عندما أصبح أحمد حامد الصراف محاميا

عندما أصبح أحمد حامد الصراف محاميا

شيماء الصراف

المرحلة الأخيرة في حياة الصراف القانونية هي ممارسة المحاماة.

كان الصرّاف لا يقبل مبدئياً، دعاوى مدنيّة على الإطلاق. سألته مرّة، قال انها تأخذ ربما سنين لكي يصدر بها حكماً، وهي مملّة بسبب رتابتها، وهذا على عكس القضايا الجنائية أو تلك التي يضمّها بالعموم قانون العقوبات العراقي، القانون الذي تحفظه عن ظهر قلب ولم أرك تزهو أبداً بأمر غير هذا. كانت أجوره عالية،

وهذه القاعدة تتغيّر وربما لا تطبّق اطلاقاً إن كان موكِّله ضعيف الحال وهذا بالخصوص في حالة الأرملة التي لها أولاد، وحتى انه هو الذي يدفع أجور النقل في الذهاب معها الى مركز الشرطة لقراءة أوراق الدعوى ولا يأخذ أجوراً على ذلك، بل كان هو الذي يدفع ثمن الطوابع الذي يستلزمه عمل ملف، من جيبه.

كان الصراف حديّاً، لا يتهاون في دفاع عن حق والوقوف ضدّ باطل، وهذا مبدأه في عمله في السلك القضائي ومبدأه في ممارسة المحاماة، ولهذا السبب اشتهر وذاع صيته، وإن كنت أعرف سماعاً انه محامي الطاشناق حزب الأرمن، وقد كان يتولّى قضاياهم، فإني رأيت الصابئة في بيتنا، وكان شيخهم عبد الله يحضر، وكان بينه وبين أبي مودّة. كان الكاوليّة (الغجر) يحضرون لتوكيل الصراف في قضايا القتل، قال لي يوماً وقد سألته عن حدوثها المتكرّر عندهم، ان نساء الكاولية يمتهنّ الرقص لكسب العيش ولا شيئ آخر وهم، الكاولية، لا يتهاونون في أمور تمس الشرف والسمعة وما إلى ذلك.

يقرأ الصراف أوراق الدعوى بتمعّن ويقلّب الأمر من كل نواحيه فإن كان هناك مجال لربح الدعوى قبل الدفاع وإن كان ربحها معدوماً أو ضئيلاّ نظراً للمعطيات المتوفِّرة من أدلّة وشهادات شهود، رفض أن يلتزم ويدافع ثم هو يشرح للشخص المعني احتماليات الربح والخسارة، السجن، عدد السنين تقريباً، ومن الأكيد ان قدراته على الشرح بدقّة تعود الى ماضيه القضائي كحاكم منفرد، مدّعي عام، مفتش عدلية، وهو يعتبر أن من شرف المهنة مصارحة الموكِّل بالحقيقة فلا يجوز خداع الناس وأخذ مالهم في قضايا خاسرة، كان أحياناً يذكر باستنكار واشمئزاز فلان وفلان الذين خدعوا المُوكِّل وكذبوا في انهم سيحصلون على حكم بالبراءة أو بسنوات سجن قليلة.

ولكل أمر استثناء، وهذا يعني ان الصراف يقبل أحياناً دعاوى مدنية، وهذا يحصل لعلاقات معرفة وصداقة شخصية أو برجاء من أميّ حين يوسِّطونها خوف رفضه.

الصرّاف بين الاجتماع والقضاء

يأتيه رجل يرجو وساطته في تطليق ابنته؛ يحكي الأب: ليلة العرس كان هناك حفلة كبيرة، العروس والناس ينتظرون مجيء العريس، انتهت الحفلة ولم يأت، بعد التحرّي والبحث عنه خوفاً من ان قد يكون تعرّض لحادث، ظهر انه ذهب الى المقبرة حيث دُفن والده وبقي إلى جانب قبر أبيه، تكشّفت الأمور حينها؛ الرجل مُصاب بانفصام شخصيّة، أمراً قد أفلح في اخفائه طيلة فترة الخطبة وبعد العقد، ولم يُبلِّغ أحداً من العارفين بهذا من محيطه، المرأة أو عائلتها بالأمر ربما لما يعرفونه من عشقه للبنت واعتقادهم ان الزواج بما يحمله من استقرار عاطفي قد يفلح في شفائه.أقام والد البنت دعوى أمام المحكمة لغرض طلاق ابنته، الرجل يتهرّب دوماً ويخترع الحجج والمعاذير، العشق؟ الإنتقام لفضحه؟ ربما الإثنين، الوقت يمضي ونفسية البنت تسوء وتسوء، عائلة الرجل أصدقاء لأبي وهو مسموع الكلمة لديهم، لذا نُصح والد البنت وتربطه معرفة قوية بالصراف، باللجوء اليه وطلب وساطته لإنهاء الأمر وتطليق البنت بالحسنى. وافق الصراف في الحال، إنه رد الأمور الى نصابها بتحقيق عدل، وبعد الكلام مع عائلة الرجل ومعه شخصيّاً أفلح أبي في إقناعه بتطليق البنت، قام بتطليقها وانتهى الأمر. بعد فترة أسابيع لا أذكر تماماً، وكان الصراف المحامي في المحكمة كعادته فُوجئنا بشرطي يدق باب البيت، جاء لتسليم بلاغ بدعوى مُقامة ضد أبي، المُشتكي هو المُطلِّق، ودعواه ان الصراف أجبره على طلاق البنت.خسر الدعوى.

الصراف وسيط عشق وقضية خاسرة

هناك تكملة لهذه الحادثة ارتأيت وضعها: استرجعت البنت حياتها الطيّبة بعد طلاقها وتحسّنت نفسيتها تماماً. البنت تعمل في إحدى دوائر الدولة، معها في الشعبة من ضمن الموظّفين، موظف مغرم بها منذ سنين وسنين، انه يعرف ما جرى لها بالكامل، رجل طيّب الأخلاق من عائلة طيّبة، إنه يريد خطبتها وهو لا يجرؤ على الكلام معها فقرّر اللجوء الى أبي بدوره ليساعده في الأمر وذلك بالذهاب الى ابيها والكلام معه شخصياً نيابة عنه. ومن كلامه وطريقة شرحه يدرك الصراف انه أمام رجل ليس سوياً بالتمام؛ رؤى وتخيّلات وهواجس، هناك سبب آخر: أنه لا يتمتّع بأي نوع من الجاذبية لا شكلاً ولا كلاماً.يذهب الصراف إلى والد البنت بعد أخذ موعد منه، يفرح الأب برؤيته ولكنه يحس في الوقت نفسه، ان هناك أمراً استوجب مجيئه، استمع الأب بالكامل، بعد الإنتهاء قال انه يعرف الأمر فابنته تقص عليه ما يحصل بعد ان لاحظت، سلوك الرجل معها وليست بالوحيدة، فبقية الموظّفين لاحظوا ذلك.قال الأب للصراف: هيّه مثل بنتك، وانت خلّصته من ذاك، انت تقبل بنتي تتزوج هذا؟؟ وافقه أبي، انما أضاف انه كان عليه القيام بما كُلِّف به ونقل الرسالة. أبلغ الصراف الرجل العاشق بالرفض واختار لذلك أكثر الألفاظ حيادية ووضوح، مع ذلك ظلّ العاشق مداوماً على الحضور لبيتنا، ولفترة من الزمن أخذنا نراه كل يوم تقريباً حتى انه يجلس في الصالون معنا، أي مع أفراد العائلة وليس في غرفة الضيوف، الصراف كان متفهّماً صبوراً فالقصص نفسها: وضعت البنت القلم بهذا الشكل، هذا يعني شيئاً. لم تشرب قدح الماء بالكامل وهذه إشارة له، لبست اللون الفلاني، هذه إشارة أخرى...بعد فترة انقطع عن المجيئ، ثم – وهذا استطراد يقتضيه الحال – تقدّم لخطبة البنت رجلاً حاز رضاها فتزوجته.

مدع عام، حاكم منفرد، حاكم بداءة، محام. في جميعها كان رفع الظلم عن المستضعفين هاجس لديه لا يفارقه. المستضعف هو من لا يملك حيلة أمام من هو أقوى منه، الارملة واليتيم على وجه الأخص. القوي؟ هو الذي يسنده المال، المنصب، الإنتماء العائلي والعشائري. كان الصرّاف يستعمل صلاحيّاته القضائية الممنوحة له بل وحتى يتجاوزها في إحقاق حق ورفع ظلم.

عن مدونة (شيماء احمد حامد الصراف)