حادثة (نجيب باشا) الدموية في كربلاء سنة 1842م

حادثة (نجيب باشا) الدموية في كربلاء سنة 1842م

د. سلمان هادي الطعمة

كانت كربلاء تشع منها روح معادية للمماليك وللأتراك على وجه العموم، ووصفت المدينة بأنها "بعيدة عن حكم الحكومة التركية تقريباً فقد ثارت كربلاء ثورة عنيفة في عام 1820 ـ 1823 وكان داود باشا قد عين فتح الله خان حاكماً لقصبة كربلاء ووضع في المدينة حامية مؤلفة من (500) شخص،

وتشير المصادر المحلية الى حدوث تمرد ضد الحاكم بسبب سوء سلوكه وعدم احترامه لقدسية المدينة واستخدامه القسوة في جباية الضرائب الامر الذي دفع الكربلائيين الى التآمر على الحاكم وقتله. وعين داود باشا بدلاً عنه علي أفندي لكنه لم يستطع اعادة النظام وتطبيق سياسة الشدة التي عزم داود باشا على تطبيقها، فأبدل بسليمان أغا الذي أدت سياسته الى حدوث الخلاف بينه وبين السيد حسين نقيب كربلاء، فعزل أيضاً وعين بدله السيد عبد الوهاب محمد علي آل طعمة، ولكن الامور لم تستقر في المدينة، فقرر داود باشا ارسال قوة عسكرية لأعادة النظام واستحصال أموال الخزينة وحل التشكيلات العسكرية المحلية فحاصر المدينة عام 1824 حتى اضطرت الى الاستسلام وتعهد أهلها بدفع الاموال وسميت هذه العملية العسكرية بـ "واقعة المناخور" نسبة الى قائد الجيش المملوكي سليمان ميراخور، وقد بالغت المصادر المحلية كثيراً في ذكر وقائع هذه العملية العسكرية وقوة أهل المدينة، بحيث قالت "كان الكربلائيون يملكون أربعة آلاف بندقية جيدة صالحة للاستعمال وثلاثين ألف بندقية رديئة غير صالحة للاستعمال.. وكان لديهم خمسة عشر طوب (مدفع).

حادثة نجيب باشا

في1842 وصفت كربلاء في عهد الوالي العثماني نجيب باشا ومن سبقه بانها "شبه جمهورية Aself - governingseml - alien ARepublic فقد أراد علي باشا الذي ولي الحكم في العراق بعد داود باشا أن يؤكد سيادته على كربلاء ولجأ الى الحيلة دون القوة وتظاهر بأنه يود ان يؤدي الزيارة لقبر الحسين، ولكن أهل المدينة رفضوا ان يسمحوا له بذلك، وفضل علي رضا باشا اسناد حكم المدينة الى السيد عبد الوهاب محمد علي آل طعمة في المدينة التي ظلت مدة حكم علي رضا باشا في العراق شبه مستقلة، ولكن تحت سيرطة جماعة مسلحة أطلق عليها اسم "يارمز" أخذت تعتدي أملاك وأرواح الاهالي فتكبد أهالي كربلاء أشد أنواع الخسائر المادية والارهاق العصبي، وفاق نفوذ اليارمز رجال الدين في المدينة.

لم يسكت نجيب باشا على ترك كربلاء تحكم نفسها بنفسها وتجني ثمار الفوضى القاتلة وخاصة عندما ابدى رغبته لزيارة المدينة وحدد له أولو الأمر في المدينة عدد مرافقيه بستة أشخاص فقط بالاضافة الى انهم رفضوا رغبة نجيب في أن يمدوه بتموين لجشيه في سنة 1842م.

وفي ايلول 1842 كان نجيب باشا على رأس جيشه في منطقة المسيب لقمع العشائر الثائرة، فانتهز الفرصة واتصل بزعماء كربلاء طالباً مساعدته في اعادة النظام، فاتفقوا معه على ارسال حامية عثمانية تعدادها (500) جندي، الا ان الاتفاقية سرعان ما مزقت واستعد اليارمز والاهالي والقبائل الساكنة قرب المدينة للدفاع عنها. وكان في مقدمتهم السيد عبد الوهاب الطعمة حاكم المدينة وسادن الروضتين والسيد ابراهيم الزعفراني والسيد صالح الداماد والسادة آل نصر الله والسيد حسين النقيب وعلي كشمش وطعمة العيد.

أدى نقض الاتفاق الى اصرار نجيب باشا على اخضاع المدينة، وقبل أن يضرب نجيب ضربته الأخيرة عقد مباحثات مع القنصلين الفرنسي والبريطاني والوكيل الفارسي واخطرهم مقدماً بمشروع حملته لما كان يتوقعه من نشوب أزمة سياسية بين الدولتين الفارسية والعثمانية ثم حشد قوات المرابطة في المسيب بالاضافة

الى قوات جلبت من بغداد. وبعد ان أتم نجيب اجراءاته الدبلوماسية والعسكرية اصدر أوامره بمهاجمة المدينة بكتيبة من الفرسان وعشرين مدفعاً وثلاث كتائب من المشاة وقد حاول أهالي المدينة اقناع قائد القوة سعد الله باشا بالمفاوضة، وعرض عليه السيد كاظم الرشتي ان يأخذ عائلات زعماء اليارمز كرهينة حتى ينسحب الجيش لكن القائد أصر على استخدام القوة لتأديب العصاة، وقامت المدفعية بقصف أسوار المدينة، فزادت جذوة المقاومة الشعبية وهب رجال الدين يصلحون الاسوار ويثيرون حماس المدافعين ولكنهم لم يستطيعوا الصمود أمام جيش منظم ودخلت القوات المدينة في (13 كانون الثاني 1843) وفقد الضباط سيطرتهم على الجند ووقعت حوادث نهب وقتل عديدة، ثم هدأت الامور بعد دخول نجيب باشا المدينة وبدأ بتنظيم الادارة، وتعيين حاكم للمدينة وقاض وخطيب ليدعو للسلطان في صلاة الجمعة.

ارتفعت المشكلة الى مصاف الازمات الدولية، وأرسل كاننج Canning السفير البريطاني في الاستانة معتمداً من قبله الى كربلاء هو الكوزلونيل Fairen كما طلب المبعوث الروسي في الاستانة المستر بوتنييف Boutenieff ان يقوم فارن بتمثيل الجانب الروسي ايضاً، وارسل السلطان العثماني مندوبا الى كربلاء وهو نامق باشا. وقد جاء في تقرير فارن Fairen ان القتلى لا يزيدون على خمسة آلاف قتيل منهم ثلاثة آلاف داخل المدينة معظمهم من العرب، أما الفرس فقد فروا من المدينة قبل اقتحام القوات العثمانية لها، وقتل ثلاثة من الهنود وواحد من الروس، وفقد حوالي (20 ـ 30) من البنجابيين ومن أهل كشمير. أما المبعوث العثماني فقدر عدد القتلى في المدينة بحوالي (250) قتيلاً منهم (150) بينما خسر العثمانيون (400) قتيل و(200) جريح.

وقد وصف عالم الآثار البريطاني وليم كنت لوفتس William Kent Lofuts الذي زار كربلاء عام 1853. أي بعد عشر سنوات من الحادثة آثار التدمير الذي أصاب المدينة بقوله: "فقد تهدمت الدور للسراي ولم يعد تشييدها فبقيت دلائل للخراب والتدمير وتعرضت المساجد الى الخراب والتدمير بصورة خطيرة فظلت آثار القنابل والشظايا واضحة للعيان في قبابها، وجدران البلدة التي لم تسد الفجوات والثقوب الحاصلة فيها ولم يسلم النخيل في البساتين من آثار القصف كذلك، فبقي عدد كبير منه تبدو الثقوب في جذوعه بارزة للمشاهدين، بينما احترق عدد آخر منه هنا وهناك وتجرد من سعفه".

1864 كانت كربلاء قضاء تابعاً لسنجق الحلة، وقد ذكر المستر جون أشر، عضو الجمعية الجغرافية البريطانية، الذي زار المدينة في 1864 بأنه أرسل الى قائممقام كربلاء ولذلك فتح له باب السور عند وصول قافلته بعد مغيب الشمس فمرت القافلة ما بين أزقة المدينة الضيقة التي كانت تضيء ظلمتها الفوانيس المعتمة التي بعثها القائممقام لتحمل امامه وقد وجد البلدة عندما تجول فيها في اليوم التالي، بأنها بلدة ذات حركة غير يسيرة ونشاط ملموس برغم عدم أتساعها، وكان كل شبر متيسر فيها من الارض مشغولاً بالبيوت المتراصة، أو التي كانت في مرحلة التشييد.

ـ وعند تعيين مدحت باشا والياً على العراق خلال الفترة (1869 ـ 1872) طبق نظام الولاية الجديدة، وهو نظام اداري أصبحت كربلاء بموجبه سنجقاً (لواء) تابعاً لولاية بغداد دون ان تتبعها أية أقضية أو نواح، وقام مدحت باشا بزيارة كربلاء على أثر شكوى ضد متصرفها اسماعيل باشا، فقام بعزله لأنه علم أنه كان سيء الادارة مرتشياً، وكذا بعض الموظفين ممن على شاكلته، وأمر بتقديمه للمحاكمة وعين بدلا عنه حافظ افندي. وقد وجد مدينة كربلاء صغيرة وشوارعها ضيقة ومزدحمة فأمر بانشاء محلة جديدة، وباع الاراضي الحكومية الى الاهلين لبناء الدور أو المحلات وصرف الواردات لتنظيم شوارع المدينة، وبني في عهده محلة العباسية الشرقية الحالية، كما هدمت أسوار المدينة القديمة الى حد كبير، وشرعت الحكومة في عام 1871 ببناء دوائر للدولة وبتوسيع سوق المدينة. وقد وصفت مدام ديولافوا التي زارت المدينة عام 1881 بانها "عبارة عن جامعة دينية كبيرة يقصدها طلبة العلم من كل حدب وصوب من انحاء العالم الاسلامي فيقضون فيها سني حياتهم.. ".

من كتاب (كربلاء في الذاكرة)