تصحيح تاريخي لجامع الوزير

تصحيح تاريخي لجامع الوزير

رفعة عبد الرزاق محمد

كنت قد كتب في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، اي قبل نحو اربعين عاما مقالة عن الخطأ الذي وقعت به الجهة التي وضعت قطعة التعريف بالجامع بعد تجديده الشامل، وفصلت القول بالتاريخ الصحيح، ولمحت الى ضرورة تغيير تلك القطعة، ولكني وجدت اخيرا ان تلك القطعة (وهي من الكاشاني الازرق) باقية الى اليوم، مع سقوط القسم الاسفل منها. واليك ما نشرته يومئذ:

حول جامع الوزير

وضعت بجانب الباب الجانبية لجامع الوزير ببغداد، وهي الباب المطلة على سوق السراي، قطعة ليست كبيرة تناسب جسامة الجامع البغدادي القديم. وقد وضعت القطعة مؤخرا بعد تجديد هذه الباب والسوق التي امامها، ونصها ما يلي:

((اسس جامع الوزير في سنة 1080 هـ من قبل الوزير حسن باشا ابن الوزير محمد باشا المصادف سمة 1660 م غفر الله لنا ولهم اجمعين)).

لا اعرف المصدر الذي اعتمده كاتب هذه القطعة، فالجامع لم يؤسس سنة 1080هـ ــ 1660م، بل ان تأسيسه يرجع الى سنوات سابقة تتجاوز السبعين سنة. مؤسسه الوزير حسن باشا بن محمد باشا الملقب بالاعرج (طوبال)، كان قد ولي سنة 1003هـ ــ 1596م على رأي جميع مؤرخي تلك الفترة، والمؤرخ عباس العزاوي الذي اتصل بمصادر كثيرة يذكر ان حسن باشا ولي بغداد سنة 1003هـ، وفي السنة الثانية من وزارته بنى هذا الجامع، وتم البناء سنة 1008هـ ــ 1598م كما تنطق الكتابة التي كانت على باب المصلى.

وكنت اعتقد في البدء ان كاتب القطعة الجديدة قد وقع في خطأ على شكل الخطأ (المطبعي) غير ان تثبيته للسنة الميلادية يدل على ان السنة التي ذكرها هي المقصودة فعلا. والمهم هنا ان الكتابة التي كانت فوق باب المصلى هي:

((بسم الله الرحمن الرحيم. انما يعمر مساجد الله من امن بالله واليو الآخر. عمر هذا المسجد في ايام خلافة خليفة الرحمن السلطان بن السلطان، السلطان محمد خان بن السلطان مراد خان خلد الله ملكه وسلطانه. صاحب البناء والانشاء الغازي الوزير حسن باشا بن الوزير المعظم المرحوم محمد باشا في سنة ثمان والف من الهجرة النبوية على صاحبها افضل الصلاة والتحية)).

وقد ثبتها العلامة السيد محمود شكري الالوسي في كتابه عن مساجد بغداد وآثارها (ص77) كما ثبتها العزاوي في تارخه (جـ 4 ص124). والطريف الذي نذكره هنا ان لبناء الجامع قصة طريفة ذكرتها المدونات البغدادية، ملخصها ان قافلة تجارية كبيرة قد تعرضت للنهب في اطراف بغداد، فساق الوزير حسن باشا جيشا تمكن من استرداد المنهوبات، غير انها قد استردت مبعثرة وتعذر على اصحابها ان يعينوا اموالهم، فاقترحوا متفقين على الوزير ان يبني باموالهم تلك جامعا، فتم ذلك وبني الجامعة في الموضع نفسه الذي كان مشغولا بمدرسة دينية قديمة تدعى (المدرسة التتشية) كما في تحقيقات الدكتور مصطفى جواد (مجلة الثقافة الاسلمية ع/ 7، السنة 3، 1958) ثم تابعه المؤرخون والكتاب بهذا الرأي.

استمرت المدرسة التتشية تقوم بدورها حتى بعد انشاء الجامع (والحقيقة ان البناء كان تجديدا او تعميرا للمدرسة وتوسيعا لها كما في النص الذي سقناه)، وموضعها كان بين المصلى وبناية المحاكم في شمالي الجامع ومطلة على دجلة، ومكونة من طابقين كما رسمها الرحالة الانكليزي بكنغهام سنة 1816.

غير ان يد الدهر عبثت بهذا المعلم البغدادي الذي يحتل موقعا جميلا، فاقتطع منه بعض الاجزاء عند نصب الجسر العتيق (جسر الشهداء) سنة 1939، كما اخرجت منه سوقا احتكر دكاكينها السراجون وقبلهم (الجبوقجية) بائعواالجبوق وهو الغليون القديم (السبيل).

بث الشاعر البغدادي المرحوم خضر الطائي شكواه من الحال المزرية التي وصل اليها الجامع، فنظم قصيدة في افتتاح جامع الحاج رشيد دراغ في الكرخ سنة 1957، فقال فيها:

ياجامع الشهم الوزير تعطلت

حجراتك الحسنى فعدن بوائدا

نبني القصور ولا نبالي ان نرى

شم المآذن ان بعدن قواصدا

فكان دجلة مدمع تبكي به

بغداد عصر بنائه المتباعدا

(امين) دار الوقف شيده تجد

لك شاكرا في المسلمين وحامدا

ستنال اجرك من الهك ان ترى

فيه لربك راكعا او ساجدا

كان مدير الاوقاف العام انذاك من الحاضرين، فكان لابيات خضر الطائي اثرها في نفسه فامر باعادة بناء الجامع على الصورة الجميلة التي نراها اليوم.