريخ النوع البشري، وتحديدا، بتاريخ أول صياغة تقنية مركبة لمفهوم: المصنع، ألا وهو: عصر الأم ـ إن كانت مازالت خارج حدود التاريخ المادي للإنسان ـ أو عندما هبطت من المجهول وتكون فوق الأرض..!

فالمتلقي اليوم يتمكن من العثور على مجموعات كبيرة من المجسمات/ التماثيل، ظهرت في البيئات التي تشكلت فوقها أولى القرى ـ والمدن ـ في مناطق جعلت من الأرض ـ قبل مليوني عام ـ قرية كبيرة، كحال عالمنا اليوم، في ظل هيمنة العولمة، وبرنامجها في تفكيك (المكان)، ومنح الفوضى قدرات اكبر على الهدم.

إلا أن الاختلاف بين الماضي السحيق وحاضرنا، لن يفهم بوضوح إلا بفهم المجال (المدى/ المسافة) بين الأجزاء المكونة للمكان، مهما كانت صغيرة أو كبيرة. ذلك لأن القوة المحركة المسؤولة عن المقدمات ونهاياتها، مازالت تعمل باللغز ذاته الذي وجد سمته في عدد من الآثار/ المخلفات، ومنها: النحت ـ الأدوات ـ وما دوّن باللغة من قصائد وتعويذات وملغزات أخرى.

هذه الإشارة تمثل ملاحظة سابقة على عصور: التحريم، والممنوعات، وتفكيك التجمعات السكانية، ألا وهي أن التجمعات السكانية الأولى، مهدت لصياغة أقدم علامة تجمعت فيها مجموعة كبيرة من الدوافع، الغايات، وصاغته عبر تماثيل: الأم.

ولا أهمية إن كانت تلك المجسمات تؤدي دور النذور، أو إشارة للاحتفال بمواسم الخصب، أو اعترافا بمكانة الأم ـ بوصفها أقدم مؤسسة يتم فيها إنتاج: أدوات الإنتاج، وأول شريعة سمحت للتعديل، التشذيب، والاختراع أن يكون فعلا لديمومة عصر الأم... الخ، إلا بوجودها (السكن/ المأوى) الواقعي وليس الافتراضي ـ أو الخيالي. فالنحت ـ بعد ذلك ـ وعبر الحضارات الزراعية الأولى ـ من وادي النيل إلى وادي الرافدين، ومن الهند إلى الصين، مرورا بالحضارات المماثلة، والأحدث اليونانية والإغريقية، وفي العديد من القارات...، لم يغب، ولم يندثر، بل اقترن بأنساق البناء، وصولا إلى عصر: العولمة ـ وما بعدها.

عند حافات الرواد

لم يصبح مكي حسين، نحاتا موهوبا، مرهفا ومنشغلا بالحريات، والجماليات، وحده خارج وطنه، الذي ولد فيه، بل هناك سلاسل من الهجرات المنضمة، ترجع إلى حقبة الاحتلال البريطاني ـ بعد الحرب العالمية الأول ـ ووجود منافي للعراقيين، خارج وطنهم، بدل تعرضهم لفقدان المواطنة، أو الحياة أصلا، ثم الهجرات المتعاقبة، بعد 1958، وعلى نحو أوضح، بعد عام 1963، والهجرات التي أكملت إعادة رسم خرائط العالم الجيو ـ سياسية، خلال الخمسين سنة الأخيرة، وهي هجرات اضطرارية، ليس طلبا (للعلم)، بل لتنفس الهواء، بعد أن صار نادرا في وطنهم. على أن الفترة التي نشأ فيها مكي حسين، ودرس الفن، وعرض أولى تجاربه النحتية، في ستينيات القرن الماضي، كانت بمثابة تكملة/ تتمة ـ بردود أفعالها ـ لجيل الرواد، ممثلا ببزوغ ثلاث جماعات فنية سرعان ما تحولت إلى مشاغل أتاحت لبلورة تقاليد فنية نتذكرها ـ بعد أكثر من ستين عاما ـ بحنين، وآسف إنها تكاد تغيب، وتندثر، وإنها لم تعد حاضرة إزاء مفاهيم التحديث، والحداثة، بعد أن تحول الوطن إلى منفى، أو سرداب لحفظ ما تبقى من المخلوقات البشرية.

ففي سنوات الستينات ـ محليا وعربيا وعالميا ـ كان المشهد يغلي؛ من الثورة الطلابية في فرنسا إلى الثورة الثقافية في الصين، ومن الكفاح المسلح في كوبا وأمريكا اللاتينية إلى أرجاء العالم، وهي الحقبة التي كانت فيها (الحداثة) الأوربية قد بلغت ذروتها، أو شيخوختها، فضلا عن تأزم الاشتراكية السوفيتية، وبزوغ عصر (التقنية) بوصفها أيديولوجيا للمستقبل ـ وتجدد (الرأسمالية) بمشروعات عابرة للقارات، وظهور الشركات المتعددة الجنسيات، وسيادتها وفرض نفوذها بصياغة نظام: حرية السوق... الخ وهي أحداث لم يكن باستطاعة (المثقف/ الفنان/ أو المواطن العادي) أن يمسك بمساراتها، وتعقيداتها، أو يفك ألغازها، ولكن هذا لم يمنع الكثير من المواهب أن تحافظ على (هويتها) إزاء الخلخلة، وتداخل التيارات، حد ظهور (العنف) كواجهة للنضال التحرري، كلها أسهمت في بلورة أفكر جيل مكي حسين، وأثرت فيه، ومنحت الفنان نزعة صريحة للتمرد على الأساليب التقليدية، من اجل بلورة اتجاهات تمثل عصرها، أو بما دعاه غوته: روح العصر.

لم تكن سنوات الستينات امتدادا لحقبة الرواد، إلا بوصفها الامتداد المغاير/ المضاد/ والمكمل لها، خاصة بعد حزيران 1967، كي يشكل عقد الستينات، فرصة للشك، والتشوش، والتجريب، في إطار البحث عن حلول تكمل مشروعات التحديث التي بدأت منذ ثلاثينات القرن الماضي، وفي شتى الحقول، ومنها الفن، والنحت تحديدا. فظهرت جماعة المجددين، الرؤيا الجديدة، كما ظهرت أسماء شابة واعدة لم تكن تعمل على تحويل الفن إلى (سلعة) أو مشروعا أحاديا للفن، بل عملت على عدم تجزئة الرؤية وتأسيس علاقة حيوية بين الفن والمجتمع، من ناحية، ومنح الفن مكانته في التحولات، كعلامة طليعية، من ناحية ثانية. وهكذا نشأت تجارب تداخلت فيها فنون الملصق، والكرافيك، وأصداء التيارات العالمية، غير الأوربية، كالمكسيكية، باستخدام الخامات المختلفة، وبالدرجة الأولى: منح التعبير جسورا نحو المتلقي العام، بدل محاكاة النماذج التقليدية، أو الواقعية بمعناها الفوتوغرافي، كي تظهر فعاليات ثقافية/ فنية، كأسبوع التضامن مع شيلي، وفلسطين، فضلا عن قضايا تحرر الشعوب...، بوصفها موضوعات تخص حرية الإنسان، في بلدان مازالت منكوبة بتراث مظلم من مخلفات عصور فقدان الهوية الوطنية.

وإذا كانت التأثيرات المباشرة ـ وغير المباشرة ـ للفكر اليساري، التقدمي، التحرري، قد بلورت ملامح هذا الجيل، فان سمة التجديد ستعمل على صياغة مفهوم الفن الطليعي، بعيدا عن كونه فنا مكملا ـ أو ديكورا ـ أو سياحيا حسب، بل يلتزم بإعادة النسج بالحرية التي يتمتع بها الفنان، كمفكر، وليس التي تتحكم برؤاه، أو بأسلوبه. فعلى العكس من النزعة الجمالية الأحادية، التي طالما كانت تدفع بالفن نحو الحياد، غدا التفاعل العضوي للفنان، مع المتلقي، ومع فنه، لإعادة إحياء المسارات المتجذرة في فنون الحضارات القديمة، ليس في استنساخها، أو محاكاتها، بل في إعادة قراءاتها بما يمتلكه الفنان من أدوات معرفية لا يمكن عزلها عن المجتمع، البيئة، والعصر...

في هذه السنوات بدأت مجسمات مكي حسين تشكل حضورها، إلى جانب تجارب: إسماعيل فتاح/ طالب مكي/ اتحاد كريم/ جوشن إبراهيم/ سليم مهدي/ مقبل جرجيس/ خلود سيف فرحان، فضلا عن نشاطات الرواد، بصورة عامة، وتمسكهم بأكثر الصياغات إقناعا: ديالكتيك المخيال بالذاكرة، أو المعاصرة بالموروث، كما في تجارب محمد الحسني، عبد الجبار البناء، صالح القرة غولي، عبد الرحمن الكيلاني، ميران السعدي... الخ، لتشكل هذه السنوات، روحا حية للمغامرة، كما وصفها الشاعر فاضل العزاوي في كتابة " الروح الحية".

مخفيات بأنساقها المتجددة

لم يقم مكي حسين بقراءة كنوز وادي الرافدين، بدءا بتماثيل الأسس، والأختام، وتماثيل بوابات المدن، والآلهة فحسب، بل اشتغل على استنطاقها لتتبع مساراتها الداخلية، المخبأة، وقدراتها على منح (التعبير) المكانة ذاتها للفنون المتكاملة. فلم يعزل النحت عن حقائق التقدم (العلمي) لتلك المجتمعات عند فجر السلالات في سومر، مع اختراع الكتابة، نظام الري، سبك المعادن، التعليم، الطب، الفلك، مجلس الشيوخ بجوار مجلس الشباب، وحقوق المرأة...الخ،* كما ذكرها صموئيل كريمر بتدشينات مبكرة للحضارة العراقية، ولها أسبقية، مقارنة بما كانت تنتجه الحضارات الأولى، قبل ستة آلاف عام. فلقد وجد مكي حسين نفسه يتلقى المعارف في المتحف العراقي ـ ذاكرته الجمعية ـ كي يواصل إكمال مشروعات جيل الرواد: جواد سليم ومحمد الحسني وخالد الرحال والكيلاني.

فالنحت لم يكن يؤدي دورا فوقيا، كما تؤديه الأصوات، الشعارات، والمؤثرات الأخرى، بل هو الأساس الذي بنيت عليه أصول: البيت/ المصنع/ والمعبد. فقد أدرك إن (الكتلة) ـ كالضرورات التي قادت السومري إلى بلورة نظام العدد/ الحساب، والى الزمن بدراسة حركة الكواكب ـ ما هي إلا تضافر روافد انصهرت لتشكل مفهوما دنيويا ـ روحيا بدرجة لا يمكن فصلهما عن البعض. فتماثيل الأسس ستتحول لديه إلى الرابط ـ الجسر ـ بين الأرض والسماء، بين الحاضر ـ المستقبل...، لأن هذه الجسور تمنح الحركة ديناميتها الاجتماعية/ المعرفية في نهاية المطاف. ومع إن مكي حسين اعتنى بدراسة الخامات، إلا انه، قبل ذلك، تلمس اللغز (الجمالي/ الروحي) لدور المجسمات/ مع المعمار، في بناء النظام الاجتماعي المتكامل، والموحد. مثلما تعلم أن الرؤية الذاتية هي مسار دقيق للحرية الإبداعية بشروطها التاريخية ـ المادية ـ وما تمثله من قيم رمزية هي جزء من المعتقد العام لتلك المجتمعات.

فالسنوات التي أبصر فيها النور ـ بعد قرون طويلة من الظلمات ـ سمحت له أن يحفر في هذه العلاقة، ويعمل على تطوير مشروع الفن الحديث، وطنيا.

ولعل أول تمثال برونزي أنجزه، قبل أن ينشغل في اختيار (المربع) (القيد) هو تمثال الرجل صاحب الجناح، يسمح للماضي أن يمتد، أو بالأحرى: أن لا يموت أو يغيب، وفي الوقت نفسه، أن لا يسمح للحاضر بالارتداد. فالحرية ـ هنا ـ شبيهة بالضوء والجاذبية والطاقة ـ توق للتسامي بالدرجة الأولى. هذا المجسم ـ الشبيه بنماذج نحتية لا تحصى في النحت العالمي أيضا ـ تلخص رؤيته للدور الذي يؤديه الفن ـ في عقد الستينات من القرن العشرين ـ نموذجا لتماثيل بوابات المدن، الساحات، والأختام، ولتماثيل الآلهة إنانا/ الأم...، صحيح انه لم ينجز بالحجر أو بالخشب، إلا أن خامة (البرونز) ستذكرنا بنموذج (العجلة) السومرية، وبقناع الإمبراطور سرجون، في أكد...، حيث الإنسان بنزعته اللاواعية للطيران، استمد احد أسس (التحديث) في عالم تزداد مصائر كائناته تعقيدا، ومأساوية.

فإذا كانت الحداثة الأوربية، قد بلغت ذروتها، بتدشين زمن الحرب الباردة، وإعادة رسم خرائط العالم، فان عالم ما بعد (الحداثة) لم يكن ليؤثر في مسار شعوب مازالت ترزح تحت أوزار عهود طويلة من فقدان الحرية ـ والاستقلال. شعوب لا تنتج إلا قهرها، بعناد تنتهك فيه مصائر كل من يعمل على دحض الرداءة، أو الخلاص منها. فتوهجات، صخب، والتباسات العقد الستيني التي لم تدم طويلا، ستترك أثرا يسمح للحفاظ على استقلالية (الفن) بأداء دوره الطليعي.

فظهرت منحوتاته المبكرة المعنية بدراسة العلاقة بين المربع ـ والإنسان، متجاوزة المعنى الأحادي للتأويل، ولكن بإيحاء يبلور المجال الدينامي لعلاقة الإنسان ـ بالحياة. فالمربع قد يعني: التاريخ ـ وقد يرمز للقدر ـ أو للسلطة، أو للموت، أو لغياب شروط الحياة الأساسية.... الخ، إلا أن العلاقة ستلقي المزيد من الضوء على مفهوم (الصراع) و (الحركة) ومنح النحت مكانته ـ الأولى في حضارة وادي الرافدين وفي الحضارات الأخرى ـ بوصفه لا يعمل عمل (الأصوات) أو (الشعارات)، بل ابعد منها، وأكثر حفرا ً في الأعماق.

فإذا كان الفيلسوف الألماني (مارتن هايدغر) قد قال بان الشعر هو ما يبقى، فإننا إزاء ديمومة ليست مغايرة للشعر: الزمن/ الضوء، الجاذبية أو المديات أو المجالات الأبعد...الخ وقد وجدت علاماتها مجتمعة في النحت، بل في النحت لأنه ـ تاريخيا ـ أقدم تحد للزائل ـ وأقدم كفاح في مواجهة الغياب.

فعندما يمتلك النص النحتي ـ حتى الرسمي منه كما في رليف اللبوة الجريحة في العصر الآشوري، الذي لفتت انتباه جواد سليم ذاكرا كم من الرهافة والإنسانية فيه ـ قدرة تنصيص، أو احتواء، أو صهر، أكثر الأسئلة والأفكار، فانه سيحافظ على ديمومة غير قابلة للدحض: استغاثات اللوعة البشرية بين القهر والانعتاق، بين الجبر والحرية، بين العقل والفوضى، بين الحوار وتكميم الأفواه، بين النظام والعشوائية المنتهكة لكل أشكال الإبداع، عدا التدمير..، وبين العدالة والقهر.

كانت السنوات التي درس مكي حسين الفن فيها، وباشر بعرض منحوتاته، كانت بعض أكثر العلامات قد رسخت (قسما / انتماء) لصالح المكان ـ الوطن ـ الجسد (بوصفها علامات مركبة)، كتجربة محمود صبري. على إن الأخير لم يكتوي بالنفي، بعد أن غادر وطنه، بل عندما كان يحفر في الظلمات التي حملت قرونا عملت على تدجين جينات الذات ـ والمجموعات ـ والسماح لها ببرمجة البقاء تحت شروط العبودية. فالمواكب الجنائزية التي رسمها محمود صبري، مع تسليط الضوء على موضوعات انتهاك حقوق الطفل، المرأة، والحياة عامة، في خمسينيات القرن الماضي، لم تكن دوافعها ذاتية ـ بيولوجية ـ إلا للارتقاء بها نحو نقد بنية الظلم، ونظام العبودية، التي ظهرت إنها تمتلك النظام ذاته للمراكز ـ المحيط، بقانونها الهرمي، وإنها تواصل تجديد قدراتها على الهيمنة.

على إن تأثيرات محمود صبري، ستتصدع، بعد أن اختار (واقعية الكم) حيث ظهرت أسماء فنية (رائدة) تعيد لقسم ابقراط قدرته على مقاومة القيود ـ والرضوخ لديمومة القهر. أسماء فنية عرفها مكي حسين، عن قرب، مثل كاظم حيدر في تجربته (الشهيد/1965) وتجربة محمد مهر الدين بصراحتها وهي تدخل عناصر الملصق/ الكرافيك، في نسيج النص التشكيلي...، لكن حضور إسماعيل فتاح، سيشكل منعطفا لتجارب دفعت بالذاتي نحو ذروته، مثلما لم يترك للموضوعية إلا أن تتعرض للهدم. فالذي كان يقلق فتاح، ليس الموت/ الحب، شعار (إنانا)، أو جدلية الفكر العراقي برمته، بل قدرات (الذات) غير المحدودة بإعادة قراءة مصائر تحدق في المجهول.

فلم يكن لدى مكي حسين سوى جسد: إنانا ـ الآلهة الأم ـ ومشفرات الجسد، بإعادة صياغة المصير، ومواجهة (القدر) بإرادة (الحرية، كمساحة اختلاف بين القيد/ الظلم، وما يتضمنه الفن من خطاب كونته أحلام الموتى على مدى قرون من التراجع بعيدا عن التاريخ ـ وتاريخ الحضارة)، فلقد اختار النحات: الجسد/ المسمار، إشارة محورة لتماثيل الأسس السومرية أكثر منها إيحاء بأجساد جايكومتي، النحيلة، لأن الأخير، في الأصل، استمد الكثير من منهجه (رؤيته)، من الحضارات القديمة، والمصيرية تحديدا، فالجسد، كي يقاوم، يتخلى عن البيولوجي ـ الفسلجي، ليمتلك معالجة معرفية/ فنية، توحد عبرها إرادة الحياة، بمنح التأمل الوجودي قدرات اكبر على التعبير...، لأن التعبير ـ عامة ـ لا يذكرنا بما أنتجته الحرب العالمية الأولى، والثانية، من: صراخ ـ وعويل، وفضح لسلاسل من الإبادات التي شهدتها أوربا فحسب، بل بالتاريخ الأقدم، والأكثر حداثة، للصراع الذي ما انفك ينتج مليارات الأجساد المعرضة: للانتهاك ـ العبودية، النفي، والاستغلال.

ولأن مكي حسين، لم يعزل مهمة بناء النص الفني عن جوهره المعرفي، حتى لو كان جماليا خالصا، فانه ما انفك يحفر في الجسد المكتوي ـ عبر الحياة اليومية وما تتعرض له حقوق (الإنسان) في الثلث الأخير من القرن العشرين، وأمام أنظمة تدعي إنها ذاقت مرارات الحروب...، فصار الجسد ـ المستعاد من مدافن أور، انشغالا منح موضوعاته نسقها التعبيري ـ بأصول مستمدة من تأملاته للأجساد وقد فقدت ملامحها، واستحالت إلى أشباح. وكأن منحوتات مكي حسين، تعيد قراءة القانون الأقدم، وهو الأكثر حداثة أيضا، بما يواجهه الجسد من تدمير منظم، قصد إعادته إلى أصله: البيولوجي ـ وليس إلى شعار: يولد الإنسان حرا...، ولكن النحات لم يترك (القيد) ـ حتى لو كان قدرا أو نهاية حتمية لإنتاج المراكز والمهمشين من الضحايا ـ رمزا لجماليات السلطة، وهي منشغلة بصناعة المزيد من الجثث، أسوة بصناعة الموت، واستحداث جماليات للإبادة، بل علامة تنتج وعيا مغايرا لتفكيكها، وهدمها، من اجل عدالة لا تقسم البشر إلى: ما فوق الصيادين ـ والى ما تحت الطرائد.

لقد اكتوى الفنان ـ بوعيه المرهف ـ بما كان يحدث في بلدان لم يسمح لها حتى بإنتاج غذائها الزراعي، وبتطوير صناعاتها الأولية، وهي تحاصر بوعي (الأصوات/ الشعارات/ والوعود)، وليس بما يجعلها قادرة على تحقيق جدلية إن: التنمية (للجسد/ الإنسان)، هي المفتاح الذي يدور في القفل، من اجل عواصم تحولت إلى قرى، وليس إلى أسواق للمنافسة، والى ساحات حروب صار فيها ابقراط نفسه ـ نادما ًعلى قسمه، لأن أحدا من صانعي الجثث لا يريد سماع حكمته الموضوعية، بوصفها ليست نزعة ذاتية إلا وهي تعمل على إطالة عمر (الحرية)، وليس زمن الظلمات ـ والخراب.