أحمد أمين أديبا ومؤرخا

أحمد أمين أديبا ومؤرخا

د. أحمد زكريا الشلق

هو أحد أعمدة الثقافة والفكر من رواد نهضتنا الأدبية فى النصف الأول من القرن العشرين، لم ينل مايستحقه من اهتمام وتكريم، بل ربما لايعرفه الكثير من شباب هذا الجيل. لقد لحق من رواد الجيل السابق عليه الإمام محمد عبده ولطفي السيد وقاسم أمين،

ثم كان مجايلا للطفي السيد وطه حسين وعباس العقاد وأحمد حسن الزيات والدكتور محمد حسين هيكل وأمين الخولى وإبراهيم المازني وتوفيق الحكيم وإبراهيم مدكور وغيرهم. .ولم تلق مؤلفاته العناية اللائقة بأهميتها، خاصة موسوعته القيّمة عن فجر الآسلام وضحاه وظهره، وقد كتب سيرة ذاتية ممتعة لحياته تحت عنوان حياتى صدرت طبعتها الأولى سنة 1950. . وضرب فيها مثلا أعلى يحتذى بها الشباب فى قوة الإرادة والإصرار والقدرة على الانجاز، بالرغم من أنه ـ حسب تعبيره فى تواضع جمّ ـ ليس بالسياسى العظيم ولا صاحب منصب خطير ولا بالزعيم المصلح المجاهد. . وإن كانت سيرته تدل على أنه لايقل عن هؤلاء تأثيرا وإنجازا فى ثقافة وفكر وطنه وأمته.

وتفيد سيرته بأنه من أسرة فلاحية مصرية فى إحدى قرى محافظة البحيرة، تعيش على زراعة نحو اثنى عشر فدانا، توالى عليها ظلم السخرة وتحصيل الضرائب الفادحة حتى هجرعائلها القرية إلى القاهرة، وهو الأخ الأكبر لوالده، ليستقر فى حى المنشية بقسم الخليفة، حيث ولد كاتبنا فى أكتوبرعام 1886، وهناك تلقى تعليمه الأولى، ثم إن عمّه وجه أخاه أمين نحو التعلم وحفظ القرآن للالتحاق بالأزهر، وقد عمل الوالد، إلى جانب ذلك، مصححا فى المطبعة الأميرية ببولاق أحيانا ومدرسا فى مدرسة حكومية أحيانا أخرى. وكانت الدراسة بالأزهرآنذاك صعبة مرهقة، لكن والده صبر عليها ليحمل عبئه عن أخيه. وعندما تحسنت حالة الوالد بنى لهم بيتا مستقلا، كان أكثر مافيه وأثمنه الكتب، لذلك: كانت أهم مدرسة تعلمت فيها دروسى فى الحياة بيتى.

كان بيتهم محكوما بسلطة أبوية تشعر شعورا قويا بواجبها نحو تعليم الأولاد، فكان والده يعلمهم بنفسه ويشرف على تعليمهم فى مدارسهم، ولم تكن المدنية قد غزت البيوت بعد، خاصة بيوت الطبقة الوسطى التى ينتمى إليها. وقد عمل الوالد مدرسا فى الأزهر وإماما فى مسجد الإمام الشافعى، لذا كان الشعور الدينى يغمر بيتهم، وقد استقر هذا الشعور فى أعماق قلبى إيمانا بالله لاتزلزله الفلسفة ولا تشكك فيه مطالعاتى فى كتب الملحدين.. لقد ولدت عقب الاحتلال الإنجليزى بنحو أربع سنوات، ولم يكن الفرنج قد بثوا مدنيتهم إلا فى أوساط من يحتك بهم من الأرستقراطيين، أما الشعب نفسه فى الأحياء الوطنية ـ كحينا ـ فلم يأخذ بحظ وافر منها.

كانت الحارة وماحولها مدرسة ثانية تعلم فيها الطفل اللغة العامية القاهرية بألفاظها وأساليبها وأمثالها وزجلها، كما تعلم منها كل العادات والتقاليد. ولعله اختزن الكثير منها، على ما ظهر فيما بعد عندما ألف قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية (1953)، أما المدرسة الثالثة فكانت الكتّاب الذى تعلم فيه مكرها، ولذا تنقل فى أربعة كتاتيب لمدة خمس سنوات حفظ فيها القرآن وتعلم القراءة والكتابة، حتى أدخله والده مدرسة "أم عباس" (بنباقادن) الابتدائية. وذكر" أنه لبس بدلة بدل الجلباب وطربوشا بدل الطاقية، وأحسست علوا فى قدرى، وخالطت تلاميذ من الطبقة الوسطى أو العليا. . لقد كان والدى حائرا فى مستقبلى، أين يوجهنى هل إلى الوجهة الدينية فيعدنى للأزهر، أو يوجهنى الوجهة المدنية فيعلمنى فى المدرسة الابتدائية والثانوية؟ إلى أن حسم الأمر وأخرجنى من المدرسة إلى الأزهر فى سن الرابعة عشرة، ولبست القباء والجبة والعمة والمركوب بدلا من البدلة والطربوش والجزمة.. وأحسست بأن العمامة تقيدنى فلا أستطيع أن أجرى كما يجرى الأطفال: فشخت قبل الأوان. وفى الأزهر حضر دروسا إضافية يلقيها الشيخ محمد عبده فى البلاغة أو التفسير عقب صلاة المغرب، ورأى أنه: كان مستنير الذهن لايعبأ بما يقوله شيوخ الأزهر برميه بالزندقة والإلحاد.. كنت أفهم منه ما لم أفهم من شيوخ الأزهريين إلى أن توفاه الله (1905). لقد كان من حين لآخر يستطرد فى شرح حال المسلمين وإعوجاجهم وطريقة علاجهم. وذكر الفتى أنه لم يستسغ طريقة التدريس بالأزهر فى الحواشى والتقارير وكثرة الاعتراضات: وكانت فائدتى الكبرى من أزهر آخر أنشأه لى أبى فى غرفة من بيتنا، ولم تكن دراسة اللغة والأدب مما يعنى به الأزهر، ولكن عنى بها أبى الذى حبب إلى القراءة فى مكتبته.

وذكر أنه تقدم للتدريس فى مدرسة تابعة للأوقاف هى مدرسة راتب باشا فى الإسكندرية وأنه قضى فيها سنتين إلى أن عين فى أكتوبر 1906 مدرسا فى مدرسة "أم عباس" التى كان يتعلم فيها، وإن لم يمكث بها إلا عاما واحدا، حيث افتتحت مدرسة القضاء الشرعى عام 1907 التى كان الخديو يعارض إنشاءها لأنه يرى أنها تسلب الأزهر أعز ما لديه وهو الإعداد للقضاء الشرعى، بعد أن سلبت منها دار العلوم إعداد مدرسى اللغة العربية. وأفاد بأن فكرة مدرسة القضاء قد نبعت فى فكر الشيخ محمد عبده واحتضنها سعد زغلول، وتولى نظارتها الأستاذ عاطف بركات‪.‬

فى هذه الفترة كان أحمد أمين يتردد على منزل الشيخ مصطفى عبدالرازق ويحضر الندوات التى تقام فيه، حيث يتلاقى فيها شبان من الأزهر مع شبان مدرسة الحقوق، وبعض الشبان الذين يتعلمون فى أوروبا، وكانت تتناطح فيها آراء الأحرار المتمدنين مع آراء المحافظين، ومؤيدو السفور ينازعون مؤيدى الحجاب، والوطنيون يثورون على الرجعيين. وكانت الجامعة الأهلية قد ولدت فى عام (1908) فرأيت فيها لونا من ألوان التعليم لم أعرفه: استقصاء فى البحث وعمقا فى الدرس وصبرا على الرجوع إلى المراجع المختلفة، ومقارنة بين مايقوله العرب وما يقوله الإفرنج، واستنتاج هادئ رزين من كل ذلك.. كنت أحضر محاضراتها لماما وفى غير انتظام ولا التزام، لثقل العبء عليّ فى مدرسة القضاء. .كان شعورى الدينى وأنا طالب بمدرسة القضاء لايزال قويا كشعورى الوطنى، حتى كان طلبة فصلى يسموننى السنّى بينما يسمون غيرى الفيلسوف أوالزنديق.

والمعروف أنه عين مدرسا بمدرسة القضاء الشرعى بعد شهرين من تخرجه عام 1911، ولأن المدرسة قد ابتدعت نظاما جديدا هو نظام تعيين المعيدين، فقد اختاره ناظرالمدرسة عاطف بركات معيدا معه فى تدريس مادة الأخلاق، الأمر الذى أفاده كثيرا، حيث كان يحضّر دروسه من الكتب الإنجليزية ويمليها على أحمد أمين بالعربية لقد أثّر ذلك فىّ تأثيرا كبيرا من ناحية تحكيم العقل فى الدين، وكنت إلى هذا العهد أحكم العواطف لا العقل ولا أسمح لنفسى بالجدل العقلى فى مثل هذه الموضوعات، فالدين فوق العقل، فإن جاء فيه مالايدركه العقل آمنا به، لأن علم الله فوق علمنا، وهو يأبى إلا تحكيم العقل والبحث عما لانفهم حتى نفهم، وكان له غرام بالبحث وصبر على الجدل فكان من أثر هذا الجدل الدينى إنى أعملت عقلى فى تفاصيل الدين وجزئياته، أما جوهر الدين من إيمان بالله وجلاله وعظيم قدرته فظل ساكنا فى أعماق قلبى لم ينل منه أى جدل. . صرت أكثر تسامحا مع المخالفين وأوسع صدرا مع المعارضين. وتعلمت أهمية أن يتعلم الإنسان لغة أخرى، لأن من اقتصر على اللغة العربية يرى الدنيا بعين واحدة. لذلك شرع يتعلم الإنجليزية اعتمادا على نفسه على يدى سيدات انجليزيات يعملن بالقاهرة واستمر يلقى دروسه بمدرسة القضاء فى مادة الأخلاق، حتى ألف كتابه الأخلاق ونشره عام 1920. وإلى جانب ذلك ألقى دروسا أخرى فى الفقه والتاريخ والمنطق. وخلال هذه الفترة اتصل بأحمد لطفى السيد وحزب الأمة وصحيفته الجريدة لينال شيئا من الثقافة السياسية والاجتماعية بفضل أحاديث لطفى السيد ومحاضرات المحاضرين والاتصال بنخبة من خيرة المثقفين فى دار الجريدة. وذكر أنه فى عام 1914 كان يلتقى جماعة من خريجى مدرسة المعلمين العليا من المتفوقين المرشحين للدراسة فى بعثة إلى إنجلترا، ثم منعهم قيام الحرب من السفر، فصادقهم وكانوا مثقفين من غير جنس ثقافته، كانت ثقافتهم عصرية بحتة وثقافتى شرعية كثيرا وعصرية قليلا، وكلهم يعرف من الدنيا الجديدة والمدنية الحديثة أكثر مما أعرف. وكنا نجتمع فى مقهى يطل على ميدان عابدين.. وشكل أعضاؤها مدرسة لطيفة لى خلت من عبوس الجد وثقل المدرس والبعد عن الامتحان.. واشتركنا فى ناد للألعاب الرياضية بالجزيرة، وكانت عمامتى أول عمامة اشتركت فى النادى ومارست الرياضة معهم.

وقد اتفقوا على تأليف لجان لدراسة أوضاع مصر من مختلف نواحيها، وبدأت اللجان العمل إلى أن عصفت بها رياح الحرب العالمية الأولى، وإن بقيت لجنة التأليف والترجمة والنشر التى تولى هو إدارة نشاطها الذى استمر حتى أواخر الخمسينيات، حين كانت قد طبعت أكثر من مائتى كتاب فى مختلف العلوم والآداب فى ظل رئاسته لها التى استمرت حتى وفاته، كما ازداد عدد أعضائها إلى أكثر من ثمانين عضوا من خيرة المثقفين. كذلك فإنها أسست لنفسها مطبعة خاصة وأصدرت مجلة الثقافة والتى توقفت عن الصدورعام 1953، بسبب ما تكبدته من خسائر. والمعروف أن أحمد أمين فى هذه الفترة ترجم كتاب مبادئ الفلسفة, تأليف رابوبورت لبساطته وشموله وطبع فى عام 1918 فكان أول نتاج ينشر له.

وقد حدثنا أيضا عن جماعة من أصدقائه من ذوى الثقافة الفرنسية والتى كان عميدها الشيخ مصطفى عبدالرازق،وضمت منصور فهمى وعزيز ميرهم وكامل البندارى ومحمود عزمى وغيرهم. وكان يكثر فى هذه الجماعة ذكر روسو وراسين وموليير ودوركايم. . وكان إلى جانب هذه الجماعة، جماعة أخرى من أصدقائه ذوى الثقافة الإنجليزية التى يكثر فيها ذكر شكسبير وديكنز وماكولى وبرنارد شو وهـ. ج. ولز، والتى كان يغلب عليها المحافظة والاعتدال، بينما تغلب على الجماعة من ذوى الثقافة الفرنسية التحرر والثورة على القديم. وكان أحد أعضاء هذه الجماعة، وهو عبدالحميد حمدى، يصدر جريدة السفور التى شارك أحمد أمين بالكتابة فيها عام 1918، وكان ذلك أول عهده بالصحافة والكتابة. وقد ذكر أنه عندما فكر فى الزواج وجد أن العمامة تقف حجر عثرة فى سبيل ذلك لأن ذا العمامة رجل متدين، والتدين فى نظرهم يوحى بالتزمت وقلة التمدن والحرص على المال. ومع ذلك وفّق إلى الزواج فى عام 1916 بالأسلوب التقليدى السائد فى ذلك الزمن، فلم ير عروسه إلا ليلة زواجه.

· عن صحيفة الاهرام

ذات صلة