بمناسبة عيد العمال العالمي.. حقائق تاريخية عن العمال ببغداد في العهد الملكي

بمناسبة عيد العمال العالمي.. حقائق تاريخية عن العمال ببغداد في العهد الملكي

د. عباس فرحان الزاملي

ارتبط ظهور الطبقة العاملة العراقية ونموها بشكل واضح بنشوء الصناعة الوطنية التي كانت في بدايتها عاجزة عن تلبية الحاجات الاساسية للمجتمع العراقي من حيث كفاءتها ومقدار انتاجها. وهي على الرغم من ذلك استقطبت اعداداً كبيرة من ابناء الريف بعد هجرتهم الى بغداد، فقاسوا ظروفاً معيشية سيئة منها الفقر المدقع والحرمان والسكن غير الصحي وتفشي الامية واستغلال اصحاب المعامل.

وعدم تحديد الاجور وساعات العمل وحرية التنظيم النقابي.وتعرض العمال العراقيون العاملون لدى الشركات الاجنبية الى الضغط من قبل ادارة تلك الشركات وعدم التمتع بالعطل الرسمية والاجازات والضمان الاجتماعي. ومن حيث اعداد العمال لا توجد احصائيات دقيقة توضح اعدادهم وصنوفهم في مختلف المعامل والمصانع والمؤسسات الانتاجية التي تركزت في بغداد. ومنها معامل الغزل والنسيج، وشركات الدخان لاسيما شركة دخان الرافدين التي استعملت (780) عامل عام 1939.

ازداد تأثير العمال في الحياة العامة خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها بعد التوسع في انشاء المصانع لاسيما معامل الاحذية والصابون وتطور صناعة الطابوق في سنة 1949 الى ثلاثين معملاً استعملت(3355). عاملاً ولم يجر أي تعداد للعمال الصناعيين حتى عام 1954، اذ اقيمت مصفاة لتكرير النفط بالقرب من بغداد استخدمت (1000) عامل وقدر عدد عمال البناء في بغداد والموصل والبصرة بـ(35) الف عامل.

يمكن القول ان تأسيس المصانع وتركزها في بغداد، كان من العوامل المساعدة على ازدياد عدد الطبقة العاملة، اذ كان يعمل ثلثها في المؤسسات الصناعية. وقد تفاقمت البطالة في العراق اذ كان عدد العاملين سنة 1947 5/2 مليون عامل سنة 1947، بينما عدد المشتغلين 31/1 مليون، في حين سنة 1957 كان 33/3 مليون عامل وعدد المشتغلين 78/1 مليون أي ان البطالة كانت 54/2 ونسبتها 46% من القادرين على العمل.

ومن الجدير بالذكر ان اجور العمال خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها لم تكن محددة بتشريعات قانونية وانما تركت بحسب طبيعة العمل ومهارة العامل فاستغل اصحاب المعامل ذلك بشكل فضيع، وكانت الاجور واطئة لا تسد رمق العامل في توفير قوته اليومي.فهي على وفق احصائية اعدتها ادارة السكك الحديد عام 1945 على النحو الاتي.

الحـداد 175 فلســـاً

سائق سيارة 150 فلسـاً

ميكانيكـي 230 فلســــاً

سائق محرك الديزل 175 فلساً

نجار 200 – 250 فلســـاً

عامل ماهر 60 – 100 فلـس

رئيس عمال 100 فلــــس

ارتفعت نفقات المعيشة بالنسبة للطبقة العاملة. ولم تتحسن الاجور كثيراً بعد نهاية الحرب ففي سنة 1948 لم يكن الكسب اليومي للعامل يزيد على (400) بالمئة عن المستوى العام لسنة 1939. وسعر طعامهم اعلى بنسبة (805) بالمئة وكلفة المعيشة الكفاف، على الرغم من الزيادة الطفيفة التي طرأت عليها يتراوح اجر العامل غير الماهر، بين (200-250) فلساً وفي عام 1954 انخفضت كلفة المعيشة عما كانت عليه قبل عام 1954 ومعدل الكسب اليومي للعامل من سكان الصرائف (1988) فلساً وان كسبة الاجور اليومية الاوفر حظاً والذين يعيشون في المدينة يبلغ 310 فلوس.

وارتفعت اجور عمال الطين في بغداد من 300 –400 فلساً عما كانت علية قبل الحرب وبصورة عامة بقيت الاجور متفاوته بين العمال الماهرين وغير الماهرين سواء كانوا عمالاً صناعيين او تجاريين او زراعيين.

لم تكن اجور العمال الصناعيين مرتفعة اذ انهم ينفقون نصف دخولهم تقريباً على الغذاء او على ايجارات مساكنهم او لاغراض الترفيه. لذلك عبرت الحركة العمالية عن تذمرها وسخطها نتيجة تردي احوالهم الاقتصادية والاجتماعية باساليب مختلفة تمثلت برفع العرائض والشكاوي الى الجهات المسؤولة والقيام بالاضرابات.

ومن خلال عرض تاريخ الحركة العمالية في بغداد في الحقبة الزمنية للدراسة (1939-1958)، يتجلى لنا بوضوح تام قيامها بسلسلة من الاضرابات مطالبة بتحسين اوضاعها الاقتصادية والاجتماعية.

كان اول الاضرابات العمالية في بغداد اضراب عمال السكك الحديدية في 6 تشرين الثاني 1941.بهدف زيادة الاجور، وشهد عام 1942 عدة اضرابات عمالية منها: اضراب عمال شركة الكهرباء، ومعمل احذية باتا، وعمال احذية سالم زلخة في ايلول. وتبعه في العام نفسه اضراب عمال السكائر. والمطابع في 3 تشرين الاول. واضراب عمال النجارة في 18 تشرين الثاني. ولم يحدث سنة 1943 سوى اضراب واحد هو اضراب عمال الطابوق والبناء في شهر حزيران. وفي اواخر سنة 1944 اضرب عمال معمل النسيج الاهلي في الكاظمية.

ومن الجدير بالذكر ان مطالب العمال قد انصبت على تطبيق قانون العمل لسنة وتحديد ساعات العمل بـ(8) ساعات بعد ان وصلت في بعض الاحيان الى (12) ساعة في اليوم في ظروف قاسية شاقة الى جانب الاستغلال البشع، الذي مارسه اصحاب العمل لعدم وجود سلطة قانونية تحد من تلك الممارسات غير المشروعة بحق العامل بحيث ان بعضهم لم يتوان في استخدام العقوبات الجسدية المتمثلة بضرب العامـل وطـرده بشكل كيفي وحرمانه من الاجور في اوقات العطل الرسمية وكانت السلطات الحكومية وراء اصرار اصحاب المعامل في تمسكهم بعدم دفع الاجور الاضافية واتباعهم سياسة الشدة حيال العمال المضربين.

ولم تختلف حياة الطبقة العاملة بعد انتهاء الحرب عما كانت عليه سابقاً، لعدم قيام السلطة الحاكمة باتخاذ اجراءات سريعة لمعالجة اوضاع العمال وتخفيف وطأة الضائقة الاقتصادية عنهم وانكشف زيفها في تقديم الوعود المعسولة لاصلاح أوضاعهم بعدم اكتراثها بأحوالهم المزرية، او ايقاف تجاوز أصحاب المعامل عليهم. فتجددت الإضرابات العمالية في سنة 1945 بين عمال الغزل السكك الحديد في الشالجية في 10 نيسان. واضرب عمال الاحذية (الصباح والعصرية والرشيد) في حزيران. وامتدت هذه الى عمال الغزل والنسيج الاهلي في الكاظمية في كانون الاول. وتجددت الاضرابات في معامل النسيج في الاعظمية في عام 1948 اذ اضرب عن العمل عمال معمل محمد صالح في 27 اذار واتصلوا بعمال النسيج في الكاظمية (معمل الوصي) ومعمل فتاح باشا لمساندتهم في مطاليبهم.

وبرزت مطالبة العمال بحرية التنظيم النقابي فاجيزت في حقبة الاربعينيات ست عشرة نقابة عمالية، احدى عشر منها في بغداد وثلاث في البصرة وواحدة في كل من الموصل والعمارة،وبوساطة تلك النقابات حاول العمال الحصول على حقوقهم المشروعة.

وفي بداية الخمسينيات استمرت الاضرابات العمالية التي كانت امتداداً لحركات العمال في الاربعينيات مطالبة بتحسين اوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية وكان من اهمها: اضراب عمال شركة الغزل والنسيج العراقية (معمل الوصي) في 21 ايلول 1950، احتجاجاً على تشغيل العمال باعمال اضافية دون دفع اجورهم وطالبوا بزيادة الاجور وايقاف الطرد الكيفي، وتجدد هذا الاضراب ثانية في 24 كانون الاول بسبب الاجراءات القمعية التي قامت بها السلطة الحاكمة تجاه المضربين عن العمل، ولم ينتهي الاضراب الا بعد اجابة مطالبهم في 18 كانون الثاني 1951. وقام عمال السكائر بسلسلة من الاضرابات، بدأت بإضراب عمال شركات الدخان الاهلية في تموز 1952 وتجدد هذا الاضراب مرة ثانية في اشهر (شباط وايلول وتشرين الاول) عام 1953. وامتد الى شركة دخان الرافدين التي اضرب عمالها في 30 تشرين الثاني 1953. وسرعان ما اتسع ليشمل عمال شركة دخان جعفر وعمال شركة عبد العزيز في 6 كانون الاول، وعمال شركة دخان عبود في 27 كانون الاول من العام نفسه.وكانت مطالبهم تتلخص بتحسين ظروف العمل والغاء الاجراءات التعسفية تجاههم، والعناية باوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والصحية.

وبعد منتصف الخمسينيات حدثت عدة اضرابات عمالية احتجاجاً على ظروف العمل السيئة واستمرار استغلال اصحاب الشركات والمعامل للطبقة العاملة وقلة الأجور وعدم تقليص ساعات العمل وتشريع قوانين الضمان الاجتماعي، وتجاهل السلطات الحاكمة لمطالب العمال، وكان من اهم تلك الاضرابات اضراب عمال شركة الغزل والنسيج العراقية في 24 اذار 1957، اذ اضرب (450) عاملاً وتجدد هذا الاضراب مرة ثانية في شهر نيسان من العام نفسه اذ اضرب (600) عامل عن العمل. وقمعت هذه الاضرابات بقسوة شديدة من قبل السلطات الحاكمة التي كانت تخشى من تطور الطبقة العاملة وتنظر لها بعين الشك والريبة لقوتها وحيويتها واستمرار مطالبها بتحسين اوضاع المجتمع الاجتماعية والاقتصادية وتطرقها الى القضايا السياسية.

يمكن القول ان الاضرابات العمالية كانت من ابرز الوسائل والاساليب التي انتهجتها الطبقة العاملة للتعبير عن حقوقها وطموحاتها المشروعة، واستطاعت من خلالها تحقيق بعض مطالبها على الرغم من اساليب القمع والارهاب التي كانت تجابه بها من قبل السلطة الحاكمة.

عن رسالة (الحياة الاجتماعية في بغداد)