من أسرار ثورة 14 تموز 1958.. هل أنتمى محمد نجيب الربيعي لتنظيم الضباط الأحرار؟

من أسرار ثورة 14 تموز 1958.. هل أنتمى محمد نجيب الربيعي لتنظيم الضباط الأحرار؟

محمد سلمان منور

) تشير عدة مصادر تأريخية أن محمد نجيب الربيعي كان على صلة بالضباط الاحرار منذ عام 1948 عندما كان في فلسطين، اذ ترأس التنظيم الذي يعرف بـ (تنظيم الضباط الوطنيين) الذي اسسه رفعت الحاج سري انذاك، كما استمرت علاقته بالضباط الاحرار عن طريق رفعت الحاج سري ايضا، وكان= =على علم ودراية بالمحاولات السابقة للاطاحة بالحكم، مثل المحاولة التي خطط لها ابان انتفاضة عام 1952، ومحاولة عام 1956.

ارتبط فؤاد عارف بصلة وثيقة بالضباط الاحرار، عندما كان يشغل منصب آمر فوج التدريب في معسكر المنصور (المنصورية) في ديالى، اذ شغل ذلك المنصب طيلة المدة بين عامي 1948-1956، وخلال تلك المدة كان معسكر المنصور يعد من ابرز معاقل الضباط الاحرار، لا سيما بعد ان اصبح الزعيم (العميد) الركن عبد الكريم قاسم آمراً للواء التاسع عشر في معسكر المنصور عام 1954، فقد شكل تنظيماً عسكرياً سرياً عرف بـ (تنظيم المنصور)، الذي ضم عدد من امري الوحدات والتشكيلات العسكرية التابعة للواء التاسع عشر، فضلاً عن بعض الضباط ممن كانوا على صلات وثيقة مع عبد الكريم قاسم اوعملوا تحت امرته في السابق، ويعد هذا التنظيم من اهم واكبر تنظيمات الضباط الاحرار، وهو الذي اخذ على عاتقه القيام بثورة الرابع عشر من 1958 فيما بع، وعن طريق عبد الكريم قاسم كان فؤاد عارف على علم ودراية بتنظيم الضباط الاحرار واسباب قيامه والاهداف التي يسعى لتحقيقها.

اتخذ فؤاد عارف موقفا مؤيدا للضباط الاحرار، اذ كان يتعاطف معهم ويشاطرهم الرأي في مسالة تغيير نظام الحكم القائم من جهة، وكان يثق بهم وبنياتهم الوطنية من جهة ثانية، وعلى الرغم من ذلك، فانه لم ينخرط في صفوفهم، خلافا لما ذكره بعض المؤرخين ممن اعتقدوا انه كان من بين ضباط تنظيم المنصور، كما ان زملاءه من الضباط الاحرار لم يطلبوا منه الانضمام اليهم، لعلمهم بموقفه من التنظيمات السرية، اذ اتخذ على نفسه عهدا بعدم الانخراط في أي تنظيم سياسي سري اثر تجربته السابقة مع حزب هيوا كما ذكرنا سابقا، غير ان ذلك لم يمنعه من القيام ببعض النشاطات لصالح زملائه من الضباط الاحرار، ففي اواخر عام 1956 كلفه كل من عبد الكريم قاسم وطاهر يحيى بان يتولى مهمة مفاتحة قائد الفرقة الثالثة اللواء (الفريق اول فيما بعد) الركن محمد نجيب الربيعي، للانضمام الى تنظيم الضباط الاحرار والمساهمة في تفجير الثورة، وكان ذلك بعد عدة ايام من كشف الجهات الامنية لاجتماع الكاظمية في الخامس من تشرين الاول عام 1956، الذي كان الغرض من عقده مناقشة خطة الثورة المؤمل القيام بها اثناء اجراء تمرين عسكري في منطقة جبال حمرين، إذ كان من المقرر ان يحضره الملك فيصل الثاني والوصي عبد الاله ورئيس الوزراء آنذاك نوري سعيد في الحادي والعشرين من تشرين الأول 1956، فقرر الضباط الاحرار الغاء الخطة وتأجيل موعد قيام الثورة بعد ذلك

الاجتماع.

لقد جاء تكليف فؤاد عارف للقيام بتلك المهمة لأسباب عدة، اذ انه كان قد اقترح قبل ذلك على عبد الكريم قاسم وطاهر يحيى فكرة انضمام محمد نجيب الربيعي للضباط الاحرار، لأنه كان يعتقد أن التنظيم بحاجة الى شخصية عسكرية مرموقة تحظى باحترام وتقدير كبيرين في اوساط الجيش العراقي، مثل محمد نجيب الربيعي الذي عرف بوطنيته وسمعته العسكرية الواسعة في الجيش العراقي، فضلا عن رتبته العسكرية العالية، الامر الذي يجعل معظم ضباط الجيش العراقي يؤيدون الثورة، حالما يعرفون ان الشخص الذي يقودها هو محمد نجيب الربيعي، في حين كان الضباط الاحرار اقل رتبة منه، وغير معروفين على نطاق واسع في الجيش، وهناك سبب اخر جعل فؤاد عارف يطرح تلك الفكرة ويوافق على القيام بمهمة مفاتحة محمد نجيب الربيعي، فقد كانت تربطه به علاقة جيرة ومودة وطيدة تمتد الى ايام اقامة اسرة فؤاد عارف في بغداد بمحلة العاقولية، لذا كانت تلك الاسباب من أهم دوافع فؤاد عارف لطرح تلك الفكرة.

اجتمع فؤاد عارف مع محمد نجيب الربيعي في بعقوبة، اذ كان الاخير يشغل منصب قائد الفرقة الثالثة فيها، وخلال ذلك الاجتماع الذي جرى في منزل الربيعي، بناءعلى طلب فؤاد عارف، قام الاخير بنقل رغبة الضباط الاحرار بالانضمام اليهم ليترأس التنظيم، وعلى الرغم من ان الربيعي لم يكن راضيا عن الوضع السياسي في البلاد، وانه يشاطر الضباط الاحرار الرأي بضرورة تغيير النظام الحاكم في العراق، لكنه رفض الفكرة التي جاء فؤاد عارف من اجلها، اذ عبر لفؤاد عارف عن عدم ثقته ببعض اولئك الضباط، الى حد انه كان يعتقد ان كل ثلاثة ضباط، (اثنان منهم جواسيس للوصي ووزارة الدفاع، كما اوضح لفؤاد عارف ان الفشل سيكون نصيب أي محاولة يقومون بها)، فضلا عن اعتقاده بان غاية الضباط الاحرار من التحاقه بهم، جعله واجهة يكسبون تأييد الجيش لهم من خلالها كما حصل مع اللواء (محمد نجيب) قائد ثورة تموز (يوليو) عام 1952 في مصر، الذي دخل في صراع مع الضباط الاحرار فيها، انتهى بتنحيته عن الحكم في التاسع والعشرين من اذار عام 1954. كما طلب من فؤاد عارف ان ينسى الامر، وكأن شيئا لم يحصل بينهما، وكان الأخير يقدر موقف محمد نجيب الربيعي، ويعي خطورة الموضوع الذي طرحه عليه، ولا سيما انه كان يشغل منصب قائد فرقة في الجيش.

عاد فؤاد عارف الى معسكر المنصور، فوجد عبد الكريم قاسم وطاهر يحيى ينتظرانه، فشرح لهما تفاصيل ما دار من حديث بينه و بين محمد نجيب الربيعي، وبين موقف الربيعي من الضباط الاحرار، الا ان فؤاد عارف لم يتطرق الى كلام الربيعي بشأن جعله مثل اللواء محمد نجيب في مصر، ويذكر فؤاد عارف ان عبد الكريم قاسم قال له بعد ذلك: ((اذا كان هذا هو رأي نجيب الربيعي، فليس الا ان نقوم بها نحن بانفسنا)).

صدرت اوامر بنقل محمد نجيب الربيعي من منصبه كقائد للفرقة الثالثة الى منصب وزير مفوض في جدة بالمملكة العربية السعودية، ونقل فؤاد عارف من منصب امر فوج التدريب في معسكر المنصور الى (كلية الاحتياط) في معسكر الرشيد ببغداد، اذ صدرت الاوامر بعد لقائهما مباشرة، الامر الذي ادى الى استغراب فؤاد عارف لما حدث، وجعل الشكوك تساوره بشان معرفة الاجهزة الامنية بذلك اللقاء.

عن رسالة (فؤاد عارف ودوره العسكري والسياسي في العراق حتى عام 1975)