عندما حاول الوالي (جمال باشا) إلغاء مدرسة الحقوق عام 1911

عندما حاول الوالي (جمال باشا) إلغاء مدرسة الحقوق عام 1911

محمود صبحي الدفتري

لابد لنا من تسجيل حادثة محاولة الوالي (جمال بك) المعروف بعدئذٍ باسم (جمال باشا)، والذي تولى بعدئذٍ قيادة الجيش الرابع في سوريا ووزارة البحرية – الغاء مدرسة الحقوق – ففي صباح أحد الأيام في أواخر الربيع من سنة 1911، شاع في المدرسة خبر اقتراح الوالي الموجه الى المراجع العليا في استانبول بإلغاء مدرسة الحقوق والاستعاضة عنها تأسيس مدارس ابتدائية، وهي الحجة الو حيدة التي تذرع بها.

وكان تلاميذ الصفوف الأولى والثانية والثالثة مع الصف الأول من شعبة الاحتياط في هياج شديد وكلام واعتراض ووعد ووعيد من كل حدب وصوب في ساحة المدرسة والصفوف خالية، وليس من يجيب الى قرع الجرس داعياً الى دخول قاعات الدرس.

ولقد استمرت هذه الحالة المضطربة مدة غير قليلة، ثم اقترح أحدنا انتداب وفد لمقابلة الوالي في الموضوع، وتم ذلك بانتداب ثمانية أشخاص اثنين عن كل صف وشعبة الاحتياط، وكنت أحد هؤلاء المنتدبين عن الصف الثالث.

وفي طريقنا الى مقر الولاية، وكان يقع بالقرب من ديوان مجلس الوزراء في الوقت الحاضر على ساحل دجلة، اقترحت على رفاقي أن ننتخب اثنين منا للدخول على الوالي ممثلين الثمانية المنتدبين عن المدرسة ضماناً لسلامة المقابلة، وكنا على ثقة تامة من موافقة الوالي على استقبالنا مما جعلنا – وكنت أحد الاثنين – ان نقف في باب غرفة الوالي بعد دخول مرافقه عليه بالاستئذان استعداداً للقائه.

وحدث ما لم يكن بالحسبان إذ سمعنا الوالي يقول مخاطباً مرافقه – وبصوت عال ولهجة صارمة – ادفع هؤلاء إذ ليس لهم شأن معي، فليذهبوا الى مدير المعارف.

ومع إن المرافق أخبرنا بما تلقاه من أمر بلهجة رقيقة، غير أنا كنا سمعنا ما تفوه به الوالي بوضوح، فعدنا الى المدرسة وأخبرنا رفقاءنا بما وقع، تاركين أمر معالجة الإلغاء، متمسكين بموضوع هذه الإهانة التي لحقت بطلاب المعهد.

وهنا بلغت الحماسة أشدها واحتدم اللغظ وكثرة الاقتراحات، فرأى البعض منا تهدئة الحالة والاستمرار في السعي لتحقيق الهدف في جو هادئ.

واستقر رأينا على تأجيل الاجتماع الى عصر اليوم، وحيث أن المدرسة مقفلة بعد الظهر، ارتأينا الاجتماع في دار أحد الطلاب، ولما كلفني بعض الزملاء أن نتخذ دارنا محلاً للاجتماع اعتذرت عن قبول ذلك بسبب أن رب الدار – والدي – يشغل حينذاك منصب المدعي العام، حيث لوظيفته علاقة مباشرة بأمثال هذه الاجتماعات غير المصرح بعقدها رسمياً. وعلى إثر ذلك تبرع أحد زملائنا بعقده في داره وهو السيد (لطفي راقم) الذي كان يسكن في دار (رشيد باشا الزهاوي) – لا زالت الدار باقية خلف جامع السراي.

وفي عصر اليوم المذكور امتلأت الدار بالطلاب وعلت فيها الضوضاء، وتعددت الخطب النارية التي يدفع اليها فوران] المشاعر[، مما حدا بنا الى ملاحظة صعوبة اتخاذ أي قرار في مثل هذا الاهتياج، وعليه اقترحنا أن يفض الاجتماع بتخويل المنتدبين الثمانية اتخاذ القرارات اللازمة لمعالجة الوضع.

وهنا اتفقنا سراً نحن الثمانية أن يكون الاجتماع ليلاً في دارنا – في دار المدعي العام – إذ أن الحركة يصح تأويلها باجتماع بضعة تلاميذ في بيت أحدهم للدرس والمراجعة.

وأطرق محدثنا وقال لابد لي من أن أذكر لكم حادثاً وقع لنا في عصر ذلك اليوم، إذ بعد انفضاضنا من الاجتماع من دار السيد (لطفي راقم)، ذهبت وإياه سوية للاستراحة وتناول فنجاناً من القهوة في الكازينو الواقع في رأس الزاوية عند منعطف شارع المتنبي واتصاله بشارع السراي والتي لا تزال متخذة مقراً بلدياً، وبينما نحن جالسان جاءنا أحد أفراد الشرطة – بدرجة مفوض وخاطب رفيقي السيد(لطفي) طالباً منه الايضاح عن كيفية الاجتماع الذي وقع في داره.

ولاحظت ارتباكاً قليلاً ظهر على رفيقي لهذه المفاجأة، وقبل أن يبادر بالجواب كلمت الشرطي – المفوض – بلهجة قاطعة: إن وجائبكم في الامر كبوليس تنحصر في فض الاجتماعات التي تزعمون أنها غير قانونية كشأن المداخلة في الجرائم المشهورة، أما بعد انتهاء الاجتماع فأمر التحقيق عنه مناط بالمدعي العام، اذهب من فضلك واخبر من أرسلك بما بينته لك.

ملاحظة: لإن القوانين السائدة عهدئذٍ لم تكن تخول البوليس حق إجراء التحقيق في مثل هذه الأمور. وعلى إثر ذلك أدى لنا البوليس التحية وذهب الى غير رجعة.

وعلى إثر ذلك التفت الي رفيقي الذي كان حابساً أنفاسه وقال: أفرم عليك، "خوش جيبة جبتها". وتبسم (الدفتري) وقال تلاحظون اننا طبقنا درس (الجزاء) الذي كنا ندرسه في ذلك اليوم برأس هذا الشرطي.

نعود الان الى ما عملناه نحن الثمانية المنتدبين في تلك الليلة عند اجتماعنا في دارنا، وعلى الاصح – في دار المدعي العام – لقد كنت باكورة اعمالنا تأسيس جمعية رسمية بعنوان – جمعية مكتب الحقوق في بغداد – لكي نضفي على اجتماعاتنا صبغة قانونية، وفي خلال الاجتماع الذي دام نحو اربع ساعات فبلغ منتصف الليل، تم تدوين النظام لهذه الجمعية وكتابة العريضة التي قررنا تقديمها بصفة كوننا مؤسسين لهذه الجمعية.

وقد لاحظنا في اول الاجتماع ضرورة إيجاد دار لاتخاذها مقراً للجمعية، كما ينص عليه القانون بضرورة ذكر مركز الجمعية في العريضة، فاستدعينا حالا مختار المحلة، وكانت داره قريبة من دارنا وطلبنا منه أن يجد لنا داراً خالية مهما كان شكلها، وقبل أن تنقضي ساعة من الزمان عاد الينا المختار وهو يلهث من التعب وبيده مفتاح الدار المطلوبة.

وكانت من جملة مقرراتنا لتلك الليلة كتابة برقيات احتجاج شديدة اللهجة الى الصدر الأعظم ووزيري الداخلية والمعارف في استانبول وصوراً منها الى جميع مبعوثي – نواب – العراق] في مجلس المبعوثان – النواب – في استانبول[.

وكنا قد أرسلنا البرقيات الى دائرة البرق فوراً قبل تقديم بيان الجمعية، إذ ان إرسال مثل هذه البرقيات كانت غير محظورة قانوناً، إذ هي عبارة عن شكوى ومطالبة برفع الحيف عنا.

وفي الغداة، ذهب اثنان منا – وكنت أحدهما – الى مقر الولاية حاملين عريضة بتأسيس الجمعية مرفقة بمنهاجها، والطلب موقع من المؤسسين مختومة بختم الجمعية الذي اعددناه بسرعة. وكان مضمون العريضة على وجه التقريب ما يأتي:

نحن الموقعين أدناه قررنا تأسيس جمعية باسم (جمعية الحقوق في بغداد) غايتها تأكيد حقوق الدراسة والمحافظة على كيان المدرسة وحقوقها العلمية والإدارية – نقدم الى دولتكم في طيه منهاج الجمعية المذيل بختمها القانوني، وقد اتخذنا الدار الواقعة في محلة الحيدرخانة والمرقمة – كذا – مركزاً لجمعيتنا هذه، نرجو التفضل بإجراء ما يلزم لمنح الاجازة اللازمة في هذا الشأن.

ولما كنا قدمنا عريضتنا هذه، في اليوم – كذا – والساعة – كذا – نتشرف بإبلاغ دولتكم باننا سوف نباشر بأعمال جمعيتنا خلال ثمانية وأربعين ساعة من تقديم هذه العريضة كما يخولنا قانون الجمعيات في مادته الفلانية.

يظهر أن الوالي(جمال بك) كان متابعاً لحركاتنا وسكناتنا، ولا شك في أن ذهابنا بهذه الطريقة ينم عن عزم أكيد أدركه في حينه، فحال اخبار مرافقه بطلبنا نحن الاثنين ملاقاته، استقبلنا فوراً وهو في وسط مكتبه، وبعد قراءة خاطفة للعريضة الموجزة جلس الى مكتبه وذيل العريضة بإشارة – على عجل – الى مدير البوليس ثم مدير المعارف، وهذه ترسل الى إدارة المعارف من غير أن تعود الى دائرة الوالي، ونهض وسلمنا العريضة وأخذ يقول: اهنئكم على إقدامكم هذا، وأدعو لجمعيتكم بالخير والتوفيق، وإني مستعد لقبول رئاستها الفخرية، راجعوني حالما تعترضكم أية عرقلة للمشروع.

غادرنا الوالي بعد أن يحيناه بكل جد من غير أن نعلق على كلامه أي تعليق.

واستطرد السيد (الدفتري) قائلاً:

لا شك في أنكم تقدون الرجة العنيفة التي حصلت في البلد من جراء هذا الحادث والاضطراب الذي تولد عند جميع ذوي العلاقة بهذا الشأن، وما يتحمله الموضوع من تأويلات واشاعات مما يتولد عادة في مثل هذه الأحوال، وبخاصة في وقت كانت الحكومة المركزية في الاستانة في مسيس الحاجة لتهدئة الخواطر في انحاء السلطنة، يضاف الى ذلك ما قام به نواب العراق في مجلس المبعوثان من مراجعة وشكوى في هذا الصدد.

وقال محدثنا السيد (الدفتري): أتذكر جيداً البرقية التي تلقيناها من السيد (طالب النقيب)، وكان نائب البصرة في المجلس العثماني وطبيعته تتصيد مثل هذا الظرف، وهذا نصها:

" إن الايدي التي تمس مدرسة الحقوق تقرر استئصالها من جذورها ".

وهكذا تطور الحادث الى مشكلة أساسية فيما يتصل بالوالي نفسه، ولا شك في تلقيه ايعازاً قطعياً بلزوم العدول عن رأيه وترك الموضوع الذي كان هو ذاته قد شعر بخطورته من يومه الأول.

إن (جمال باشا) المتغطرس الذي يندفع بعجرفة من غير تروٍ، كان يجيد ايضاً صنعة التراجع بغير انتظام، كما وقع فعلاً في هذا الحادث.

وبهذا انتهت محاولته الفاشلة بإقفال مدرسة الحقوق ببغداد، ولكن في عين الوقت أراد أن يصلح ما بينه وما بين الطلاب، فطفق يجس نبض التلاميذ لمعرفة إذا كانت المدرسة ترحب باستقباله استقبالاً ودياً عند زيارته لها، ولكننا تمسكنا بشدة في أن تكون الزيارة رسمية يقوم بها الوالي متى شاء بدون أن يتلقى من الطلاب أو من يمثلهم أي خطبة ترحيبية. وانتهى الامر عند هذا الحد.

أما الوالي فقد سلك سلوكاً حاول فيه أن يسمع طلاب مدرسة الحقوق عن حسن نواياه ورغبته في دوامها وتقدمها.

عن كتاب: مذكرات محمود صبحي الدفتري عن تأسيس مدرسة (حقوق بغداد) سنة 1908. تحقيق احمد مجيد الحسن