من رحلة البريطاني فريزر الى بغداد سنة 1834

من رحلة البريطاني فريزر الى بغداد سنة 1834

ترجمة: جعفر الخياط

بغداد- 13 تشرين الثاني 1834 م‏

ها قد وصلنا أخيرا يا عزيزتي- إلى مدينة بغداد العظيمة، عاصمة الخلفاء- عاصمة هارون الرشيد و زبيدته الجميلة- و مقر جعفر البرمكي، و مسرور رئيس الخصيان، و جميع الرجال مثل أبي الحسن و علي خوجة، و السيدات و الحمالين، و المفتونين و المفتونات الذين تتحدث عنهم "ألف ليلة و ليلة". فوا أسفاه، كيف عفا عليها الزمن. لكننا لنتمهل قليلا و لا نتحدث عن الأشياء قبل أوانها.

في طريقنا إلى مسكن الباليوز أو المقيم، كان كافيا لإنقاذنا من لجاجتهم و إلحافهم. لكن تخليص أنفسنا من زحمة البغال و القافلة لم يكن سهلا، فاستغرق وقتا أكثر مما كان يتحمله جزعي و قلة صبري. على أننا في النهاية تمكنا من العبور بشق الأنفس، و حصلنا على دليل يوصلنا إلى دار المقيمية.

و بعد سياحة طويلة عبر الأزقة و الأسواق، كانت مملة بالنسبة إلينا، وصلنا إلى مبتغانا. و قد عرفت بهزة من الفرح السپاه الهنود الذين كانوا يرابطون في الباب- لقد كانوا كأنهم أصدقاء قديمون في بلاد غريبة- و بعد خمس دقائق كنت جالسا على مائدة الفطور مع الكولونيل تايلور (2)، بكل مسليات الترحيب الحار و الفطور الشهي لتحيتي و إنعاشي. و لا أراني بحاجة للقول بأن بقية اليوم قد تقضت بأطرف الحديث و أكثره متعة مع الأصدقاء الذين اجتمعت بهم، فقد كان عندنا كثير مما يجب أن نقف عليه و نقوله. غير أنه لما كانت هذه الأخبار لا يمكن أن تحظى عندكم بنفس الاهتمام الذي تحظى به عندي سوف أكفيكم مؤونتها في الوقت الحاضر، و أستودعكم إلى تلك الراحة الهنيئة التي تقصر عن زيارة و سادتي هذه الليلة.

أما حالتي فلم تكن تتحمل الانهماك الطويل. إذ لا يزال هناك الكثير مما يجب أن أجتازه، و لا يمكن إلا تخصيص قليل من الوقت لمشاهدة المناظر أو التمعن في الأشياء الغريبة. و مع ذلك فها هو دجلة الخالد يجري من تحت شباكنا، و يعج بالزوارق و الأكلاك، و يمتد من فوقه جسر الزوارق المعروف الذي يوصل بين ضفتيه. و ترتفع من حولنا منائر الجوامع و قبابها، و مراقد القديسين و الأولياء، و هي تحدثنا عن الأيام الغابرة حينما كانت بغداد عاصمة الإسلام و موئل قوته و منعته. و ها هي بابل و سلوقية و طاق كسرى تقع في مواقع قريبة منا، و تغص البلاد المحيطة بنا كلها بالأشياء المهمة التي تلفت النظر و تستدعي الاستكشاف. و لذلك أعددنا أنفسنا للاستفادة من وقتنا القصير بأحسن وجه، و بدأنا بجولاتنا.

فبالنسبة للذين يأتون من إيران، و خاصة الذين يكون قد أضجرهم تعاقب الدمار و الخراب الذي أتعب عيوننا و أنهكها ما رأيناه من آثاره، يعتبر منظر بغداد لأول وهلة منظرا بديعا يبعث على الانطباع الحسن بالتأكيد. فللأسوار أولا منظر مهيب يؤثر في النفس- فهي مشيدة بالآجر المحروق بالنار، و مدعمة من كل زاوية بأبراج مدورة لها فتحات (مزاغل) خاصة للمدافع، بدلا من السياج البسيط المبني بالطين، المتهدم على الدوام تقريبا، الذي يحيط بالمدن الإيرانية. و لا يعني هذا أن سور بغداد هو سور كامل، فالأمر ليس كذلك.

و إنما أتكلم عن مظهره الخارجي. و الأبواب أيضا، فمع أنها متهدمة للغاية فإنها على وجه التأكيد أعظم من أبواب المدن الموجودة في البلاد المجاورة.

و حينما يدخل السائح القادم من إيران إلى المدينة فإنه علاوة على ذلك يبتهج بمنظر البيوت المبنية، مثل أسوار المدينة، بالآجر المفخور التي ترتفع في علوها إلى عدة طوابق. و مع أن عدد الشبابيك المطلقة على الطريق غير كثير بحال من الأحوال فإن العين لا يزعجها استمرار ذلك التعاقب الكريه من الكتل الطينية الحقيرة الواطئة، المتداعية، المتعرجة و غير المنتظمة، التي تحجزها عن بعضها ممرات متربة موحلة لا تستحق حتى أن تسمى أزقة، مما يتكون منه القسم الأعظم من كل مدينة إيرانية.

و لا ينكر أن الشوارع، حتى في هذه المدينة، تكون في الغالب عبارة عن أزقة ضيقة غير مبلطة، و موحلة في الشتاء من دون شك، لكن المرء حينما يمر راكبا فيها و خاصة في المواسم غير الممطرة يتأثر حتما بفكرة أن الجدران المتينة القائمة على يمينه و شماله لا بد أن تحتوي في داخلها على مساكن مريحة جيدة تقاوم الأحوال الجوية، بينما تؤيد الأبواب ذات الحجم المناسب و القبضات الحديد التي تحافظ على مدخلها ما يختلج في مخيلته من فكرة المتانة و الأمان. أما في إيران فالأمر يكاد يكون بعكس ذلك، إذ تكون مداخل البيوت، و حتى بيوت الأشخاص المرموقين، أشبه بفتحات الكهوف أو المغاور بدلا من أن تكون أبوابا لبيوت يأوي إليها أناس من البشر.

و لا تعدم شوارع بغداد الفتحات التي تسمح بدخول النور و الهواء إليها.فليست الشبابيك المطلقة عليها كثيرة فقط بل توجد أيضا شرفات مطلة، أو شبابيك بارزة ، تخيم على الشارع فتسمح بدخول الضوء إلى الغرف التي يجلس فيها عادة عدد من الأتراك المتزمتين الذين يقضون الوقت بالتدخين.

و إذا كنت محظوظا فقد تجد نفسك صدفة هدفا لأشعة نفاذة توجهها إليك من وراء المشبك‏ (2) نصف المغلق زوجان من العيون المشرقة. و قد ترى هذه الأجنحة المعدة للجلوس ممتدة أحيانا عبر الشارع لتتصل بالبيوت من الجانبين، فتضفي بذلك تنوعا مبهجا على طراز البناء و خاصة حينما تشاهد و هي نصف مظلمة بسعف النخيل الذي يعلوها من ساحة الدار في الداخل. و قد كان هناك في الجو العام المتكوّن من التنوع البارز، و طراز البناء، و الملابس الغريبة، و اختلاط الخضرة، و خاصة سعف النخيل، ما يعيد إلى الذهن، حينما ينظر إليه من وسط الشوارع الأكثر استقامة ذكرى مشوشة عن بلاد أخرى أكثر

اشتهارا في العالم- بلاد عليها مسحة ما ديرا في جزر الهند الشرقية و الغربية أو ما أشبه- بلاد تولد في النفس مقدارا من البهجة و الانشراح يزيد، على كل حال، على المنظر الحقيقي الذي أراه أمامي.

هذه هي الانطباعات التي تكوّنت لدي عما رأيته أثناء مروري بالبلدة، لكن ضفاف النهر كانت ترينا منظرا مختلفا تمام الاختلاف و أكثر جاذبية و جمالا من كل ذلك. فإن تدفق نهر جليل معروف يعد شيئا طريفا في جميع الأزمان، لكنه حينما تكون ضفافه مزدانة بخط طويل من الأبنية المؤثرة في النفس- إذا لم تكن جميلة تمام الجمال- و مظللة ببساتين النخيل وارفة الظلال، فضلا عما يزيد في رونقها مئات الزوارق و ضجيج الآلاف من الناس، و حينما يكون مجراه قد مد من فوقه جسر من الزوارق يعبر عليه سيل دائم التدفق من الناس و الخيل و الجمال و القوافل، و حركة نقل عظيمة من جميع الأنواع و الأشكال، فإن اللمحة المتكونة من جميع هذا يصعب عليها أن تقصر عن رسم صورة حية جدا في مخيلة الرائي. و هذا بطبيعة الحال هو المنظر الحقيقي لدجلة حينما تنظر إليه من أية نقطة كانت على ضفتيه، حيث تستطيع أن تحصر في مدى رؤيتك جميع الحيز الذي تشغله المدينة الحالية.

و لم تكن النظرة الأولى التي ألقيتها على دجلة تدل على ما كنت أتوقعه على وجه التأكيد: فلا يمكنني أن أقول إنني قد خاب أملي تماما فيه لكني كنت أتوقع أن أرى نهرا أكثر عرضا و اتساعا مما رأيت. على أنني أعتقد أنه أحسن بعرضه الحالي لأن العين تستطيع في الوقت الحاضر أن تشرف على الجانبين بسهولة. أما جهة البلد المطلة على النهر فقد كان عجبي فيها مفعما بالبهجة و السرور. فلم نجد فيها إلّا القليل من الجدران العارية، لأن معظم البيوت لها عدد كبير من المشابك (القيم) و الشرفات (الشناشيل) أو الشبابيك البارزة التي تطل على النهر. و بالقرب من الجسر جامع جميل بقبابه و منائره، و هو منظر يبعث في النفس السرور و الارتياح). و هناك بوجه عام شموخ يستحق الاعتبارفي خط الأبنية المطلة على النهر من ضفته اليسرى، فيضفي تنوعا ظريفا على المنظر. و ليس الجانب الأيمن، أو الغربي، من النهر على مثل هذا الجمال في طراز الأبنية و امتدادها، لكن بساتينه الواسعة و نخيله المتشابك المختلط بالأبنية تسبغ عليه منظرا مبهجا إذا ما نظر إليه من الجانب الآخر المكتظ بالسكان.

• صاحب هذه الرحلة المستر جيمس بيلي فريزر، الذي كتبها بجز أين و سماها "رحلات في كردستان و بين النهرين" و هو رجل مهنته الكتابة، و قد قام برحلته في عام 1834 م.