في ذكرى حركة مايس 1941.. كيف لجأ الوصي الى البصرة؟ وكيف خطط لاعتقاله؟

في ذكرى حركة مايس 1941.. كيف لجأ الوصي الى البصرة؟ وكيف خطط لاعتقاله؟

د. زينب كاظم العلي

كان نوري السعيد على رأس الوزارة العراقية عند نشوب الحرب العالمية الثانية في ايلول 1939 وقد بادرت حكومته الى الاعلان عن تضامنها عم بريطانيا والتزامها بتعهداتها اتجاهها. كما قام الوصي على عرش العراق عبد الاله بأرسال برقية الى ملك بريطانيا عبر فيها عن موقف الدعم والتأييد لبريطانيا، بينما لم يكن القسم الاكبر من الشعب العراقي متفقاً مع الوصي ونوري السعيد في مشاعر الصداقة والود اتجاه بريطانيا، اذ كان المثفقون السياسيون وقادة الجيش القوميون وغالبية الناس يتمنون الهزيمة لبريطانيا وحليفتها فرنسا.

وقد عبر نوري السعيد عن موقفه بصراحة قبل ان تعلن لندن الحرب ضد برلين بيومين حينما القى خطاباً من دار الاذاعة اكد فيه ان العراق سوف يكون متمسكاً بمضمون معاهدة 1930 التي تنص على تقديم التسهيلات الضرورية للمواصلات البريطانية داخل الاراضي العراقية، و لكنه اعلن في الوقت نفسه ان العراق غير ملزم بالاشتراك في الحرب وان كان عليه الدفاع عن نفسه في حالة الهجوم عليه، وبعد ان بدأت الحرب بالفعل حدد نوري المفاهيم نفسها في خطابين القاهما قبل ان ينتهي الشهر الاول من الحرب.

و لما اعلنت ايطاليا انضمامها الى جانب المانيا ضد الحلفاء طلب السفير البريطاني بازل نيوتن الى الحكومة العراقية قطع علاقاتها مع ايطاليا، فاجتمع مجلس الوزراء لمناقشة الموضوع وكان نوري السعيد يقر بقطع العلاقة مع ايطاليا، الا ان المجلس طلب التأني في تحديد موقفه، واصدر بلاغاً خلاصته تريث الحكومة العراقية في موضوع قطع العلاقات الدبلاماسية مع ايطاليا.

ان تردد الوزارة الكيلانية بقطع العلاقات مع ايطاليا مسبب استياء لبريطانيا وبدأت العلاقات بين الطرفين تتعقد والخلافات تشتد، ففي 21 حزيران 1940 ابلغ السفير البريطاني حكومة رشيد عالي رغبة بريطانيا بانزال جنوداً لها في البصرة تمهيداً لارسالهم الى فلسطين، كما طالب باعطاء القوات البريطانية التسهيلات الكافية للمرور عبر الاراضي العراقية حسب نصوص معاهدة 1930 وفضلاً عما تقدم فقد ابلغ السفير الوصي بضرورة الضغط على الوزارة الكيلانية ليدفعها الى الاستقالة، وبالفعل فقد استقال بعض الوزراء بناءاً على طلب الوصي الا ان رشيد عالي الكيلاني لم يقدم استقالته، مما سبب حدوث ازمة وزارية، وبدلاً من ذلك حاول رشيد عالي الكيلاني املاء الشواغر الوزارية لكي تبقى الوزارة في الحكم، الا ان الامور تعقدت اكثر من ذلك بعد ان قدم رشيد عالي طلباً الى الوصي بحل المجلس النيابي، فقد كان جواب الوصي ان ترك بغداد وذهب الى الديوانية (القادسية).

لقد وضع تصرف الوصي رشيد عالي (رئيس الوزراء) وحكومته في مأزق حرج لانه عرقل اعمال الوزارة وترك توقيع الارادة الملكية بحل المجلس النيابي معلقاً حتى يضع الكيلاني امام الامر الواقع فيضطر الى الاستقالة، فعقد اجتماع لمجلس الوزراء حضره قادة الجيش وهم صلاح الدين الصباغ ومحمود سلمان وفهمي سعيد الذين غدوا هم اصحاب القوة السياسية في البلاد وجرت استشارتهم في الامر، وبعد المناقشة تم الاتفاق على ان يقدم الكيلاني استقالة وزارته تحاشياً للمشاكل التي قد يستغلها الانكليز، ومما ذكره صلاح الدين الصباغ في هذا الصدد " ان استقالة الوزارة الكيلانية كانت اقسى استقالة قدمتها وزارة عراقية " وباستقالة الوزارة كلف طه الهاشمي بتشكيل الوزارة الجديدة، الا انه قبل ان يبدي موافقته استشار قادة الجيش في الامر، فكان رأيهم ان يقبل التكليف على شرط ان تسير وزارته ضمن حدود المعاهدة العراقية البريطانية، وان لا يتدخل احد في شؤون الجيش بصورة مخالفة للقانون، وهكذا تشكلت الوزارة الهاشمية وسط اجواء وشحونة بالحذر والتوتر وسرعان ما ظهر التناقض بينها وبين قادة الجيش حول قطع العلاقات مع ايطاليا، فقد كان الهاشمي ميالاً لقطع العلاقات مع ايطاليا تنفيذاً لاوامر الوصي والانكليز، وكان يعتقد بالوقت نفسه بان العقداء الاربعة هم العقبة في طريق تنفيذ هذا الامر، لذلك اصدر امراً بنقل احدهم وهو كامل شبيب من بغداد الى الديوانية قائداً للفرقة الرابعة بدلاً من ابراهيم الراوي، فرفض العقداء الاربعة تنفيذ الامر واجبروا الهاشمي هو الآخر على تقديم الاستقالة، وعندها تعقدت الامور خاصة حين هرب الوصي من بغداد الى البصرة واستلم العقداء الاربعة زمام المسؤولية وقد اخذوا على عاتقهم دعوة رشيد عالي الكيلاني الى تشكيل حكومة جديدة اطلق عليها حكومة الدفاع المدني.

لجوء الوصي الى البصرة

امل الوصي حين هرب من بغداد ان يشكل حكومة فيها بعيدة عن العسكريين. فبعد مغادرته بغداد اصدر امين زكي رئيس اركان الجيش في 3 نيسان 1941 بياناً الى الشعب العراقي اوضح فيه تطور الاحداث واهداف حكومة الدفاع الوطني واسباب تكوينها ثم اتهم الوصي " باحداث الانقسام في صفوف الشعب وتحطيم الجيش الحارس لكيان الامة والوطن "، وقد اعقبه رشيد عالي الكيلاني الذي اذاع بياناً على الشعب العراقي اوضح فيه سياسة حكومته التي خلاصها " عدم توريط البلاد باخطار الحرب والقيام باداء رسالتها القومية والمحافظة على تعهداتها الدولية ".

اما بصدد وصول الوصي الى البصرة فقد ورد في تقرير لمديرية شرطة لواء البصرة انه وصل في الساعة الثامنة من مساء يوم 3 نيسان قادماً من الحبانية بطائرة بريطانية الى الشعيبة ومنها الى البصرة بصحبة كل من علي جودت الايوبي والرئيس (النقيب) عبيد عبد الله المضايفي وحلوا في فندق شط العرب في المعقل، وطلب الوصي حضور بعض المسؤولين للالتقاء بهم، وكان صالح جبر متصرف البصرة اول من حضر، كما زاره كل من قائد قوات شط العرب احمد رشدي وآمر حامية البصرة العقيد رشيد جودت وكذلك زاره الكولونيل وارد مدير الميناء والكابتن ميلنك ضابط الاستخبارات البريطاني، كما شوهد قائد القوة الجوية والبريطانية في قاعدة الشعيبة في فندق شط العرب ايضاً، ويذكر العقيد عامر حسك مقدم اللواء السابع يومئذ في كتابه (احداث البصرة في ثورة 2 مايس 1941) بان الوصي طلب من آمر حماية البصرة العقيد رشيد جودت تهيئة اللواء السابع للتقدم نحو بغداد للقضاء على حكومة الدفاع المدني لان " بقية الضباط في بغداد وقطعات الجيش في المناطق الاخرى " حسبما اوضح الوصي " غير راضين على تصرفات اولئك الضباط المتمردين وانهم سوف ينضمون الينا ".

اما آمر حماية البصرة العقيد رشيد جودت فأنه لم يذكر هذا الامر في تقريره الذي رفعه هو الى رئاسة اركان الجيش في 6 نيسان 1941، سوى ما ذكره الوصي من شرح للموقف الذي حصل في بغداد وكيفية مجيئه الى البصرة، الا انه (اي العقيد رشيد جودت) ذكر بان صالح جبر اخبره عن خطة الوصي ووعود الانكليز بالمساعدة " فأيقنت ان هذه لعبة انكليزية محظة يتوخى منها تدمير البلاد ".

ومما يجدر ذكره ان العقيد رشيد جودت بصفته آمر لحماية البصرة قد تسلم برقية من رئاسة اركان الجيش تقضي " بضرورة السيطرة على الموقف في البصرة "، لذا فقد عقد اجتماعاً عسكرياً حضره قادة البصرة العسكريون آمروا الافواج وهم المقدمون مهدي صالح ويوسف عمر وعزيز حكمت والرئيس (النقيب) نوح عبد الله آمر القوة النهرية واخبرهم بمضمون برقية رئاسة اركان الجيش السابق ذكره، كما اخبرهم بالوقت نفسه بوصول الوصي الى البصرة واوصاهم بضرورة العمل على مقاومة تحركاته، ومعنى ذلك ان امراء الافواج لم يكن لهم علم بوجود الوصي في البصرة الا ان رشيد جودت اكد صحة وجوده وانه التقى به في فندق شط العرب وشرح لم ما حصل.

اما بالنسبة الى الوصي فقد تعقد موقفه بعد قطع الخطوط الهاتفية الخاصة بفندق شط العرب للحيلولة بينه وبين الاتصال باية جهة كانت، وقد اشر تقرير لمديرة البصرة بان هذا الاجراء مع عملية القاء القبض على المتصرف وسوقه الى بغداد قد اثارت الوصي وسببت استاء له ولمرافقيه وتوقعوا ان هنالك اخطار تنتظرهم لذا تركوا فندق شط العرب وتوجهوا بصحبة الكولونيل وارد مدير الميناء الى مقر القوة الجوية البريطانية في الشعيبة، ثم هناك تم الاتفاق على نقلهم الى احدى البواخر الراسية في شط العرب، اما اجراءات السلطة الرسمية في بغداد اتجاه ذلك فانها اوفدت بعد يومين من وصول الوصي الى البصرة كلاً من الرئيس (النقيب) محمود حسن الدرة والرئيس الاول (الرائد) محمد حسن الطريحي الى البصرة (فوصلاهما يوم 5 نيسان 1941) وقد اوضحا ان الغرض من ارسالهما الى البصرة كان لاطلاع مقر حاميتهما على التطورات التي حصلت في بغداد اولاً، وتنفيذ ما جاء من قرارات مجلس الدفاع الاعلى (التي سيرد ذكرها) ثانياً، ومعرفة موقف حامية البصرة ومدى استعدادها للمحافظة على امن البصرة ومنع الفوضى ثالثاً، وبعد انتهاء مهمتهما ورجوعهما الى بغداد قدم الطريحي تقريراً الى قائد الفرقة الثالثة في 7 نيسان 1941 اوضح فيه تفاصيل المهمة التي ارسلا من اجلها.

وفي حديث لي مع محمد حسن الطريحي قال كلفت من قبل قائد الفرقة الثالثة صلاح الدين الصباغ بالذهاب الى البصرة والقاء القبض على الوصي وجلبه الى بغداد لاعتقاله او تسفيره الى الاردن، وقد ارسلوا معي محمود الدرة، وقبل سفري اتصلت هاتفاً بعامر حسك لتنفيذ الامر، ويظهر ان المخابرة سرقت من قبل الاستخبارات البريطانية وهذا الاحتمال هو الارجح، اذ عندما وصلت الى البصرة مع الدرة علمنا بان الوصي هرب من فندق شط العرب قبل ذهاب عامر حسك اليه، فأشعرت الصباغ هاتفياً بذلك فأمرنا بالعودة، وقد

تأخر رجوعنا بالطائرة بسبب الظروف الجوية الرديئة في اثناء وجودنا في البصرة أخبرنا طارق الزهير ضابط الاستخبارات العراقي بمشاهدته للوصي على البارجة البريطانية في شط العرب، وقد اجتمعنا في مقر اللواء بصالح حمام وكيل المتصرف (الذي كان قائممقام لقضاء ابي الخصيب) ورشيد جودت ومهدي العاني وعامر حسك ومحمود الدرة وطارق الزهير لنبحث ماذا نعمل وقبل ان نتخذ اي شيء جاءت الاوامر بمنع الوصي من الاتصال بأي شخص في البصرة.

عن كتاب(البصرة خلال ثورة مايس) ــ شبكة البصرة الثقافية