عوني كرومي وبرتولد برخت

عوني كرومي وبرتولد برخت

د. فاضل السوداني

يعد المخرج العراقي عوني كرومي من القلائل الذين درسا برخت والمسرح الملحمي في برلين. وعندما عاد الى بلده العراق، حاول ان ينقل تجربته ومفهومه للمسرح البرختي الى المسرح العراقي والعربي، محاولا تأسيس العرض الشعبي من خلال النص البرختي.

لان برخت يعني حرية التجريب والتجديد وعدم السقوط في المـألوفية وماهو جاهز قياسا الى المسرح الارسطوطاليسي. ويعني ايضا بالنسبة الى المخرج العربي عموما، البحث عن اشكال متعددة للعرض سواء كان في المكان او في اختيار الحكاية.

وعوني كرومي يجد دائما علاقة بين مسرح برخت والواقع العربي. فمثلا ان موضوعة الاستغلال والصراع الطبقي وخاصة الصراع مع المحتل من اجل التحرر السياسي والاقتصادي، والتي عالجها برخت في مسرحية القاعدة والاستثناء هي مشاكل مازال المجتمع العربي يعاني منها وتجد قبولا لدى الجمهور. لان عرض مثل هذه المسرحية اضافة الى اهدافه الفنية فانه يمثل الدعوة الى الحرية والعدالة. وهي بعد ذلك عملا ذو مقولة واضحة بالنسبة للجمهور وتتوفر فيها مؤثرات التغريب التي تساعد على سرد الحكاية دون مبالغة.

ويحاول عوني كرومي ان يخلق العرض الشعبي العراقي من خلال المسرحية البرختية. ولاينقل هذا نقلا حرفيا وانما يحاول ان يمنح الاحداث والشخصيات مميزات شعبية نابعة من مجتمعه الزاخر بالطقوس والعادات والوسائل التعبيرية.

ان اختياره لاخراج مسرحية برخت غاليلو غاليليه كان نابع من فكرة المسرحية المعاصرة والتي تؤكد على الصراع بين المبدئية وبين العمل في نشر الافكار التقدمية التي تهم الانسان عموما وكذلك اهمية حرية البحث والاختيار والتفكير. لماذا يجبر الانسان على لن يتخلى عن قناعاته المهمة. او كيف يتعلم الانسان قول الحقيقة في مجتمع متخلف مبني على الزيف. واهمية الصراع بين الجمود والتطور ….الخ.

وبالتأكيد فان هذه الافكار لها صداها المعاصر في مجتمع مازال الصراع فيه قائما كالمجتمع العراقي او العربي الذي يعيش حالة من الازدواجية بين الواقع المتخلف والشعارات السياسية المزيفة.

انه يرى في مسرحيات برخت بانها ا لقادرة على إثارة الجدل في ذات المتفرج لمناقشة الواقع او الذات الاخرى. وتثير الرغبة في التعلم وتنبه لاخطار المستقبل، كما انها وسيلة للكشف عن تناقضات الواقع المعاش. ولهذا فان كل الوسائل الفنية تؤدي الى توصيل هذه الافكار، ففي ديكور مسرحية غاليلو مثلا تم الابتعاد عن خلق الوهم والدقة التاريخية. والاعتماد على الإيحاء في التعبير عن الواقع من خلال الكتلة او الجزء الذي يحتاجه الممثل في عمله والذي يعبر عن واقعية الحدث، وعدم الاستغراق في التفاصيل الزائدة والاقتصاد المطلق حيث الدلالة المسرحية لها المكانة الأولى في التعبير. واعتماد التجريد والفضاء الخالي. ولهذا فان الديكور اعتمد على الأثاث الشائع في اسلوب العمارة العراقية والمتوفر عادة في البيوت والكنائس.

ومحاولة لخلق العرض الشعبي على اساس احداث غاليلو فان المخرج عمد الى استخدام طقوس الغناء والرقص الشعبي، واستخدام الإيماءة والحركة التي تميز الانسان العراقي. كما انه ألبس رئيس الجامعة ملابس رجال الدين في العراق اللذين يقفون ضد العلم والتقدم وبهذا فان المسرحية عرضت وكأنها نقد لكل الصفات السلفية المترسخة في المجتمع التي ترفض الحقائق العلمية.

اما الكرنفال الذي اقيم في المسرحية لتمجيد الحقيقة الجديدة، فانه تحول الى احتفال عراقي رقصا وغناءا.

ان اكثر العروض المسرحية اثارة كانت مسرحية الانسان الطيب من ستشوان، حيث تغلب المخرج على الكثير من العوائق لتقديمها حتى تكون قريبة من وعي المتفرج العراقي.

* ان تعدد الالهة فكرة مرفوضة في المجتمع الاسلامي. ولهذا فا ن المخرج ومعد النص المسرحي اضطرا الى تحويل الآلهة التي تأتي لتبحث عن الإنسان الطيب في النص البرختي الى شخصيات عراقية تاريخية، بمعنى انهم الأجداد القدامى، قد عادوا اليوم للبحث عن الإنسان الطيب في الأرض العراقية. وقد ظهرت هذه الشخصيات بملابس وسمات الإنسان السومري والبابلي والآشوري القديم الذي سكن هذه المنطقة.

* تم تحويل الطيار في المسرحية الى سائق تكسي يسعى للحصول على مبلغ يشتري فيه سيارة اجرة للعمل في العاصمة وهذاحلم الكثير من الشباب في المجتمع العربي.

* ان فكرة التبغ وزراعته مازالت قائمة في شمال العراق، ومن هنا انبثقت فكرة ديكور العرض الذي يوحي بان الاحداث يمكن ان تقام في احدى قرى الشمال او في أي مكان اخر.

* ان ملابس الشخصيات والادوات لم تحدد مكان اوزمان معين فهي مزيج من ملابس تراثية وشعبية وملابس معاصرة تحدد السمات الواقعية للشخصية، وان هذا الواقع الذي تجري فيه الاحداث، هل هو واقع حقيقي ام متخيل ام محتمل؟ ولكن احتمال وقوع هذه الاحداث في العراق كان قائما.او انها من الممكن ان تجري في بلد اخر. لقد قدم العرض على انه عرض مسرحي لحياة الفئات الاجتماعية المختلفة والمتنوعة حيث الرمز والايحاء والواقع في داخل لعبة مسرحية. وقد ساعد على الايحاء هو اللغة المحكية ومفردات اللغة الشعبية التي تعبر عن انتماء الشخصيات الى فئات اجتماعية معينة.

ان الموسيقى كانت مزيج من الموسيقى العراقية الشعبية والموسيقى المعاصرة، بحيث كانت ترافق حركة الممثل او متابعة الحوار. وقد كانت الانارة تحاول عكس الحالة الاحتفالية، وابراز غرائبية المشهد وتنوعه.

اعتمد التمثيل التأكيد على مؤثر التغريب من خلال التقديم وقطع الاحداث ومخاطبة المشاهدين والتعليق على الاحداث والسرد القصصي المتميز لشخصية الحكواتي العربية. وقد اعتمد التمثيل في بعض المشاهد على المعيشة وتحقيق الصدق في المشاعر وخاصة في دور الفتاة وابن عمها الذي ادته ممثلة واحدة.

ويمكننا ان نوجز كيفية فهم المخرج العربي وخاصة عوني كرومي للمفاهيم البرختية على الشكل التالي:

1ـ اختيار الفكرة والموضوعة المعاصرة التي تسهم في رفع وعي المتفرج حتى وان كان العرض يعالج موضوعا تاريخيا. وهذا يتطلب قراءة معاصرة للنص.

2 ـ من اجل التطابق مع مفهوم المسرح الملحمي تم التركيز على الوسائل الفنية غير الأدبية لإيصال فكرة العرض كالصورة والحركة والإيماءة والصوت والحركة ذات المعنى الاجتماعي. أي الحركة القادرة على الكشف عن طبيعة العلاقات الاجتماعية.

ان اضفاء الصفات المحلية للحركة على شخصيات اوربية تتحرك في محيط اوربي، تؤدي الى تغريبها كما في مسرحية غاليلو. وهذا يؤكد الفهم الصائب لكيفية التعامل مع النص البرختي.او ان يعمد المخرج الى استخدام الحركة والإيماءة التي تساهم في تحديد وجهة نظر المتفرج سلفا بالشخصية.

3 ـ ان تعامل كرومي مع النص البرختي يعتمد على إبراز الوسائل الملحمية كالأغنية والراوية وعدم ارتباط نتائج الأحداث بعضها بالبعض الآخر، وهذا منهج برختي التزمه المخرج. أوالتأكيد على تاريخية الأحداث، واستخدام الفلم والوثيقة كجزء من بنية النص كما في كريولانس او غاليلو من اخراج كرومي. لقد كانت الاغنية في غاليلو وسيلة لتغريب الاحداث مرة والتأكيد عن استقلاليتها عن الاحداث مرة اخرى 4 ـ من اجل ان يخلق كرومي علاقة فهم متبادل بين المشاهد والنص البرختي فانه يعمد الى ترك المبنى الروتيني للمسرح واعتماد اماكن العمل، كالمصانع أو ساحات البيوت، او تقديم العرض في اماكن غير مسرحية.

ولهذا فان كرومي يحاول تقديم برخت بشكل يتناسب مع المجتمع العربي او العراقي معتمدا البساطة والواقعية بعيدا عن الافتعال. ويعمل على ان يتفاعل المتفرج العراقي مع مسرحيات برخت وكأنها مسرحيات عراقية، قريبة من وجدانه بحيث ينتبه عند مشاهدته لها الى انه يستطيع ان يحلل المشاكل والظواهر الاجتماعية ويحاول مناقشتها ويطرح رأيه فيها.