رسالة إلى ولدي

رسالة إلى ولدي

أحمد أمين

أي بني:

إني لأعلم أنك قد خلقت لزمن غير زمني، وربيت تربية غير تربيتي، ونشأت في بيئة غير بيئتي — لقد كنت في زمني عبد التقاليد والأوضاع، وأنت في زمن يكسر التقاليد والأوضاع، وكنت في زمن شعاره الطاعة، الطاعة لأبي ولأولياء أمري، وأنت في زمن شعاره التمرد،

التمرد على سلطة الآباء، وعلى المعلمين وعلى أولي الأمر — وتعلمت أول أمري في كُتَّاب حقير، نجلس فيه على الحصير، ويعلمنا مدرس جبار، يضرب على الهفوة وعدم الهفوة، ويعاقب على الخطأ والصواب، ويمرن يده بالعصا فينا كما تمرنون أيديكم على الألعاب الرياضية. وأنت تعلمت في روضة الأطفال حيث تشرف عليك آنسة رقيقة مهذبة، وتقدم لك تعليم القراءة والكتابة في إطار من الصور والرسوم والأغاني وما إلى ذلك. وكنت أعيش في كتَّابي على الفول النابت والفول المدمس، وأنت تعيش في روضتك على اللبن والشاي والبسكويت وما إلى ذلك أيضًا.

ثم لما صبوت تعلمت في المدارس الفرنسية حيث تنقل إليك في تعاليمها كل أساليب المدنية الغربية — وتربيت أنا في وسط كله دين — دين في الكتب ودين في الحياة الاجتماعية ودين في أوساطي كلها. وتربيت أنت في مدارس أو جامعات لا يذكر فيها الدين إلا بمناسبات. وكان يذكر الدين في وسطنا دائمًا ليحترم، وكثيرًا ما يذكر الدين في وسطك ليهاجَم. ونشأت في وسط لا تذكر فيه السياسة إلا لمامًا، ونشأت في وسط كله سياسة وإضراب وأكثر من الإضراب. ونشأت في وسط لا يعرف المرأة إلا محجبة، ولا يعرف فتاة إلا أن تكون قريبة، ونشأت أنت في وسط تجالسك الفتاة في جامعتك وتشاهدها في أوساطك وقد أخذت من الحرية مثل ما أخذت؛ ولو عددت لك الفروق بيني وبينك، في زمني وزمنك، وتعليمي وتعليمك، وبيئتي وبيئتك، لطال الأمر.

ولكن برغم كل هذا فالفروق مهما كانت فروق جزئية، ولا يزال بيني وبينك وجوه شبه أعمق من هذه المظاهر، فالتغيرات بين الناس مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة تغيرات سطحية وأمور عرضية؛ أما الإنسان في جوهره والجمعيات البشرية في نزعاتها الأصيلة فترجع إلى أصول واحدة، ومن أجل هذا كانت تجارب السلف تفيد الخلف. فلأقص عليك شيئًا من تجاربي التي أعتقد أنها تفيدك، مهما اختلفت بيئاتنا ومدارسنا وثقافتنا.

•••

أهم ما جربت في حياتي أني رأيت قول الحق والتزامه، وتحري العدل وعمله، يكسب الإنسان من المزايا ما لا يقدر، لقد احتملت في سبيل ذلك بعض الآلام، وأغضبت بعض الأنام، وضاعت عليَّ من أجله بعض المصالح، ولكني برغم ذلك كله قد استفدت منه أكثر مما خسرت، لقد استفدت منه راحة الضمير، واستفدت منه ثقة الناس بما أقول وما أعمل، واستفدت منه حسن ظنهم بما يصدر عني ولو لم يفهموا سببه، ومع هذا فقد استفدت منه أيضًا ماديًّا أكثر مما استفاد غيري، ممن لم يلتزموا الحق ولم يراعوا الصدق والعدل. لقد وُجدت في أوساط كثيرة وعاشرت زملاء كانوا يرضون رؤساءهم أكثر مما يرضون ضمائرهم، ويقولون ما يعجب الناس لا ما يعتقدون أنه الصدق، ويرتكبون الظلم طلبًا للجاه أو العلو في المنصب، ومع هذا فقد ربحوا قليلًا وخسروا كثيرًا. لقد خسروا الفضيلة وخسروا الضمير، وفازوا بقليل من الحظ العاجل تبعه كثير من الفشل الآجل. فلو حسبت بالدقة ما كسبت وما خسرت وما كسب هؤلاء وما خسروا لوجدتني أسعد حالًا وأوفر حظًّا. فإذا أردت أن تنتفع بتجربتي فالتزم الحق والصدق والعدل في جميع أعمالك مهما تكن النتيجة.

نعم رأيت من زملائي من تمسكوا بهذه الفضيلة فخسروا كثيرًا وفشلوا فشلًا ذريعًا، ولكن لم يكن عيبهم أنهم التزموا الحق والصدق والعدل، بل عيبهم أنهم التزموا هذه الصفات في سماجة، فقالوا الحق في غير أدب والتزموا الصدق في غير لباقة، وتحروا العدل في غير لياقة، فلم يكن الذنب ذنب الحق، ولكن الذنب ذنب السماجة. فتعلَّم من هذا أن تقول الحق في أدب وتتحرى العدل والصدق في لباقة ولياقة. فمن غضب بعد ذلك كان الذنب ذنبه ولا ذنب عليك، ولا تتعجلن النتيجة فقد تمس من الحق نارًا، ويهب عليك من العدل لفحة جحيم، ولكن ذلك أشبه ما يكون بالامتحان، إن صبرت له انقلبت النار جنة واللفحة الحارة نسيمًا عليلًا.

ومن أهم تجاربي أيضًا أني رأيت كثيرًا من الناس يخطئون فيظنون أن المال هو كل شيء في الحياة. يبيعون أنفسهم للمال ويحاولون أن يتزوجوا للمال ويضيعون أعمارهم للمال، ويفرطون في الفضيلة للمال، وقد أقنعتني التجارب أن المال وسيلة من وسائل السعادة حقًّا؛ بشرط أن يطلب باعتدال وينفق في اعتدال، وبشرط ألا يكون ما تحصله كثيرًا جمًّا، فتنقلب عبدًا له، وبشرط أن يبقى المال وسيلة أبدًا ولا ينقلب غاية أبدًا. فإن أكثر الناس وقعوا في متاعب شتى من هذه الأخطاء.

فمنهم من بدأ حياته يطلب المال على أنه وسيلة ثم استمر في طلبه بعد أن استوفى حاجته منه فانقلب غايةً، ومنهم من صرف حياته وتفكيره في المال وفي الاستزادة منه حتى فقد سعادته بل وفقد نفسه، وقد دلتني التجارب على أن أسعد الناس من وضع المال في موضعه اللائق به، فلم يرفضه رفضًا باتًّا ولم يذل له ذلًّا تامًّا. ونظر إلى المال على أنه وسيلة من وسائل السعادة لا كل السعادة، ولم يطلبه إلا مع الشرف والعزة والإباء. فإن تعارض معها ضحى المال للفضيلة والغنى للضمير.

ودلتني التجارب على أن عنصر الدين في الحياة من أهم أسباب السعادة. ولكن أصدقك أنه لم يعجبني موقف زماننا من الدين ولا موقف زمانك، فقد كان الدين في زماننا متزمتًا لا سماحة فيه، متشددًا لا لين فيه، مغلقًا لا عقل فيه، والدين في زمانكم متضائل لا حياة فيه، منسي لا ذكر له، موضوع على الرف لا يؤبه به. والحياة السعيدة كما دلتني التجربة حياة ترتكز على الاعتقاد بإله يركن إليه ويعتمد عليه، وتستمد منه المعونة ويطلب إليه التوفيق في الحياة، ويملأ القلب رحمة وعطفًا وحبًّا لخير الإنسانية. يعجبني من الدين أن يكون سمحًا لا غلظة فيه، وألا يكون ضيق الأفق فيناهض العلم، بل يؤمن صاحبه أن له مجاله وللعلم مجاله، وأن الدين الصحيح لا يناقض العلم الصحيح، وأن لا بد منهما جميعًا للإنسانية، فالعلم لحياة العقل والدين لحياة القلب.

هذه، يا بني، بعض تجاربي في الحياة وما أكثرها! ولكني أخشى أن أطيل عليك فتمل، وأحب أن أقدمها إليك جرعة فجرعة لتستسيغها وتتذوقها وتأخذ نفسك بتشربها رشفة فرشفة. أذكر لي رأيك فيها وموقعها عندك ومبلغ استعدادك لقبولها، وفي ضوء ما أسمع منك ستتوالى عليك كتبي إليك، تقدم إليك تجاربي كأسًا فكأسًا.

والسلام عليك ممن يحب لك الخير ويود أن تكون خيرًا منه، ويتمنى أن يحيا فيك خيرًا مما حيَّى في نفسه والسلام.

· عن كتاب الى ولدي