قبل رحيل الطيور الطايرة

قبل رحيل الطيور الطايرة

نعيم عبد مهلهل

قبل الرحيل الابدي لكوكب حمزة ومتذكرا ليالي دمشق وسهرات بحة الطرب المغرد مع اسراب حمائم العراق.. والان الطيور حزينة لأن كوكب حمزه حمل حزنه ورحل..

تشغلُ الأغنية الجميلة مكانها في القلب كما تسكن الدمعة أريكة المقهى، وكما امرأة صنعت من جنونها بدفاتر الذكريات احمراً لشفاه قبلة تنتظرها بشغف...!

كوكب حمزة (الملحن المثقف) من صُناع هذه الأغنية، عجنَ من جنوبها هاجسا غريبا امتد بأممية مدهشة على أجفان الخرائط وأرائك الصفنة واستعادة ما بقي هناك (بيوت الطين والقصب، أسراب السنونو، قصور ملوك سومر، المشاحيف التي تتنزه عليها الآلهة، دموع عباءات أمهات شتال العنبر وحنجرة شبعاد، النخيل المنحدر من ذكورة السيوف، المطرقة والسندان ولذة اكتمال النضوج في ذكورتنا وأنوثتنا، وأخيرا منائر الموزائيك الأخضر لضريح القاسم ع.. حيث ولد كوكب حمزة(....

هذا كوكب حمزة، بعض طعم سريالية ودهشة سبعينيات القرن الماضي، كان من ضمن الجيل الذي وعى الحلم بجنونه وليس بعقله فأتى ليسطر أحلام القصيدة الشعبية العراقية بموازاة خفق القلب فلحن لنا أساطيره وعيهُ ومهبطه وذاكرته البابلية الساحرة التي شربت من جنيات ليل العشار خمرة السلطنة فكان الرجل وكانت ألحانه شجنا يعبر هاجس الحلم كما يعبر العناق إلى احتراق النار المشتركة بين خل وخله...!

كوكب الذي وضع للحن الماركسي هويته الميتافيزفية وأسكنها جنوب القلب كما يسكن العصفور زقزقة غرامه في العش الدافئ. صامت الآن ولكنه موجود...!

لحن يا طيور الطايرة. هوية لدمعة المغترب ليجد وطنه ويتواصل معه. ولحن الأغنية المسمارية الرائعة (أمشي وأكول أوصلت.. والكنطرة بعيدة..) ولحن الكثير..

ثم صمت ليقرا ويحلم بسمفونيات ستأتي...!

لست بناقد ومؤرخ لتاريخ الفن لهذا سأتحدث هنا عن لقاءات حميمية مع هذا الإنسان الذي عرفته من خلال صديقي وناشري الأخ ايمن الغزالي في دمشق وجلسنا ليالي أنس كان فيها كوكب حمزة روحا شفافة تتحدث بوعي حاذق عن العولمة والكتب وهاجس الإنسان لأكتشف إن صاحب ملحمة (الطيور الطايرة) غارق في كل مذاهب الكتابة ويعي وجوده جيدا وقارئ وناقد من طراز خاص....!

كوكب حمزة.. بعد أن عرفته اكتشفت إننا لم نلتفت جيدا لصناع أحلامنا في بلاد كثُرَ فيها المفخخات والسراق وكاتم الصوت وشحت فيها القصائد والأغاني وقصص طفولة أيامنا المؤسطرة بدهشة الفقر والدمعة وبراءة أن تبتسم لك بنات الميني جوب وثمالة يوسف عمر، ومستهلات عاشوراء الساحرة.!

وكان على الدولة (وثقافتها) أن تسأل عن أمكنة هكذا مهرة ومبدعون، وان لا تتركهم يوقعون اوتغرافات الإعجاب لمتذوقي المدن المغتربة فيما وطنهم يريدهم ليخلدوا فيه أزمنته الجيدة. أزمنة حلمه وبنائه وعولمته وأشواق طرد الدبابات من شوارعنا ومعها نطرد حواجز الكونكريت وغرباء السياسة ومتصيدي المناصب بالشهادات المزورة...!

كنت انظر إلى عيون كوكب والى سنينه الستين فأعبر إلى جنائن بابل ومعي أناشيد ملوكها وبساتينها ومحلاتها القديمة. لأسمع منه طروحات عشق غريب.. ورؤى تشابه تماما تلك الهواجس السحرية التي سكنت أوتار عوده ليؤلف تلك العذابات المسكونة بالشجن والغرام واستعادة المكان بذات الجمالية التي تحدث عنها غاستون باشلار في كتابه (جماليات المكان)...

هذا الرجل تحفته في صمته واحترامه لموروثه الثر ولم ينزلق في موجة الإسفاف المركون إلى طبلة هز النص...

بقي كوكب حمزة أمينا لما انتج وأعطى... ولهذا شعرت حين جالسته في سمر ليال كثيرة أنني احتفي بالعراق الممتد في عروق الحلم دهورا وحضارة واسراب شهداء...

معه تذكرت الطيور الطائرة.. تذكرت في فقه العبارة عنده. إن المبدع قديما كان يبدع من خلال مرجعات الأساطير والمسلات والألواح التي دونت القداسات والأناشيد وعبارات النذر ومن ثم يبدا يحرك ريشته على وتر العود ليؤلف...

كذا هو كوكب حمزة.. الرجل الحالم ببلاد منحته عذريتها. فمنحها الخلود المكتوب على أجنحة الطيور..!