عود على بدء..مرصد فلكي في بغداد في القرن الثامن عشر

عود على بدء..مرصد فلكي في بغداد في القرن الثامن عشر

رفعة عبد الرزاق محمد

كنت قد كتبت قبل سنوات هذا المقال عن برج كان ببغداد عند رأس جسر بغداد العتيق في العهد العثماني، اختلف في تحديد امره.. واليوم اعيد المقال بعد الحصول على معلومات جديدة عن مؤسس هذه البناية التي نعتقد انها مرصد فلكي، عثرت عليها في مجلة لغة العرب التي اصدرها الاب انستاس ماري الكرملي.

ان السياحة في المجلات والصحف القديمة فرصة كبيرة لمعرفة الوفير من اخبار المجتمع واحواله في السنين الخوالي، واستجلاء مهم لحوادث الزمن الماضي، ومن ذلك ما احدثكم به في هذه النبذة:

نشرت مجلة المشرق البيروتية التي اصدرها الاباء اليسوعيين ومنهم محررها الاب لويس شيخو اليسوعي، في مجلدها التاسع (1906) في الصفحة 190 هذا الخبر:

مرصد كاثوليكي في بغداد.. افادنا حضرة الاب بطرس دي فراجيل انه قرأ في كتاب الرياضيات للمؤرخ منتلوكا (1758 ــ 1802) ان الســـــيد دي بوشان نائب القاصد الرسولي في بابل (في الكتابات المسيحية القديمة يقصد ببابل بغداد وما حولها) كان قد طلب في القرن الثامن عشر من المجمع العلمي في باريس على يد العلامة الشهير لالند آلات فلكية لرصد النجوم في بغداد فاجاب المجمع العلمي الى ملتمسه وارسل الى المارشال (دي كستري) عدة آلات رصدية. فبنى د يبوشان مرصدا جميلا سنة 1786 وارسل الى المجمع العلمي نتيجة ارصاده الفلكية الى سنة 1789. كان المرصد مبنيا بالاجر وموقعه عند الجسر ومنه بقايا تعرف الى اليوم (رصدخانه)يلحق به بناء آخر يعرف بـ (مدرس خانه)..

المجلد من مجلة المشرق التي وجدت فيه هذا الخبر الطريف والنادر من مجموعة الاستاذ المحقق يعقوب سركيس (ت1959) التي آلت الى مكتبة الاثار العامة، وقد علق سركيس على حاشية تلك الصفحة ما يلي: رايت في سنة 1923 عند الكرمليين في بغداد جداول فلكية تشكل كتاب لبوشان وقد ذكرتها نشرة الاحد في السنة المذكورة بمناسبة يوبيل كنيسة رسالتهم في البصرة وهو اليوبيل المئوي الثالث.. وقد ذكر آ خرون ان المرصد كان في دير الاباء الكرمليين وليس على مقربة من الجسر.

فهل هذا المرصد هو الذي نعنيه في السطور التالية:

كنت ولم ازل كثير التأمل للوحة فنية رائعة للجانب الشرقي من بغداد (الرصافة) رسمها الفرنسي (فلاندان) تضمن تفاصيل المنطقة المحيطة برأس الجسر القديم والوحيد ببغداد، ومما لفت نظري منظر القبة الشاهقة لجامع الوزير التي بنيت ــ كما يبدو ــ على قبة قديمة وكلا القبتين قد سقط نصفهما المطل على النهر ولهذا حديث آخر، والبناء العمودي الجميل الواقع يمين الجسر وبقرب جامع الاصفية..

ما هذا البناء؟

قبل ايام ذكر بعض الكتاب ان البناء هو (فنار) على دجلة، ولا اعرف اهمية الفنار على نهر ليس بالعريض نسبيا ومشيد في اضيق منطقة من النهر، والفنار كما هو معروف لتنبيه السفن البعيدة في البحار.

واضيف هنا، تعددت اللوحات التي رسمها الرحالة الاجانب لجهة النهر من الجانب الشرقي من بغداد، والمنطقة التي تطل على الجسر الوحيد ببغداد في العهد العثماني، ففي أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر بدأ اهتمام الأوربيين بالآثار العراقية وبدأت التحريات في المواقع القديمة وكان برفقة الاثآريين عدد من الرسامين المعروفين بتمكنهم من رسم المعالم الأثرية ببراعة وإتقان فجاءوا إلى العراق ورسموا مدن نينوى والوركاء وبابل ومنهم: ريك بورتر ويوجين فلاندان. ويعد الاخير (Engene Flandin) من الرسامين العسكريين الذين كلفتهم اكادمية الرقم والأدبيات (Academiedes Inscriptionset Belles Letters) بالذهاب والالتحاق بالقنصل الفرنسي (بوتا) وكانت الغاية أن يرسم مناظر الآثار وعمليات التنقيب الجارية في بلاد مابين النهرين.

واليك ما نشرته مجلة لغة العرب للاب انستاس ماري الكرملي عن هذا المرصد ومؤسسه:

الأب جوزيف بوشان

جوزيف (يوسف) بوشان، فلكي فرنسي ولد في فزول (في فرنسة) في سنة ١٧٥٢، وتوفي في نيس (فرنسة) عام ١٨٠١، وهو ابن أخي ميروده دي بور أسقف بابل (بغداد) على اللاتين.

دخل في سنة ١٧٦٧ في رهبانية البرنرديين وصادق لالند الذي خرجه في علم الفلك، وبرح عام ١٧٨١ فرنسة ذاهبا إلى الشرق، لينضم إلى عمه الذي كان قد سبقه إليه بل ذهب إليه ليتفرغ في ديارنا الشرقية لعلم الفلك متتبعا ذوقه الذي كان يحدو به إلى التوغل فيه وفي علم البلدان.

فزار حلب الشهباء، وبغداد الزوراء، والبصرة الفيحاء (سنة ١٧٨٤) وإيران (١٧٨٦) ثم آب إلى فرنسة سنة ١٧٩٠. وفي مدة السنوات العشر أمد بوشان أستاذه لالند بأرصاد مختلفة مهمة وبملاحظات نفيسة. ورسم له خريطة لمجرى دجلة والفرات على طول ١. ٢٠٠ كيلو متر، وخط خريطة أخرى لبحر الخزر (أو بحر قزوين) وأهدى إلى الأبيل برتلمي صورمبان وكتابات ورقم وأنواط عديدة جميعها عن بابل، كما أتحفه بكتب عربية خطية اشتراها في ديار الشرق.

وفي سنة ١٧٧٦ أرسل إلى مسقط (عمان) قنصلا فعني بإصلاح الأوهام التي ارتكبها بعض العلماء بخصوص الخرائط التي تتعلق بالبحر الأسود (؟ لعلها الأحمر) وفي سنة ١٧٩٨ دعاه بونابرت إلى مصر ثم عهد إليه بعد ذلك بأن يذهب إلى الأستانة لمهمة سياسية علمية (سنة ١٧٩٩)، فقبض عليه الإنكليز وهو في البحر وأسلموه إلى الترك بحجة إنه جاسوس. ولم يتحرر من الأسر إلا قبيل موته أي في سنة ١٨٠١ في الوقت الذي عينه القنصل الأول (معتمد الصلات التجارية في لشبونة) (برتوغال)..

كان بوشان عضوا في المعهد (الانستيتو) الفرنسي ومراسلا لمحفى العلوم. وقد أدرج اغلب ملاحظاته وأعماله في (مجلة العلماء) الفرنسية في سنة ١٧٨٥ إلى سنة ١٧٩٣. وفي (الديكاد الفلسفية) وفي (الجريدة المعلمية) (الجرنال الانسكوبيدي) الخ.

ودونك أهم ما كتبه: رحلة من بغداد إلى البصرة على طول الفرات، ورحلة إلى فارس (في سنة ١٧٨٧) ومذكرات في العتائق البابلية، وخواطر في أخلاق العرب إلى غيرها.

كان دي بوشان وضع على بابه تاريخ بنائه الذي ذكرناه وهذا حرفه (باللغة اللاتينية):

١٧٨٦

(لغة العرب) وهذه ترجمة الكتابة في لغتنا: بنى هذا المرصد الأب جوزيف دي بوشان، عاقب بابل (أي النائب العام لأسقف بابل)، وأقامه في بغداد مجددا آثار الكلدان والعرب. وذلك من جود الملك الممعن في النصرانية (أي ملك فرنسا) وجود وزيره دي كستري، وجهزه بالآلات المختلفة وأهداه إلى اورانية المعبودة (الفلكية) والى عاشقها المحبوب كل الحب دي لالند وذلك في سنة ١٧٨٦م. أهـ.

ونزيد على ما تقدم أن سجلات ديرنا تحافظ على زيج (جداول فلكية) بخط يده وعلى أوراق أخرى تتعلق بماحث فلكية وبلدانية.

ومن الغريب إننا سألنا بعض قدماء الأدباء عن المرصد ومحله وما بقي منه فلم يستطع أحد أن يذكر لنا عنه شيئا فسبحان مغير الأحوال!

لغة العرب في 1 اب 1928