عن الكوكب الذي ارتطمَ بنا..

عن الكوكب الذي ارتطمَ بنا..

علي وجيه

سنوات طويلة، ونحنُ ننظر إلى السماء باكتئاب، منتظرين كوكباً يرتطمُ بالأرضِ ليحيلها نثاراً، ويخلّصنا من هذه السوادات، نتحدثُ عن الفكرة مرةً بتشاؤم، وأخرى بمُزاح، لكن عيوننا انتظرت، لكن الكوكب الذي ارتطمَ بنا كان بشراً، نحيلاً مثل قلمٍ رصاص، بصوتٍ مبحوح، ويدٍ تعرفُ تماماً كيف تستخلصُ النغمة من خشب الزَّان، والأوتار.

أيّ ذهنٍ امتلك حمزة ليسمّي ابنه “كوكب”؟ هل فكّر وأسماه؟ أم أنهُ فتحَ القرآن، مثل عادات ذاك الزمان، فسقطت عيناه على “كوكب درّي”، فاختار هذا الاسم المميّز، الغريب، إلى اليوم، لولده، ثمّ ليهمسَ العالمُ بأذنه “لكلّ امرئٍ من اسمه نصيب”، فعاشَ الفتى النحيل، بعيداً، مضيئاً، مثل كوكب.

أساسُ كوكب هو أنه لا يُشبهُ أحداً، لا اسمه يشبه أحداً، ولا ألحانه، وبقيت الغرابةُ معه، هو ملحّن أغرب أغنية لفؤاد سالم “تانيني”، وملحّن أغرب أغنية لحسين نعمة “ابنادم”، ولحّن أغرب مقدمة موسيقية سمعتُها “الطيور الطايرة”، يلحّنُ “يا نجمة” حتى لكأنه لم يرَ حُزناً في حياته، ثمّ يلحّن “وين يالمحبوب” حتى لكأنه لم يرَ فرحاً، لحّن أكثر نصّ وعر عَروضياً لعريان السيد خلف “سورة” لرياض أحمد، وقد يلحّن أغنية بحمولة غريبة أيضاً “دموع إيزيس” لأحمد فؤاد نجم، أو أغنية من كلمات روائيّ مرموق “يا صاحبي” للراحل إسماعيل فهد إسماعيل!

طيّب، هل شاهدتم ملحّناً سابقاً، يسجّل فيديو كليب، بوجه متعرّق؟ ومُنهك؟ وكأنه يقول: هذه الأغنية ليست أغنية، هذه تعبي الفعلي!

هل شاهدتم صورته باللحية العالية؟ وهو يُشبهُ بابا نوئيل بصرياً، يفتحُ صرّته الحمراء، ليخرجَ لنا اليواقيت الدافئة؟

ثم يصيبُهُ المسّ العاطفي العجيب، أعني الحزب الشيوعي العراقي، فيملأ كلّ كيانه بشكلٍ فذ، حتى يحملَ سلاحه مع الأنصار في كردستان، ويتجرّعُ المنفى والكأس حتى آخر قطرة، ليالٍ طويلة، يمرّ على الجلسة فلا تعود مجرّد جلسة، سريع النكتة والبديهية، وغريب الطباع، مرةً أجبر أستاذي د.محمّد حسين الأعرجي على عدم التدخين بالغرفة، رغم أن كوكب نفسه مدخّن شره!

يأتي لبغداد، يمرّ علينا غيمة، في ليالٍ مذهلة “هلاااو” بالصوت المبحوح، ثم يغنّي، صوته ليس جميلاً لكنه جميل، جماله بغرابته، لأنه لا يشبه أحداً، مثل صوته، واسمه، وألحانه، ومواقفه السياسيّة..

من البصرة إلى بغداد، إلى كردستان والشام، ثمّ الدنمارك، تمتدُّ رحلة المنفى العجيب، يرثي أصدقاءه على البعيد، كنتُ جالساً بانتظار جثمان فالح عبد الجبار في بيروت، وإذا بباقة ورد عليها اسم كوكب، يقبّلهُ على البعيد ومن البعيد..

رحل كوكب، وفي ذهني كلّه ليس أكثر من ٤٠ لحناً، لكن من المستحيل أن لا تعرف هذه الغرابة لكوكب، يمدُّ يديه للتراث الحسينيّ، وللمحبّة الشيوعية، وإيقاع حفيف نخل البصرة، ثم يُذيبها لتكون إليه، ومنه، بشكلٍ عجيب.

ليس منظّماً مثل طالب القره غولي، ليس حزيناً مثل محمّد جواد أموري، ليس هادئاً مثل محسن فرحان، ليس فرحاً مثل خزعل مهدي، ليس متبغدداً مثل ياسين الراوي، كان لا يُشبه سوى نفسه، وكأنه غير مهتم أن يكون ملحّناً أصلاً، كان يستمتع، لم يكن يلحّن، كان مثل الطفل الذي يعبثُ بالطين ويصنعُ مخلوقات مضحكة، مبهجة، أو مُخيفة..

كوكب مسٌّ موسيقيّ غريب، لا يُشبهُ أيّ أحدٍ آخر، وتعرفُ عملَهُ المختلف من بين كثيرين، دون أن يشبه عملٌ منها آخر.

رحل كوكب، تاركاً عتبات كثيرة من أعماله لرثائه، مثل محمود درويش تماماً، اربط رحيله بـ”الطيور الطايرة”، بـ”صار العمر محطّات”، بـ”ابنادم”، بـ”الكَنطرة بعيدة”، لكنني سأدندنُ مستذكراً صورته شاباً، تلك التي أحبّها، نائماً في باص، هادئاً، سأدندنُ بعد أن أضعَ قبلة على جبينه، بعد أن ارتطم بنا وصنعَ منّا باكين، وسمّيعة، وعشّاقاً:

نايم المدلول حلوة نومته..

سَلهم عيونه وناثر كَذلته..

وداعاً أبا الكواكب الحبيب.. وداعاً أيها الليرة الذهب موسيقى وموقفاً.