أحمد أمين.. مؤرخ الحياة العقلية في الإسلام

أحمد أمين.. مؤرخ الحياة العقلية في الإسلام

محمد ولد محمد سالم

ينتمي الكاتب أحمد أمين (1886 - 1954) إلى أدباء ومفكري عصر النهضة العربية الذين حملوا لواء العصرنة والتنوير على مستويات الفكر والأدب والتاريخ، فقد خاض بقلمه السيال في كل تلك المجالات، وكان ذا أسلوب جميل وعقل أريب، واطلاع واسع على العلوم الإنسانية الحديثة، إضافة إلى ما حصّله من علوم العربية والشريعة وعلم الكلام في الأزهر الشريف الذي تعلم فيه، وحصل على شهادته.

تدرج أحمد أمين في تعليمه من "الكُتّاب" إلى المدرسة الابتدائية إلى الأزهر إلى "مدرسة القضاء الشرعي" التي كانت تدرس مواد متعددة، دينية ولغوية وقانونية عصرية وأدبية، حيث نال منها شهادة القضاء سنة 1911م، ونظراً لتفوقه اختاره عاطف بركات ناظر مدرسة القضاء الشرعي، ليكون معيداً بنفس المدرسة، وكان عاطف بركات ناظراً ذا كفاءة فكرية وعلمية عالية وأخلاق رفيعة، أثر بها في أحمد أمين الذي صادقه وصحبه ثمانية عشر عاماً، فتعلم منه العدل والحزم والثبات على الموقف، وكان يعلمه كل شيء في الدين والقضاء وفي تجارب الناس والسياسة، حتى أن أحمد أمين أُقصي عن مدرسة القضاء الشرعي بسبب وفائه لأستاذه، بعدما قضى بها 15 عاماً نال فيها أكثر ثقافته وتجاربه، لذلك قال عن تركه لها: "بكيت عليها كما أبكي على فقد أب أو أم أو أخ شقيق"، وأصبح له نشاط موازٍ في الكتابة والتأليف، وفي تلك الفترة انكب على تعلّم اللغة الإنجليزية حتى أتقنها، وفي عام 1926م عرض عليه صديقه طه حسين أن يعمل مدرساً في كلية الآداب بجامعة القاهرة، فعمل فيها مدرساً، ثم أستاذاً مساعداً إلى أن أصبح عميداً لها في 1939.

أنشأ أحمد أمين مع بعض زملائه سنة 1914م "لجنة التأليف والترجمة والنشر" وظل رئيساً لها حتى وفاته 1954م، وكان للجنة أثر بالغ في الثقافة العربية، إذ قدمت للقارئ العربي ذخائر الفكر الأوروبي في كل فرع من فروع المعرفة تقديماً أميناً محايداً، كما قدمت ذخائر التراث العربي مشروحة، وشارك في إنشاء "مجلة الرسالة" (1936م)، وكذلك أنشأ مجلة "الثقافة" الأدبية الأسبوعية (1939م)، وفي 1946م بعد توليه الإدارة الثقافية في وزارة المعارف، أنشأ ما عرف باسم "الجامعة الشعبية" وكان هدفه منها نشر الثقافة بين الشعب عن طريق المحاضرات والندوات، وفي نفس الفترة، أنشأ "معهد المخطوطات العربية" التابع لجامعة الدول العربية.

معارك فكرية

كتب أحمد أمين المقالات الصحفية، وأسهم في النقاشات الفكرية والأدبية التي كانت دائرة في مصر في النصف الأول من القرن العشرين، وأثرى بمقالاته مجلات مثل "الرسالة" و"الثقافة"، ومن أهم معاركه الثقافية تلك التي خاضها مع الدكتور زكي نجيب محمود الذي كتب مقالاً انتقد فيه محققي التراث العربي، وقلل من أهمية نشر ذخائره، ورأى أن الفكر الأوروبي أجدر بالاهتمام والنشر، وأن ترجمته أولى من صرف الوقت في نبش الغبار عن ذلك الماضي الثقافي العربي، الذي وصف كتبه بأنها "الكتب القديمة المبعوثة من قبرها"، ثم قال: "سيمضي الغرب في طريقه، وهو يحاول الصعود إلى ذرى السماء، ونحن نحفر الأجداث لنستخرج الرِّمم"، وأثارت هذه المقالة أحمد أمين فتصدّى للردّ عليه، ودافع بقوة عن الحضارة العربية وثقافتها، ورأى أنها هي التي مهدت للمدنية الغربية الحديثة، ورأى أنه لو لم تكن للتراث العربي قيمة فكرية وحضارية، لما انشغل به المستشرقون، واهتموا بنشر ذخائره.

كان أحمد أمين غزير الإنتاج منصرفاً إلى الدرس والمطالعة والبحث، فألف ما يربو على 16 كتاباً، وشارك في تأليف وتحقيق عدد من الكتب الأخرى، وترجم كتاباً في مبادئ الفلسفة، ومن أشهر كتبه: "قصة الأدب في العالم" و"فيض الخاطر" و"النقد الأدبي" في جزأين و"زعماء الإصلاح في العصر الحديث" و"إلى ولدي" و"حياتي" و"قاموس العادات" و"الصعلكة والفتوة في الإسلام".

وتعد سلسلة "فجر الإسلام، وضحى الإسلام، وظهر الإسلام" التي ألفها أحمد أمين أهم كتبه، وأكثرها شمولية وتأثيراً في تاريخ الثقافة العربية الحديثة، فقد قدم فيها دراسة متكاملة عن الحضارة العربية الإسلامية، وتاريخ العقل والفكر في تلك الحضارة، وقد صدرت عام 1929، وتعتبر أول دراسة معمقة لتاريخ العقل الإسلامي، بمنهج تاريخي علمي رصين، اجتهد صاحبه في جمع كم هائل من المعلومات، وبذل طاقة جبارة في التحليل والاستنتاج، فخرج برؤى فكرية تصف أسس ذلك العقل، وتحدد معالم الشخصية الإسلامية، بلغة علمية مباشرة ومجردة، وقد قال عنه طه حسين في مقدمته لكتاب "ضحى الإسلام"، إنه: "قصد إلى عمله في جد وأمانة وصدق، وقدرة غريبة على احتمال المشقة والعناء، والتجرد من العواطف الخاصة. والأهواء التي تعبث بالنفوس، فوفق من ذلك إلى أعظم حظ يستطيع العالم أن يظفر به في هذه الحياة، قد استقصى فأحسن الاستقصاء، وقرأ فأجاد القراءة، وفهم فأتقن الفهم، واستنبط فوفق إلى الصواب. قد فتح في درس الأدب العربي باباً وقف العلماء والأدباء أمامه (طوال هذا العصر الحديث) يدنون منه ثم يرتدون عنه، أو يطرقونه فلا ينفتح لهم، ووفق هو إلى أن يفتحه على مصراعيه، ويظهر للناس ما وراءه من حقائق ناصعة، يبتهج لها عقل الباحث والعالم والأديب".

جهد خارق

درس أحمد أمين في كتابه "فجر الإسلام" تاريخ العرب قبل الإسلام ثم ظهور الإسلام وانتشاره، في صدر الإسلام والدولة الأموية، كما تناول شرائع الإسلام وأخلاقه، مبرزاً القيم الجديدة التي جاء بها، وما كان لها من تأثير في حياة الفرد نشأ عنه تحول وتهذيب للإنسان، وفي "ضحى الإسلام" تناول العصر العباسي الأول إلى نهاية المئة الأولى من حكم العباسيين، أما كتابه "ظهر الإسلام" فقد خصصه لفترة تتناول في جملتها الحركات الاجتماعية والأدبية والفِرَقَ الدينية التي ظهرت في العصر العباسي الثاني، ويرتكز محور التحليل في الجزء الأول على وصف الحالتين الاجتماعية والعقلية بما اشتملت عليه الأخيرة من أعلام وتيارات ومدارس. وينتقل المؤلف في الجزء الثاني ليتناول تاريخ العلوم والفنون والآداب في القرن الرابع الهجري، أما الجزء الثالث فيخصصه المؤلف لدراسة الحياة العقلية في الأندلس منذ أن فتحها المسلمون إلى أن أُخرجوا منها، ويتناول الجزء الرابع المذاهب والعقائد الإسلامية وتطورها وصراعها ومستقبلها.

لقد جاءت تلك السلسلة التي بذل فيها أحمد أمين جهداً خارقاً في لحظة تاريخية مهمة من عصر النهضة الحديثة، وكانت الساحة الثقافية بحاجة إلى تفكير مستنير، ورؤية عميقة للإسلام لكي تستطيع أن تواجه الدعوات المغرضة التي قامت ضده في تلك الفترة، فكان أحمد أمين هو خير من يتصدى لهذه المهمة، بعقله الراجح وعلمه الواسع.

زعماء الإصلاح

ومن كتب أحمد أمين المهمة في تاريخ الفكر الإسلامي الحديث كتابه "زعماء الإصلاح في العصر الحديث" الذي تناول فيه التجارب الإصلاحية الإسلامية التي ظهرت خلال العصر العربي الحديث، وكان مساهمة مهمة في توثيق تاريخ أولئك المصلحين، وقد أصبح هذا الكتاب مرجعاً لكل من يدرس تلك الحقبة من تاريخ العمل النهضوي الإسلامي، وتياراته، وأطروحاتها الفكرية، فقد تناول تقريباً كل التجارب المعروفة، محللاً ومقارناً ومستنتجاً، من دون إغفال للسياق الحضاري الذي كان يعيشه أولئك المصلحون والمشكلات التي تصدوا لها، وأرادوا حلها، والأهداف التي قصدوها، وقد تناول الكتاب بالدراسة عشرة من المصلحين هم: محمد بن عبد الوهاب، ومدحت باشا، وجمال الدين الأفغاني، وأحمد خان، وأمير علي، وخير الدين التونسي، وعلي مبارك، وعبد الله النديم، وعبد الرحمن الكواكبي، ومحمد عبده.

· عن صحيفة الخليج