كتاب الأخلاق.. وصفات لشحذ الإرادات واكتساب الفضيلة

كتاب الأخلاق.. وصفات لشحذ الإرادات واكتساب الفضيلة

ظاهر صالح

أجمع علماء الأخلاق والاجتماع على أن نهوض الأمم وقعودها وتقدمها وتأخرها وحفظ كيانها وانهيارها كل ذلك أثر من آثار أخلاقها ومفعول من مفعولات صفاتها وإن أحد أهم أدوار رجال الفكر والأدب يكمن في بذل جهودهم من أجل الناس وفي سبيل رفع وعي الفرد والمجتمعات وليكونوا هم حواسها الفعلية التي توقظها على الحياة والحضارة.

في كتابه الرائد "كتاب الأخلاق " للمفكر الإسلامي أحمد أمين ثمة وهج وألق كبيران نابعان من أصالة وعراقة منجزه الفكري والأدبي، فضلاً عن أمهات الكتب في التراث العربي بشروح مضبوطة وترجمات رائدة من كنوز المعرفة العربية وتميُزها بدقة التعبير وعمق التحليل والنفاذ إلى الظواهر وتعليلها والعرض الشائق مع ميل إلى سهولة في اللفظ وبُعد عن التعقيد والغموض.

لاشك أن المؤلفات والمواضيع التي تناولها الكاتب أحمد أمين كانت منهجية علمية ترشد طالبيها في حياتهم وتلفتهم إلى نفوسهم وتُبين لهم أهم نظريات الأخلاق وتوسع نظرهم فيما يُعرض عليهم من الأعمال اليومية وتشحذ إرادتهم لتأدية الواجب واكتساب الفضيلة وحق الفرد والمجتمع في التعلم والارتواء العلمي.

ولعل كلمة أحمد أمين: "أريد أن أعمل لا أن أسيطر" مفتاح هام في فهم شخصيته، على الرغم من إنتاجه الفكري ونشاطه المستمر، فإن أحمد أمين "حزن حزناً شديداً على ما ضاع من وقته أثناء توليه المناصب المختلفة التي أكلت من وقته وبعثرت زمانه ووزعت جهده مع قلة فائدتها حينما قال: "أنه لو تفرّغ لإكمال سلسلة كتاباته عن الحياة العقلية الإسلامية لكان ذلك أنفع وأجدى وأجل".

كان نشاط المفكر أحمد أمين الثقافي بارزاً، فمنذ عام 1914م وهو يشرف على "لجنة التأليف والترجمة والنشر" وقدمت هذه اللجنة للقارئ العربي ترجمات رائدة من كنوز المعرفة الغربية

فمن هو الأديب والمفكر الإسلامي أحمد أمين؟ وماهي نشاطاته الثقافية وسيرته والمناصب التي تقلدها ومراحل انتاجه الفكري الذي تناول فيها أعقد القضايا الفكرية والفلسفية معتمداً على القواعد العلمية بأسلوب بسيط يبعث على توجيه النفس إلى ما تعتقد من خير وصواب من خلال الولوج إلى واحدة من مؤلفاته، "علوم الأخلاق" وفصولها والحديث عن ماهية علم الأخلاق ومسائله والتشريح الدقيق لموضوعه والمسؤولية الأخلاقية.

أولاً: من هو الأديب والمفكر الإسلامي أحمد أمين؟

ولد الأديب أحمد أمين في حي المنشية بالقاهرة في 1 أكتوبر عام 1886، من أسرة محافظة أصولها تعود إلى بلدة سمخراط من أعمال البحيرة، تلقى تربية صارمة. وإلى أن يصبح واحداً من أعلام التيار الفكري الوسطي في مصر، تدرّج في تعليمه من الكُتاب إلى الأزهر، ثم مدرسة القضاء الشرعي التي نال منها شهادة القضاء سنة 1911م، وعُين فيها مدرساً لفترة قبل أن يلتحق في عام 1913م إلى سلك القضاء ثم يعود إليها للتدريس مجدداً، إلى أن رشحه طه حسين للتدريس بكلية الآداب بجامعة القاهرة فعمل فيها بداية من سنة 1926م مدرساً ثم استاذاً مساعداً فعميداً لها منذ عام 1939م.

ثانياً: نشاطاته الثقافية ومراحل انتاجه الفكري

كان نشاط المفكر أحمد أمين الثقافي بارزاً، فمنذ عام 1914م وهو يشرف على "لجنة التأليف والترجمة والنشر" وطيلة أربعين سنة من إشرافه قدمت هذه اللجنة للقارئ العربي ترجمات رائدة من كنوز المعرفة الغربية فضلاً عن أمهات الكتب في التراث العربي بشروح مضبوطة تخطت 200 مصنفاً، كما عُرف أحمد أمين منذ الثلاثينيات من القرن الماضي بحضوره البارز في "مجلة الرسالة"، ثم بتأسيسه مجلة "الثقافة" التي تولى رئاسة تحريرها وكتابة مقال اسبوعي على صفحاتها وجُمعت هذه المقالات في كتابه الضخم "فيض الخاطر". ولما تولى الإدارة الثقافية بوزارة المعارف عام 1946م، أنشأ "الجامعة الشعبية"، علاوة على تأسيسه "معهد المخطوطات العربية" الذي كان تابعاً لجامعة الدول العربية.

تبلورت سيرة أحمد أمين عبر مرحلتين أساسيتين، انعكستا على توجهه وإنتاجه الفكري، تتمثل الأولى في عمله قاضياً، "عُرف عنه فيها التزامه بالعدل وحبه له، واستفاد من عمله قاضياً أنه كان لا يقطع برأي إلا بعد دراسة وتمحيص شديد واستعراض للآراء والحجج المختلفة".

والثانية مرحلة عمله أستاذاً جامعياً لمادة النقد الأدبي، فكانت خطواته الأولى في البحث على المنهج الحديث في موضوع المعاجم اللّغوية، وكانت تمهيداً لمشروعه البحثي عن الحياة العقلية في الإسلام، التي أخرجت كنوز من المعارف منها: كتاب "الاخلاق" و كتاب "فجر الإسلام" (3 أجزاء) وكتاب "ضحى الإسلام" (4 أجزاء) وكذلك إخراج حوالي 16 كتاباً من بينها كُتب عدة ترجمها.

المناصب التي تقلدها:

– رئيس لجنة التأليف والترجمة والنشر من سنة 1914م إلى 1954م.

– عضو مراسل في المجمع العلمي العربي بدمشق منذ سنة1345هـ / 1926م وفي المجمع العلمي العراقي.

– عضو بمجمع اللغة العربية سنة 1953 هـ/1939م.

– عضو في المجلس الأعلى لدار الكتب سنة 1358ه/1939م.

– عميد كلية الآداب بجامعة القاهرة سنة 1939م.

– مدير للإدارة الثقافية بوزارة المعارف سنة 1945م.

– مدير للإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية سنة 1976 م.

الفصل الأول.. (علم الأخلاق) ماهية علم الأخلاق ومسائل علم الأخلاق

ينطلق المفكر أحمد أمين بالقول عن ماهية علم الأخلاق.. أن كلنا يحكم على بعض الأعمال بأنها خير وعلى بعضها بآنها شرّ، فنقول: العدل خير، والظلم شرّ وأداء الدين إلى صاحبه خير، وإنكار المدين ما عليه شرّ، وهذا الحكم متداول بين الناس رفيعهم ووضيعهم، عاملهم وجاهلهم، على لسان الفيلسوف في بحثه عن أعمال الإنسان، وعلى ألسنة الصناع في صناعتهم، بل والأطفال في ألعابهم، فما معنى الخير والشر؟ وبأي مقياس أقيس العمل فأحكم عليه بأنه خير أو شر؟

· عن موقع الجزيرة نت