أوستر: الأشدّ حضوراً في الكتابة من الحياة عينها

أوستر: الأشدّ حضوراً في الكتابة من الحياة عينها

غسان الحلبي

كُثُر يرون في أعمالٍ أساسيَّة لبول أوستر "بعثًا ما بعد حداثيّ متجدِّدًا للرواية السّوداء". تُعزِّزُ هذا الميْل النقديّ، أجواء رواياتٍ أولى ذاع صيتُها في الثمانينيّات أهمّها "ثلاثيّة نيويورك" و"في بلاد الأشياء الأخيرة". الأولى تشبه دخولاً في غرفة مرايا المتاهات من شوارع نيويوركيَّة مُسمَّاة بأسمائها، بل مكتظَّة بوجُـوه باتت لا تعرف صورتها.

قد امحت سحَناتها تحت سيْلٍ من عوارض الصّدفة والإمكان المجهول الذي بات وقْع الحياة عينها. والثانية كأنَّها "ليست من هذا العالَم" بل أطياف النهايات فوق ركام الأمكنة والكائنات.

لكنَّ هذا الميْل يُغـفِلُ حكايةَ أوستر ذاتها التي يمكن تلخيصها بقوله: "العالمُ في رأسي، وجسدِي في العالَم"، وهذا حقيقيّ جدًّا أوصَلهُ، بعـدما باتـت الكتابةُ والحياة نفَسًا واحدًا لديه، إلى القول: "كائنٌ غريبٌ يضعُ اسمي على أغلفة الروايات". هذا يعني -استنادًا إلى موضُوعات (ثيمات) راسخة في أعماله- الجسدُ ساربٌ في الأرضِ، وما يعوَّل عليه في هذا "السّروب Errance" هـو التقاط ما يمكن التـقاطه من "الرأس" بالكتابة.

لكن، من أين تأتي الكتابة؟

كثيرًا ما يوغـلُ السَّردُ في بعض "روايات" أوستر داخل عالَمٍ متهاوٍ لشخصيَّات ساربة مسكونة بمنافٍ داخلية، ومدفوعة، بقوّة جموح جوفيّ غامض لا يقرّ له قرار، الى البحث في عمق الهاوية عن وهم الاستكانة الى الذات المهدّدة على الدوام بالتفتُّت والإضمحلال: كوين في City of Glass، 1985، المشّاء في مدينة ذات فضاء يستحيل اختراقه، والمتسكِّع في متاهةٍ من خطوات لا نهاية لها نحو لا مكان، إيغالاً في فراغه الخاص، وضالاًّ، لا في المدينة وحدها، وإنما داخل ذاته أيضاً حتى بات فريسةَ شرودٍ وجوديّ خارج ذاكرته بالتمام. أو فوغ في Moon Palace، 1998 القَرّاء حتى الهوَس، المتضوّر جوعاً، الهائم بلا هوادة استِكناهاً لاندفاعه الاقصى في متاهٍ لم يُفضِ به إلّا إلى متاهِ آخر. أو ساخس في Leviathan، 1992، الفوضويّ المندفع في خروجه من جلده إلى أن بات مسكونًا بهاجس تفجير كلّ نسخة منصوبة لتمثال الحرّية المزعومة في بلاده الولايات المتحدة.

لا يرى أوستر نفسه خارج شخصيَّات أساسيَّة في نصوصِه "الأوستريَّة" مع إلحاحِه على امتثال الشّخصيَّة في النَّص باستـقلاليَّةٍ وافية عنه. مردّ ذلك إلى أنَّ النّصَّ الأكبر في حَياته هو "مسيرته الأدبيَّة" خصوصًا في البدايات. كان في الحادية عشرة من عمره حين اكتشف مكتبة عمّه الَّذي كانت له اهتمامات أدبيَّة رصينة منها ترجمات لنصوص فيرجيل وهوميروس إلى الانكليزية. "من دون تلك الصَّناديق التي احتفظَتْ بها أمّي لم أكن على الأرجح لأصبح كاتبًا".

كان الأدب منذ الطفولة التي يستذكرها جيِّدًا هو الشِّعر. "كتبتُ باكرًا نصوصًا شعريَّة بلْهاء.. كان لديَّ أمران أولعتُ بهما: لعب البيسبول، وحلم الكتابة". بهَرتهُ قراءة "الجريمة والعقاب" في سنّ السادسة عشرة، وأجَّجت النَّهم لديه لقراءة فولكنر وهمنغواي ودوس باسوس وسالنجر... التحق بجامعة كولومبيا وخلال سنوات خمس كان له اهتمام كبير بالآداب الفرنسيَّة والانكليزيَّة (المملكة المتحدة) والإيطاليَّة. انشغل بترجمات شعراء أوروبيين من بينهم دوبان وبونفوا. كتب مقالات نقدية ومسوّدات نصوص استُخدِمت بعد سنوات في روايتيه "آنا بلوم" (لاحقا: في بلاد الأشياء الأخيرة) و"قصر القمر". واستقـرّ العام 1971 في باريس التي اختارها لمعرفته اللغة الفرنسيّة. لم يكن له مخطَّط واضح، لكنَّه لبث هناك أربع سنوات. وللحياة الباريسية لأوستر حديث طويل لِما لها من آثار عميقة في ثـقافته ووعيه وكتابته مدى حياةٍ بأسرها.

عاد إلى الولايات المتّحدة وفي جيبه تسعة دولارات وعلى ذراعه زوجة. انشغل بكتابة المقالات والكثير من أعمال الترجمة: مالارميه، سارتر، سيمنون... وانغمس في قراءات نابهة جدًّا لكافكا وبيكيت وبول سيلان... "سنوات قاتمة: كان طموحي أن أكون كاتبًا. لديّ الكثير من دفاتر الجيْب الفائضة بالكلمات، ولكن لأجل لا شيء، لأجل لا أحد".

لم تنتظم حياته بعد عودته خصوصًا بعد ولادة ابنه دانيال. القحط المادي، الطلاق، شعور الأبوَّة، البحث عن مكان وسط ضياع الأمكنة... سنوات صعبة، سنوات "المتاهة" بكلّ معنى الكلمة. كان أوستر كمن يحفر في صخر بحثاً عن الـنَّبع الأسطوريّ لـفـنّ الكتابة. صارت المتاهة وجهه في تلك المرحلة. "قرَّرتُ أن أكتب النَّثر" كمَن استفاقَ على أمرٍ ما. انغمس في قراءة الروايات البوليسية: "قـرأتُ المئات منها...". قـرأ الجيّد منها والمُبتذَل. هو بالفـعـل انغمس في قراءة شبكة الأسئلة المعـقـدَّة بحثا في المجهُول، الأسئلة التي يُسفر الكثير منها عن اللاجدوى من طرحها، وفي شربِ كأس اللاجدوى حتّى الثّمالة يتبدَّى خيط الشّعاع بلا أسئلة.

من وسط هذا السَّديم تبدَّت ملامح الثلاثيَّة النيويوركيَّة، بأشخاصها (بلا شخوص)، بمتاهاتها (هي بذاتها المتاهة)، بعبثـيَّتها (الواقعيَّة إلى حدِّ الخيال)، ببنائها العجيب (ثلاث روايات تحاكي الواحدة الأخرى في غرفة المرايا) الغرفة الأميركية الناشطة في دور "الدولة العظمى" بلا ذِكر أيّ دولة، فقط الشوارع وخرائطها المرسومة من دوَّامةِ الوجوه بأسمائها الـمختلَقَـة الخالية من أيّ دلالة سوى دلالة ضياعها. قيل سبع عشرة وقيل تسع عشرة دور نشر في بلاد "الحداثة" رفضت نشر الثلاثيَّة. هنا بالذات كلّ بول أوستر: رواية مُثلّثـة من أبدع النّصوص الأدبيَّة في الربع الأخير من القرن العشرين، القرن الَّذي سادت فيه أميركا، كانت رواية غير مرئيَّة لأهمّ دُور النَّشر فيها قبل أن تبصر سبيلها إلى النّشر.

كان بول أوستر في التسعينيَّات أشبه بالنَّجمِ السَّاطع في عالم الأدب، في المدينة الَّتي يبحثُ منها كلّ طامح إلى اسمٍ له في عالم التخييل الأدبي وغيره كي يشقّ طريقه إلى "العالميَّة"، حتّى أنَّ مكتبة نيويورك العامَّة اشترت مجموعة الأوراق المخطوطة (دفاتر جيب، ملاحظات مدوَّنة أثناء العمل، مسوّدات وغيرها) الخاصَّة به، والمحفوظة في صناديق لتضعها إلى جانب محفوظاتها من مثيلاتها الخاصَّة بديكنز وتوين ونابوكوف وميللر... وخلال السنوات اللاحقة لصدُور بعض رواياته (منها الآنفة الذِّكر أعلاه) كُتِب الكثير عنه وعن أعماله من قبل الباحثين الجامعيّين والنُّقَّاد والمهتمّين بحيث تراكمت الأطروحات والأبحاث والدّراسات عنه بشكلٍ لافت. وبات صدور أي عمل له -لغاية آخر نصّ روائيّ أواخر العام الماضي- يلقى الأصداء اللافـتة في أرجاء العالم.

وبالرّغم من أنَّ عصبَ نصِّه السَّردي مشحونٌ بالحدس المتوفِّز، فإنَّ أوستر لا يتردَّد في القول بأنه كاتبٌ واقعي، مرتكزاً على رؤية نافذة لطبيعة الحياة نفسها: "الواقع أكثر غرابة من الاختلاق Fiction. ما أبحث عنه لأفعله كما أعتقد، هو أن أكتبَ نصًّا روائيًّا غريباً بقدر غرابة العالَم الذي أعيش فيه... اعتقاداتنا الراسخة أشدّ ما يكون الرّسوخ بشأن الكون، يمكن أن تتلاشى في ثوان. حيواتنا لا تخصنا حقًّـا، إنَّها تخصّ العالم، وبالرغم من كل مساعينا كي نجد لها معنى، فإن العالم هو مكان يتخطَّى إدراكنا".

لم يتخلَّ أوستر عن طقوس الكِتابة التي اعتادَ أن يمارسها بدأبٍ طيلة عـقُـود. وخلال السنوات الـ15 الأخيرة من حياته بشكلٍ خاص، اقتربت أعمالُه من خياراتٍ اتَّسعت فيها فسحةُ الكتـابة نحو آفاق متنوّعة منها كتابه عن سيرة حياة "الفتى المشتعل: ستيفن غرين" الذي قيل فيه إنَّه "عمَل حبّ من نوع نادر في الأدب المعاصر"، لأن أوستر نبش حياة غرين ليُظهر أهميّته بعد أن قارب النّسيان إغـفاله. وكتب "أمَّة الدّم" وهو تعليق بشكل نصّ مسهب على صور صهره المصوّر سبنسر أوستراندر لأمكنة شهدت سفك دماء في أرجاء الولايات المتّحدة. وكتب أثناء وبعد إقـامة في "كانسرلاند" روايته الأخيرة "بومغارتنر" التي ضمّنها الكثير من الانطباعات الوداعيَّة في مواجهة مرآة الموت وجهًا لوجه عبر شخصيَّة النصّ الأدبيّ.

· عن العربي الجديد