عوني كرومي يكشف عن خرائط سرية

عوني كرومي يكشف عن خرائط سرية

د. عقيل مهدي

ربما لم يحن الاوان بعد للتوقف برهة لتقويم جهود الراحل عوني كروكي المسرحية النظرية والتطبيقية لرحيله المباغت والشرس!!

كيف يمكن لنا تصديق انطفاء تلال من النور، كان يكشف لنا عن خرائط وعوالم سرية فيجسمها امام جمهوره وهي تحمل احساسات مرهفة من نمط رفيع؟ كان يحرص على تلوين كل عرض بمنظور لوني وتشكيلي خاص.

وكانت فعاليته المتميزة معروفة للمسرحيين وسواهم، عراقيين، وعرباً وحتى اجانب. ترك الراحل حضورا متميزا في ضمير مسرحنا الوطني، وبات تماسك تجربته، وتوترات تساؤلاته، علامات دالة على طريق الحداثة المسرحية التي فتح آفاقها مع زملائه من المبدعين المسرحيين العراقيين.

لقد انشغل تماماً بالمحلي والعالمي، الفولكلوري والثقافي، الزمني واللازمني، وفق صياغات مسرحية، تقدم المغاير والتجريبي، وتعلو على الراكد والمكرس التقليدي الباهت.

كرست الكثير من الاهتمام النقدي بتجربة د. عوني، وسيصدر كتاب يلم بما انجزه هذا المسرحي اللامع، والانسان الطيب.

كان آخر اتصال بيننا في عمان حيث جاءني بالهاتف الفنان "علي ماجد" وهو يسلم بدفئه المعهود على الاصدقاء، ويوصينا بالانتباه إلى انفسنا، وابلغته باننا نتمنى حضوره بيننا، لنستمع الى آخر احلامه، وتطلعاته، ومشاريعه، تحدثنا، وكانت رنة الفرح بادية في صوته وهي تخرس صراخ قبله المكلوم والموجوع بفعل المرض والغربة ومشقة ارتقاء منابر المسرح ومنصاته الكونية العابرة للقارات والملتقية عند تخوم بصيرة الانسان في وسط مجتمعي، يحسن الاهتداء الى اشكالياتها المسرحيون الخلاقون ومنهم صديقنا عوني.

ان وقفة الاستذكار هذه التي يشترك بها خيرة مبدعينا، تدل دلالة بالغة الاهمية على عمق تجربته ورصانتها، من الصعب في وسط بالغ الحساسية والتعقيد، ان يستقل المخرج بشخصيته واسلوبيته الفنية، لكنه نحت بجهادية عالية، وارادة جبارة معالم خاصة به، وبمسرحه الوطني فبات جزءاً حيويا منها، لا احد يزعم ان بمقدوره الفصل ما بين هذين المكونين، اقصد (الشخصي) و(الوطني) في واقع مسرحنا العراقي، وتقاليده الابداعية الخاصة.

بمقدورنا وضع مقترحات "نظرية" تنظر في الماضي والموروث الفني، وما انجزه تطبيقا (د. عوني) من تطوير وتعديل وطرح بدائل نابعة من ضرورات المسرح الحديث وجمالياته، التي طورت خطاب الحداثة بما انجزه المخرجون العالميون من توصلات تخص المرئي بالمسموع الحواري، ووفق اية نظرة فلسفية جمالية وفكرية.

كان مهتما ببرخت، يشاهد عروضاً عدة لكل مسرحية من مسرحيات هذا المبدع الالماني الكبير، لكنه كان يقترح حلولا ذاتية تنبع من كينونته الوطنية ومن وعيه الانساني العام حين يتصدى لاخراج كل منها وكان يعيد انتاج ما يقرأه (خبراً) في كتاب او مجلة مسرحية او برنامج تلفزيوني لانه لا يقوى على العيش بعيداً عن عصره وهموم انسانه اليومية

وقد يعجب احدهم لتصريحات عوني الاخيرة فقد قال لي، ان (للخبرة) فضائل، منها التخلص من الاندفاعات الطائشة، ومراجعة الانسان الفنان جهوده، بغرض تقويمها، واعادة تشكيل وجهة نظر جديدة بشانها، وبشأن قضايا وطنه. ان جراة عوني، وضعته في مواقع رصد متباينة، لكنها بكل تاكيد، لايمكن ان تعبر عن منظورات الجمال المدهشة التي زخرت بها منصات المسرح، وساحاته المختلفة، التي خاض بها مغامراته المسرحية. اذهب الى عوالمك الجديدة، وانت تقف في تجربتك الاخيرة مع ممثلين اجانب، وجمهور مختلف، كنت تبحث عن كمال العرض، لكن غضبك النبيل وزعلك على اداء هذه الممثلة او ذاك الممثل وعدم حصولك على وقت للتمرين وقاعة مناسبة لطموحك المسرحي، فان لهذا التلكؤ تبريراً واحداً هو اختلال الانسجام الذي حققه الموت بجدارة مرة حين انتزعك من بين صفوفنا.