مدن عراقية.. من تاريخ (المشخاب) في العهد العثماني الاخير

مدن عراقية.. من تاريخ (المشخاب) في العهد العثماني الاخير

حكمت الدولة العثمانية جنوب العراق بالاستعانة برؤساء العشائر التي كانت تقطن تلك المناطق لما تتمتع به من احترام وسيطرة على أفراد العشيرة والقبيلة,وكانت الدولة العثمانية تعلم أن المجتمع العراقي مجتمع قبلي عشائري,

وإن الفرد ينتمي للعشيرة كي تحمي حقوقه وتدافع عنه عند الحاجة, والدولة إذا كسبت ود شيخ العشيرة يعني كسبت ود جميع أفراد العشيرة, وعليه لجأت الدولة العثمانية إلى رؤساء العشائر بقصد السيطرة وبسط نفوذها والمحافظة على الأمن والاستقرار, واعتمدت على عشائر الفرات الأوسط بالأخص التي كانت تدير عدد من المناطق منها:

* المنتفك وكانت تدار من قبل عشيرة آل السعدون.

* الديوانية وما جاورها كانت تدار من قبل رؤساء عشيرة الخزاعل.

* الكوت وأطرافها كانت تدار من قبل رؤساء عشائر ربيعة وزبيد.

* الشامية كانت تدار من قبل عبادي الحسين وعبد السادة الحسين من آل فتلة.

* أبو صخير كانت تدار من قبل فرعون من آل فتلة.

* الهندية (طويريج) كانت تدار من قبل أولاد سماوي الچلوب وحجي شمران من آل فتلة.

* المشخاب وكانت تدار من قبل آل فتلة.

المشخاب (ناحية الفيصلية), سبب تسميتها المشخاب يرجع إلى أن نهر الفرات عندما بلغ قصبة أبو صخير أخذت مياهه تشخب في الأرض الواطئة فسميت في بادئ الأمر بالمشاخيب أي المجاري ثم أخذت تتوحد تلك المجاري في نهر واحد سمي بالمشخاب بدلاً من المشاخيب.

كان رؤساء العشائر مخولون من قبل الولاة بالتزام الواردات بمبالغ معلومة يستوفونها من السكان والزراع والغارسين على أساس ألأراضي الخراجية, وإذا تأخرت عشيرة من العشائر عن الدفع فإن الحكومة تنذر تلك العشيرة وإذا لم تستجب للإنذار فإن الحكومة تسوق جيوشها إليها لإجبارها على دفع بدل الالتزام.

في سنة (1210) هـ / (1794) م كانت أرض الجعارة أرضاً تغمرها المياه (هور) ومنبتاً للبردي والقصب ومسكناً للوحوش.

جاءت تسمية الجعارة عندما وصل نهر الفرات إلى أبي صخير وأحدث نهر يسمى بنهر الصافي ثم انحدر بعد ذلك إلى بحر النجف ومن شدة الجريان كانت مياهه تدوي وتهدر من سرعة سير التيار وتبعث صوتاً أشبه بالنهيق أو كما يقال بالعامية "الجعير" لذلك سميت بالجعارة, ويطلق عليها الآن "الحيرة" التي كانت مقر حكومة المناذرة قديماً ولا تزال آثارها باقية حتى الآن.

في سنة (1217) هـ / (1801) م جاء أحد أجداد السادة آل زوين المسمى سيد حبيب من الرماحية إلى الجعارة فوجدها قابلة للتعمير والزراعة, ويمكن استغلالها وكان ميسور الحال فأرسل لها ولده سيد حسن في زمن ولاية حافظ علي باشا عندما كان نهر الهندية لا يتجاوز الكوفة, فغرس فيها الأشجار على الروابي والتلال وكان حينها رئيس الخزاعل مغامس آل شلال والشيخ وادي رئيس عشيرة زبيد يلتزمان حق الحكومة بتفويض من والي بغداد وذلك من المسيب إلى سدرة الأعاجيب فوق السماوة, فهم يلتزمون عموم الرسوم للمحاصيل الصيفية والشتوية وكودة الأغنام البيتية.

سنة (1807) م توفي السيد حبيب وانتقل ابنه السيد حسن إلى الجعارة, وأول عمل قام به سحب نهر الهندية من الكوفة إلى أبي صخير وجعل مصبه في بحر النجف ويسمى الآن "شط الصافي", ثم قام بغرس النخيل وجلب الفلاحين من إيران "البلوش" ويسكن أحفادهم الآن في البديرية والدسم.

في سنة (1264) هـ / (1841) م توفى السيد حسن وذلك في زمن الوالي نادر باشا, وفي نفس السنة تزوج الشيخ وادي شيخ عشيرة زبيد بإحدى نساء آل فتلة ولما مات عنها تزوجها فرعون وولدت له مزهر ومجبل ومبدر.

ولما توجه الشط إلى جهة المشخاب جاءت عشيرة آل شبل والغزالات وسكنوا هذه الأراضي وشقوا عدة أنهر لتقسيم المياه منها نهر كشخيل وشط خطاب وشط كريدي والعجمية وأبو شبوط وأبو تُفك ونهر الحجامية ونهر البديرية ونهر الهاشمي, وكان المسؤول عن الرسوم آنذاك السيد محمد زوين, وقد جلب تال (فسيل نخل) من الحلة وكربلاء وشثاثة والبصرة والمدينة المنورة وغرسها في هذه المنطقة وأوصل نهر الهاشمي إلى مكان يسمى شبيتة وزرع فيه الشتوي, وأول مكان زرع فيه الشلب هو نهر جحات الذي يأخذ مائة من نهر أبو تُفك.

وكان يرأس الفلاحين كل من سهيل المعيمري وحنيظل جد داخل الشعلان.

أما الخزاعل فكان مسكنهم الديوانية وفيها ديوانهم وآثارهم, وكان لهم السيطرة والنفوذ, ولهم حلفاء من آل شبل)آل خزيم وآل لجام).

*****

في سنة (1269) هـ تشكل قضاء الديوانية ولواء الحلة, وكان قائممقام الديوانية شعبان بك شعيب وقبره موجود في قصبة الديوانية حالياً, وفي نفس السنة تشكلت ناحية كشخيل.

وكان رئيس عشيرة الخزاعل كريدي وولده مطلق يلتزمان الجعارة عموماً صيفي وشتوي ومخضر وكافة باقي الرسوم شاهي شلاهي (بلا تفريق بين نوع وآخر), وبلغت الرسوم المستحقة للحكومة خمسة آلاف قران أبيض تدفع بالأقساط.

في سنة (1277) هـ / (1854) م توجهت الجعارة والمشخاب إلى زراعة الشلب, وفي سنة (1258) هـ تولى مدحت باشا ولاية بغداد وشكل لواء الديوانية وعين له متصرفاً هو السيد أحمد قربي الذي كان قائممقاماً لها, وعين السيد خليل بن إبراهيم متصرفاً للواء الحلة, وفي نفس السنة جاء السيد سلمان مكوطر من الشنافية والتزم رسوم الجعارة حتى بلغ حق الحكومة حينها مائة ألف قران, وفي آخر السنة خسر السيد سلمان ولم يدفع للحكومة الرسوم المطلوبة, فاضطرت الحكومة إلى حجز أثاث بيته ومخشلات النساء, ثم اختفى سلمان مع أقاربه, وباشرت مجموعات من الفلاحين بالنهب والسلب لذا أعطت الحكومة أوامر متعددة إلى قائممقام النجف حينها السيد طاهر أفندي بعدم تفليحهم وطردهم, وكانت الجعارة وقتها تابعة لقضاء النجف.

كان أساس النظام للبساتين بين الملاك والفلاحين يعتمد على المناصفة في المصاريف والمحصول, أما حق الحكومة حسب الشرطنامة (صك المقاولة) التي يقطعونها من الشلب والشتوي الخارج من البساتين وحدودها يكون نصف للحكومة ونصف للملاك, أما ما يجنى من النخيل فيكون ربع للحكومة وربع للملاك ونصف للفلاح المغارس.

في سنة (1288) هـ أصبح شبلي باشا متصرفاً للواء الحلة, ولما أخذت عشيرة الخزاعل تتقاضى الرسوم من العشائر ولم تدفع للحكومة, تلقى المتصرف أمراً من الوالي لمطاردة أفراد عشيرة الخزاعل بقوة من الجيش التركي تدعمهم قوة مقدارها (400) مسلحاً من عشيرة زريج و (150) مسلحاً من أتباع فرعون جلبهم من الفوار وجميع المسلحين تدفع لهم الرواتب, وقاموا بتعقيب أفراد عشيرة الخزاعل وتم إلقاء القبض على مطلق آل كريدي رئيس العشيرة وصودرت أمواله ونفي إلى إسطنبول إلى أن مات فيها, وفر الباقون من العشيرة إلى الصحراء,وتم تسليم رئاسة عشيرة الخزاعل إلى عبطان آل طلال لشدة بأسه.

في سنة (1290) هـ / (1867) م تم تعين ملا محمود بن ملا يوسف (كليدار النجف السابق) مديراً للجعارة, وفي نفس السنة المذكورة (1290) هـ أعطيت الشرطنامة إلى السيد هادي زوين من قبل قائممقام النجف وصورة الشرطنامة كما يلي:

حق الحكومة من الصيفي والشتوي الذي يصير بالكراب (الحراثة) من بعد إخراج خمس السركلة (حق السركال الذي هو نائب الملاك) تقسم الحاصلات مناصفة, نصف لجانب الميري ونصف إلى الفلاحين, وحق الملاك يخرج من حق الميري بمقدار خمسة بالمائة (5%) عن تعبه ومصروفاته, واستمر هذا النظام إلى سنة (1293) هـ, وبدل الالتزام قسماً منه يدفع عيناً (محصول) والقسم الآخر يدفع نقداً (دراهم), فالعيني يسلم في الشامية إلى القوة التي تصاحب شبلي باشا من العسكر وللعشائر من بني زريج وآل فتلة, وكان رؤساء العشائر يقبضون أرزاق عشائرهمً مباشرة من السراكيل ويطلق عليهم تبعات عسكر الموظفة.

في سنة (1291) هـ أمر شبلي باشا السادة من آل زوين بأن يسمحوا للسيد فرعون بالزراعة في أراضي المشخاب وصورة سند الالتزام:

أن يزرع فرعون بأراضي المشخاب مائة وصلة هندية على أنه سركال لدى السيد هادي السيد محمد الزوين, لأن شط الفوار قد جف ماؤه واضطر قسماً من عشيرة آل فتلة أن يتركوا أرض الفوار جاؤوا إلى المشخاب وفلحوا فيها.

عن مدونة (بني حجيم) غفلا عن اسم الكاتب.