بمناسبة عيد العمال العالمي..محاكمة جريدة لتأييدها الحركة العمالية سنة 1931

بمناسبة عيد العمال العالمي..محاكمة جريدة لتأييدها الحركة العمالية سنة 1931

احمد فوزي

من بديهي القول أن للصحافة دوراً كبيراً في دفع عوامل التقدم إلى الأمام والإسهام في تطوير الوعي العام بين صفوف الشعب فهي السلطة التي تعمل على تطوير الارتقاء بالمجتمع كونها واحدة من أدوات التأثير الاجتماعي والسياسي باستثناء الصحف المأجورة التي تغلب عليها الانتهازية وركوب الطريق السهل في توفير كسب معيشي آني من خلال عدم المجابهة مع السلطة القائمة ومسايرتها ابتغاء مرضاتها وعليه:

فالصحافة الوطنية لاتقبل المساومة وترفض الإجراءات التعسفية التي تصدر من السلطة حيث تبقى مصلحة الشعب هي العليا دائماً في معالجاتها وكتاباتها الناجمة عند تحليل دقيق ورأي سديد تبرز من خلاله المسؤولية الوطنية التي تضطلع بها السلطة الرابعة.

)الأماني القومية) جريدة أسبوعية سياسية جامعة صدرت في /تشرين الأول / عام1931 وكان السيد إبراهيم صالح شكر يرأس تحريرها والسيد عبد الرزاق شبيب مديرها المسؤول.

بهذا المنطلق الوطني حفل العدد الأول من جريدة ((الأماني القومية)) الذي صدور صباح الجمعة الموافق 30 /تشرين الأول/ 1931 بافتتاحية تحت عنوان ((حفنة تراب على مرقد الباجة جي مزاحم الأمين)) استغرقت الصفحة الأولى وجزء من الثانية مع ملاَ أعمدة الصفحات الأخرى بهجوم عنيف على تصرفات (الباجة جي) عندما كان وزيراً للداخلية ضمن هذه الفترة وقد راجت الجريدة رواجا ليس له مثيل سابق الامرالذي حدا بالحكومة إلى تعطيل الجريدة لمدة أربعة أشهر..!

وقد أسفت الصحافة المعارضة على هذا الإجراء من قبل الحكومة والصحيفة في عددها الأول..

أن خلفيات هذا الهجوم العنيف تعود إلى تراكمات سابقة كان فيها مزاحم الباجه جي يشغل منصب وزير الداخلية وبهذا التاريخ صدر قانون رسوم البلديات الذي نشرته (الوقائع العراقية) في 14 /6 /1931 وتحت رقم (86) لسنة 1931 وهو يقضي باستيفاء الرسوم المحددة فيه من أصحاب الصنائع وغيرهم التي بلغت أكثر من(120) فقرة استيفاء بحيث شملت حتى صباغي الأحذية ومنظفي مجاري المياه الثقيلة الآهلين، هذا الإجراء اقترن بإضراب العمال وبأصحاب الصنائع المعنيين به عند العمل حيث كان العمال يشعرمن مغلوبين على أمرهم وإنهم ضحية لمعاهدة (1930) التي كرست الانتداب البريطاني على العراق وقد سبق لانكليز انه خفظوا العمالة العراقية في السكك الحديد من (8129) عام (1926)إلى (4000) عامل عام 1931 اوفي شركة النفط العراقية من (3500 -1636) عاملاً في حزيران /1931.

وكان مجلس النواب قد فشل في مناقشة قانون رسوم البلدية الأمر الذي أدى إلى استقالة ثلاثة من أكثر نواب بغداد قوة وتأثيراً حيث اعلنوا أن الحكومة لم تحترم الحقوق والحريات المنصوص عليها للدستور وكان النواب المستقيلون: ياسين الهاشمي. ورشيد عالي الكيلاني وعلي جودت الأيوبي.

وقد إستحسن العمال أبعاد هذه الاستقالة التي شكلت موقفاً وطنياً داعماً لهم فاعلنو الإضراب في 5/تموز / 1931 الذي ذكره إبراهيم صالح شكر في افتتاحيه مسهبة قائلاً:

((فان الإضراب العام إنما اتسع خرقه، وتعددت أيامه لأنه تعمد الأقدام على السوء فركن إلى أن نبرئ رؤساء الحرف والمهن والصناعات ولاحق المضربين بأسباب العنف ووسائل القول وساقط الكلام في مخاطبة الشدة فصفرت الأسواق والشوارع واكتظت بهم ارتال السيارات المصفحة وجيش الشرطة المسلح ثم أغلق جمعية (أصحاب الصنائع) وختم على بابها بالشمع الأحمر ومنع أعضاء الحزبين المتآخين ((الوطني العراقي والإخاء الوطني)) من الوصول إلى أن حزبيهما ثم زج بالأبرياء في أعماق السجن……)).

ونتيجة هذا الهجوم العنيف على شخص مزاحم الباجه جي المشفوع بالتهديد والوعيد ونعته بنعوت عديدة،منها العبث بالدستور والأستئثار بالقوانين وبأنه سيلقى مالقي (علي كمال) في تركيا: نشرت جريدة ((صدى العهد))خبراً صغيراً مفاده: ((أن معالي مزاحم الباجه جي قد أقام دعوى جزائية على المدير المسؤول لجريدة الأماني وعلى إبراهيم أفندي صالح شكر لقذفها معاليه في الجريدة المذكورة)).

وفي اليوم التالي للدعوى حدد حاكم جزاء بغداد يوم 7/تشرين / 1931 موعداً للنظر في الدعوى.

وفي العاشرة من صباح اليوم المحدد للنظر في الدعوى اكتظت ساحة المحاكم وأروقتها وفنائها بجمهور المستصحب من الشباب والمحامين ورجال الصحافة ووجوه المدينة وافتتحت الجلسة برئاسة الحاكم الأول السيد شهاب الدين بك الكيلاني ونوري علي المحامين الذين بلغ عددهم (35) محامياً وبعد أن اكتملت هيئة المحكمة طلب وكيل المدعي الشخصي أن تكون المدافعة سرية كون موكله مزاحم كان وزيراً وأيده بذلك ممثل الشرطة واعترض محامي الدفاع علي محمود على ذلك بان القانون لايفرق بين الوزير وغيره وان الناس سواسية أمام القانون وبعد المداولة قرر الحاكم أن تكون المرافعة سرية فخرج جمهور المحتشدين من قاعة المحكمة إلى خارجها.

وكان من بين المحامين الـ (35) محامياً: عزيز نتريف، روفائيل بطي، توفيق الفكيكي، سعد صالح، إسماعيل الغانم…

وكانت الساعة الثامنة والنصف من صباح الثلاثاء 10/تشرين الثاني /1931 موعداً للجلسة الثانية للنظر في الدعوى وبعد أن ألقى الدفاع كلمته تأجلت المحاكمة صباح الأحد الموافق 15/ تشرين الثاني / 1931 لإصدار قرار الحكم وفي الموعد المحدد صدر الحكم وكان الحبس الشديد سنة لإبراهيم صالح شكر وستة أشهر حبساً شديداً لعبد الرازق شبيب وقد تقبلا الحكم برباطة جأش وكان رد الفعل من قبل المواطنين ووجوه المدينة والمحامين كبيراً القسم بالتعاطف الشديد مع السيدين المحكومين وكانت جريدة الاستقلال قد نشرت في عددها(164) في 16 / 11/ 1931:

تعقيباً على قرار الحكم يحمل بين طياته مؤاساة للشعب العراقي ولكن في صورة أسهام للوزارة القائمة آنذاك بان:معظم الصحفيين قد حكم عليهم في عهد هذه الوزارة الحاضرة كعبد الغفور البدري وروفائيل بطي وعلي محمود وكامل الجاردجي والدكتور عبد الإله حافظ ومحمد عبد الحسين…!

ومن المفارقات في هذه المحاكمة أن اللائحة الاستئنافية استغرقت (14) صفحة فولسكاب مما يدل على القناعة بقرار الحكم الصادر فيها حيث تضمنت طعوناً عديدة بشخص المشتكي كونه يتصف بصفتين:

شخصية سياسية عامة وشخصية سياسة مسؤولة أشغلت مناصب حكومية ذات مسؤولية ينسحب عليها النقد والتحليل السياسي ومن حق الصحافة أن تعنى بحياته السياسية وان تراقب إعماله وهذه المتابعة من أولى واجبات الصحافة في البلاد أي بمعنى أخر أن ماكتبه رئيس تحرير الأماني إبراهيم صالح شكر يدخل في صلب المهام الصحفية التي تفرضها عليه المسؤولية الوطنية باعتبار الصحافة السلطة الرابعة مضافاً الى الطعن بصحة المحاكمة في أنها غير صحيحية كونها سرية.

وفي 29/تشرين الثاني /1931 أصدرت المحكمة الكبرى قرارها في الحكم الذي أصدرته محكمة جزاء بغداد وكان بتخفيض الحكم إلى أربعة أشهر بالنسبة إلى إبراهيم صالح شكر بدلاً من سنة.والى شهرين من سنة أشهر إلى عبد الرزاق شبيب..!

بعد ذلك رفع المحامي علي محمود وزملاؤه المحامين الآخرين لائحة تميزية إلى رئاسة محكمة التمييز في العراق.

وفي صباح 19/كانون الأول /1931 أصدرت محكمة التمييز قرارها بنقض حكم محكمتي الاستئناف والجزاء، وجعل الحكم على ابر هيم صالح شكر شهرين فقط وشهر واحد على عبد الرزاق شبيب من السجن اختفت به المعارضة وأقام الأستاذ روفائيل بطي مساء 21/كانون 1931مادبة عشاء في ((البانسيوالبغدادي) دعا إليها كثيراً من الشباب الوطنين من محامين وغيرهم الأمر الذي حدا بالسلطةالى تفويت الفرصة على المعارضة باستقبال الأستاذ إبراهيم صالح شكر في مديرية السجون كانت قد هيأت سيارة لنقله من السجن إلى داره بوقت مبكراً جداً وهذا مفارقة ثانية نادراً ماتحدث في نتائج محكوميات المسجونين مضافا ًالى كونها تهدف إلى قطع الطريق على المتظاهرين ان يتظاهروا و ليشبعوا فرحهم من الهتافات الوطنية التي تؤدي إلى تعزيز دور المعارضة على صعيد الشارع العراقي.

عن كتاب (اشهر المحاكمات الصحفية)