نجمة كوكب حمزة

نجمة كوكب حمزة

كريم راهي

يقول كوكب في جريدة القدس العربي شباط 1997: "عام 1968 سجّلتُ أولى أغنياتي، وكانت من شعر الراحل طارق ياسين وغناء غادة سالم، كان اسم الأغنية (مر بيّه). وبالرغم من كل الفذلكات اللحنية والتنوع الإيقاعي فقد فشلت. كانت هذه الأغنية تحمل في أحشائها أدوات لم تكن عراقية الطابع. كانت شكلاً مشوهاً لألحان الملحن المصري الكبير بليغ حمدي.

الفشل هذا قادني إلى البحث عن الخصوصية بينما كانت أغاني زميليّ [يقصد طالب وكمال] مفعمة بعراقيتها العذبة. ابتدأ بحثي في البصرة –والبصرة مليئة بالتنوع مليئة بالغناء- اكتشفت (الخشابة) وألحان الزنج وسر لذة الجنوب. وفي بيت المسرحي عبد العزيز عبد الصاحب في مدينة الناصرية سمّعت (يا نجمة) لحسين نعمة، وبعد الدخول صرختُ وجدتها! انبثق اللحن من أعمق أعماق الروح وتلقح هذا اللحن بالموشح الأندلسي، وآنذاك ابتدأت عراقيتي. كان اللهاث جدياً وعميقاً، كنّا الثلاثة في حمّى الإبداع والبحث، وفي حمّى المنافسة أيضاَ". وتعقيباً على تأثر كوكب حمزة ببليغ حمدي فقد صرح في جلسة خاصة جمعتني وإياه عام 2012: "لقد نقل محمد الموجي الأغنية العربية إلى مرتبة الحداثة حين لحن (كامل الأوصاف) لعبد الحليم".

ومما يجدر الإشارة له أن هنالك حلقة من برنامج (عزف منفرد) موثقة على اليوتيوب عام 2013 التقى فيها مقدم البرنامج الموسيقي أحمد مختار، بعازف القانون ومدير عام دائرة الفنون الموسيقية آنذاك حسن الشكرچي، يروي فيها الشكرچي -وهو المولود في الناصرية- أنه عام 1970 حين كانت تجمعه رفقة قوية بالشاعر كاظم الركابي، كانت (يا نجمة) أهزوجة شائعة في الناصرية يرددها الشباب على ضفاف النهر ومذهبها (متعلية وتشوفين عونچ يا نجمة... كلب "السفيه" ينام كلبي اشينيمه). وإنه تحدث مع الركابي بخصوص توظيفها كأغنية، فسارع الركابي لذلك. وبينما كان يقوم بالاشتغال على الأغنية ليلاً، فوجئ بدخول الركابي وكوكب حمزة وفؤاد سالم قادمين من المقهى صوبه، فقال كوكب إنه اتفق مع الركابي لتلحين هذه الأغنية وإنه يرغب بها. فضحكتُ -والقول للشكرچي- "وتنازلت له عنها". يقول كوكب في تصريح لاحق لجريدة القدس العربي نفسها: "في طفولتي كنتُ أرى أعراساً ومآتم كثيرة، وفي الأعراس كان هناك أغان ريفية إضافة إلى أغاني الغجر، والتراث الشيعي المليء بالموسيقى والغناء، فالقارئ يلحن ويغني، واللاطم يلطم على إيقاع، وقد تشبّعتُ بكلّ هذا، إضافة إلى تراث البصرة الموسيقي المتفرّد جداً في أصول الغناء، وإضافة إلى كل هذا أعتقد أن مظفر النواب أضاف لهذا التراث أغاني الأهوار. تشكّلت كل هذه الأشياء ثم خرجت أول أغنية لي في هذا السياق هي أغنية (يا نجمة)، وهي أغنية تراثية حاولت تلقيحها بالتراث الأندلسي".

وعن أصل الكلام الشعري نقول، إن مذهب "نجمة" كوكب حمزة هو من الدارمي المقلوب إلى أصله، والمتطوّر من السويحلي (بدوي الأصل) الذي كان يُقرأ بقلب الصدور على الأعجاز، وأصله: "متعلية وتشوفين عونچ يا نجمه... نامت عيون الناس كلبي اشينيمه". وثيمة بيت الدارمي هذا هي من المأثور مجهول الناظم كأغلب هذا النوع من الشعر الشفاهي، وقد ورد مثله في أغنية (منين اجاني هواي) للحن منسوب لصالح الكويتي، ما غناه هادي سعدون في السبعينيات منسوباً إلى أحمد الخليل: "لأسهر واعد نجوم نجمة اعله نجمة... كلبي الخليّ ينام كلبي شينيمه". وكان القبنچي كان قد غناها بتسجيل قديم لا يرد فيه الدارمي إياه، ونعتقد أن الأسبقية للناظم المجهول (أعادها يوسف عمر مع الدارمي المذكور بتصرف)، كما غنتها فرقة الإنشاد العراقية التي أسسها روحي الخماش، وكانت قد غنتها الست روتي وغناها عبد الرحيم الأعظمي وآخرون كبستة بعد مقامي المدمي والحويزاوي.

بينما جاء لحن مذهب (يا نجمة) مستعاراً من البستة العراقية (ما رابط)، وهي "التراثية" بتعبير (كوكب)، أما إضافة (النوب النوب النوب)، فهي مستعارة أيضاً من البستة إياها التي قدمتها في تسجيل قديم يعود للعشرينيات، أي بعد بدايات الطرب ببغداد الذي أعقب الثورة الدستورية التركية 1908، المطربة الحلبية (رحلو فريدي) -بتسجيل من مقتنيات المؤرشف ولاء الحلّي- وأصلها "ماريده بنوب بنوب بنوب" أي "لا أريده نهائياً" والتي تطورت إلى (النّوب) في ما تلاها من أداء لفرق (الچالغي) التي غنتها، وأشهرها بأداء (حسقيل قصاب) ذي الإيقاع الثقيل جدّاً "الذي يحتاج عزفُه إلى قراءته منوّطاً" بتعليق الموسيقي (علي المظفّر).

إن ما يهمنا هنا هو كوبليهات كوكب حمزة الأندلسية (القدّية)، وليس مذهب أغنيته التراثي (ما رابط)، كما أشار إليهما بالقول أعلاه، ففيها تأتي الكلمات -وهي لكاظم الركابي وهو من أهم شعراء أغنية السبعينيات- من وزن يختلف عروضياً عن وزن الدارمي، وهو المحاكاة التي لم ينكرها الرجل للقدّ الميّاس، وهكذا تستمر المبادلة بين الكورس وبين انفراد حسين نعمة المستعار نصفه من القدّية: "آنه بحلم لو يمر.. تاخذني فرحة عيد"، بإضافة كوكب اللحنية في النصف الآخر: "وما ريد جية الفجر... خافن جفانا يعيد"، ثم بالقرار الأعمق في صوت حسين نعمة: "يا نجمة ريت العشك... ياخذنا مدّه بعيد". وهو القرار الذي علّق عليه كوكب حمزة مرّة بالقول: "إنه من تأثيرات عوض دوخي على جيلي بشكل عام"، في جلسة خاصة ضمتنا في ستوكهولم صيف عام 2011.

لقد أخذت هذه الأغنية مكانتها اللائقة بها ضمن حملة (هوس مطربي السبعينيات بإعادة إنتاج التراث الغنائي العراقي) وهو ما سنتطرق له بموضوع لاحق، وطارت شهرتها في الآفاق حتّى أنه في يوم من أيام آذار عام 1969، كتب الشاعر والرسام والصحفي العراقي إبراهيم زاير "الفدائي الذي انتحر" كما دعاه الشاعر صادق الصائغ، قصيدة بعنوان (يقين وشك منتبه غافل)، جاء فيها:

" انا كائن الساعات اللامعة ورجل الموت المحتمل

المرأة تبكي. أما أنا فأحسد النجوم:

يانجمة عونج

عونج يا نجمة. متعلية وتشوفين..

عونج يا نجمة.

هبط المساء

على الحديقة".

ثم بعد ذلك بثلاث سنوات، أطلق على رأسه رصاصة، وانتحر!

بينما ترى لطفية الدليمي فيها أنها (نوستالجيا عراقية)، فتكتب عام 2003: "أسمع مغنّياً يستنجد بصوت رخيم وينادي من لا يهتك سرّاً: يا نجمة.. عونج يا نجمة".